التفاسير

< >
عرض

تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً
١
-الفرقان

تيسير التفسير

{تبارك} علا علوًّا عظيماً شأنا وصفة وفعلا، عن صفات الخلق، وأخذت المبالغة من التفاعل، لأن أصله بين اثنين كل يستخرج طاقته، ومن البركة بمعنى العلو قول العرب: تباركت النخلة، أى تعالت، وعلا أعرابى ربوة فقال: تباركت عليكم، أى تعاليت، وهو متبادر من قول الشاعر:

الى الجذع جذع النخاة المتبارك

وفى الثلاثة استعمال تبارك فى غير الله، ومنه قراءة أبى: تباركت الأرض ومن حولها، وفى الثالث استعمال غير الماضى، وكل ذلك قليل، والعلو علو معنى فى الآية كما فسرها الخليل بتمجد، والضحاك بتعظم، وقيل: تبارك تزايد خيره وعطاؤه، بأن دام ولا يزال معطيا كما يقال لمحبس الماء بركة بكسر ففتح، وبرك البعير ثبت فى الأرض ببطنه وصدره، وبراكاء الحرب موضعها الذى يلازمه الشجعان.
{الَّذى نزَّل الفُرقان} شيئا فشيئا، وهو القرآن، لأنه فارق بين الحق والباطل بالبيان، والمحق والمبطل بالاعجاز مصدر بمعنى فاعل، أى فارق أو لأنه مفروق فى النزول شيئاً فشيئاً، كما قال الله عز وجل: {وقُرآناً فرقْناه لتقرأه على الناس على مُكث ونزَّلناه تَنزيلاً} أو فى معانيه أحكاماً وإخباراً، فهو بمعنى مفعول، أو كأنه نفس الفرق فى المعنين كقوله، فإنما هى إقبال وإدبار، وذلك أصل ثم جعل علماً.
{على عَبْده} محمد صلى الله عليه وسلم، وهو تشريف له صلى الله عليه وسلم، بعظم عبوديته لله تعالى، ورد على النصارى إذ جعلوا الرسول وهو عيسى إلهاً، والرسول لا يكون إلا عبد لمرسله، وقيل: الفرقان كتب الله، والرسول الرسل، كما قرأ ابن الزبير: على عباده أى على رسله، ونقول: العباد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأمته أى أنزل فى شأنهم {ليكونَ} الفرقان، أو الله الذى نزَّله، والعالمون اقوام الرسل على قراءة ابن الزبير، أو يكون الفرقان، أو الله أو عبده، وهو أولى لقربه، وبماشرته الانذار، والعالمون أمته صلى الله عليه وسلم الى يوم القيامة، وقيل والملائكة، وقيل كل والجمادات لخلق الله عز وجل لها، تمييزاً وذلك إعظام لشأنه صلى الله عليه وسلم، بادخال الكل تحت دعوته على غيره من الرسل {نذيراً} لم يقل بشيراً، لأن السورة مشتملة على ذكر المعاندين ففيه براعة الاستهلال، وقدم الظرف للتشويق الى متعلقه، وللفاصلة لا للحصر، لأن المقام ليس لذكر أنه ما أرسل الا الى الجن والإنس، وإذا ذكرنا التقديم للفاصلة فزيادة على حكمة، لأنه كما يطلب تزيين المعنى، يطلب تزيين اللفظ بالفاصل، بل لو قدم للفاصلة فقط تزيينا للفظ لجاز مع قوة المعنى، وإنما الممنوع أن يكون فى تقديمه للفاصلة فقط ركة المعنى.