التفاسير

< >
عرض

ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ
٤٠
-الحج

تيسير التفسير

{الَّذينَ} نعت للذين أو بدله أو بيانه " { وأن الله على نصرهم لقدير } " [الحج: 39] معترض، ولهذا الاعتراض حسن جعله منصوبا أو مرفوعا على المدح {أخْرجُوا} أخرجهم المشركون بالتضييق عليهم، لما كان التضييق عليهم بالإيذاء سببا للخروج، سمى إخراجا {مِنْ ديارهم بغَيْر حق} متعلق بأخرجوا، وهو مفيد لما أفاده قول بعض اخراجا ثابتا بغير حق، ولما أفاده قول بعض كائنين بغير حق مترتب عليهم بموجب إخراجه، فلا حاجة إليهما {إلى أن يقُولُوا ربنا الله} بدل من حق لتقدم النفى بغير قيل أو بدل من غير على تضمين أخرجوا معنى النفى، أى لمن يقروا فى ديارهم إلا بأن يقولوا الخ، وعلى الوجهين ذلك من تأكيد المدح بما يشبه الذم، كقول النابغة، ولا عيب فيهم الخ كانه عد ربنا الله غير حق، وأجيز كون الاستثناء منقطعا.
{لَوْلا دفع الله النَّاس بعْضَهم بِبَعْضٍ} فى الأمم السابقة متعلق بقوله: أذن، كأنه قيل قاتلوا الكفار، فانه لولا تسليط الله عز وجل المؤمنين على الكفار بالقتال {لَهُدِّمت صَوامعُ} هى متعبدات الرهبان من النصارى والصابئين حين كانوا على حق، وكانت للصابئين ملة حق كما دخلوا فى قوله تعالى:
" { من آمن منهم } " [البقرة: 126] الخ والصومعة بناء رقيق إلا على كما تسمى مئذنة الإسلام صومعة إذ كانت كذلك {وبِيَعٌ} جمع بيعة وهى مصلى النصارى حين كانوا على الحق، ولا تختص بالرهبان، وقيل كنيسة اليهود، وزعم بعض أن المراد بالصوامع، والبيع متعبدات هؤلاء حال الإسلام، وأنها لمن فى حماية المسلمين منهم، ولو اتخذ بعضها المسلمون مسجدا، ونقول حاشى الله أن يعتنى بما للنصارى واليهود والصابئين من المتعبدات بعد بعثه صلى الله عليه وسلم، وقيل: لولا دفع ظلم المدعى ما ليس له بشهادة العدول المناقضين، أو بكون البينة عليه، وقيل: لولا دفع الظلمة بعدل الولاة، وقيل لولا دفع العذاب بدعاء الأخيار: وقيل: لولا الدفع بالقصاص، وقيل: بالنبيين.
{وصلوات} جمع صلاة كنيسة اليهود، وقيل متعبد النصارى دون البيعة، تسمية للمحل باسم الحال، وقيل المراد نفس الصلاة على تقدير، وعطلت صلوات، أو تضمين هدمت معنى عطلت، أو تقدير ومواضع صلوات، والتنكير ينافر ذلك، وقيل: هو مفرد أصله صلوتا بالإعجام والقصر، فعرب كما قيل بيع إن كان غريباً، كان من قوله تعالى:
" { إن الله اشترى } " [التوبة: 111] الخ وهو نكرة، وإن كان علماً فصرفه لشبه الجمع.
{ومساجد} للمسلمين، وفى اسمها تشريف بمزيد الخضوع بالسجود، وبأن أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجداً، وباختصاص المسلمين بالسجود ووقوعه فى الأمم قبلنا قليل، كقوله تعالى:
" { يا مريم اقنتى } " [آل عمران: 43] الخ ذكرها لتأخر زمان هذه الأمة، وإنما أخر ما لليهود على ما للنصارى مع تقدمهم لمناسبة المساجد بلقظ الصلاة، أو ذلك ذكر للأشرف بعد الشريف، لأن البيع أكثر عبادة من الصوامع، وكنائس اليهود أكثر عبادة من البيع لطول زمانها، والمساجد أشرف من الكل، أو أخرت لتبعد من ذكر التهديد، أو لتجاور المدح فى قوله تعالى: {يُذكر فيها اسْمُ الله كَثِيراً} الى قوله: " { وللهِ عاقبة الأمور } " [الحج: 41] والمراد ذكراً كثيراً أولى من تقدير زماناً كثيراً والجملة نعت مساجد، أولى من جعله نعتاً للكل، إذ لا يخفى أن الاعتناء بالذكر فى ما قبل المساجد بعد البعثة خلاف الأصل، أنه لا يتصور إلا باعتبار بقاء بركة ما قبل البعثة، مع أن أكثر ما قبلها كفر إلا قليلا جداً.
{ولينْصُرنَّ} والله لينصرن {اللَّهُ مَن ينْصُره} ينصر دينه أو أولياءه، وقد أنجز الله الوعْد بنصر المسلمين على مشركى العرب والأكاسرة والروم، وأورثهم أرضهم وديارهم {إنَّ الله لَقوىٌ} على ما أراد، منه نصر ناصره {عَزيزٌ} لا منع عما أراد.