التفاسير

< >
عرض

لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً
٢
-الفتح

تيسير التفسير

{ليغْفر لك الله ما تَقَدم من ذَنْبك وما تأخَّر} وللمؤمنين مذهبنا ومذهب الأشعرية والمعتزلة، وأكثر الفقهاء أن أفعال الله لا تعلل بالأغراض، لأنه عز وجل وتبارك وتعالى لا يحتاج الى شىء، وقادر على فعل ما يشاء بغير شىء، لكن ان أريد بالأغراض الحكم ومصالح الخلق صح تعليلها بالأغراض، وعلى المنع، فاللام للعاقبة حيث توهم التعليل بالغرض، أو يشبه مدخلها بالعلة الغاية فى الترتيب على متعلقها الذى هو هنا الفتح الذى له صلى الله عليه وسلم فيه، سعى لاعلاء كلمة الله سبحانه، بمكابدة الحروب.
وقال متقدموا الأشعرية: تعلل بالأعراض لا بمعنى الاحتياج، ولا بأس به، وهو ظاهر الكلام، قال بعض الحققين: وجد التعليل فيما يزيد على عشرة آلاف آية وحديث، وتأويل الكثير لا يحسن، وقال السعد: مرا الأشاعرة ومن معهم من المعتزلة عموم السلب بمعنى لا فاعل له تعالى يعلل بالغرض فى بعض أدلتهم، وافاد بعضها سلب العموم، أى ليست كلها تعلل بالأغراض، بل بعضها، واختار أن بعض أفعاله تعلل بها.
قال: والحق أن بعض أفعاله تعلل بالحكم والمصالح، وذلك ظاهر، والنصوص شاهدة به، فأما تعميم أن كل فعل له تعالى لا يخلو من غرض، فمحل بحث، ويجاب بأن المراد لا يخلو عن حكمة، وكثيرا ما يكون التعليل فى الثانى لا فى الأول، كقوله تعالى:
" { أنْ تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى } " [البقرة: 282] فانه فى التذكير، ونحو: أعددت الخشبة ليميل الحائط فأدعمه، والتعليل أدعمه، ويكون فى الأول لا فى الثانى نحو: لازمت غريمى لأستوفى حقى وأخليه، والتعليل فى الاستيفاء، وقد يكون بمجموعهما، واذا كان فى بعض فقط فالبعض الآخر لشدة الارتباط، وتقديم بيان تعليل الفتح بالمغفرة.
وقد يقال: المراد بالتعليل قوله عز وجل:
" { وينصرك الله نصراً عزيزاً } " [الفتح: 3] وقيل: التعليل للمجموع، فهو للهيئة الاجتماعية، ومدخول اللام علة، ومتعلقها معلول بحسب التعقل، وعلة بحسب الوجود، وتقديم فتحا على ليغفر آت على الأصل من تقديم المفعول المطلق على سائر المعمولات، فقدم ما قدم على طريق الاهتمام بالمتقدم والتشويق، الى المتأخر، ومر ذنوب الأنبياء ترك ما هو أولى، والاقتصار على جائز لهم دونه، وقيل: المؤاخذة كناية عن عدم المؤاخذة، وفيه أن عدمها مشعر بالعفو، والعفو انما هو عن نحو ذنب أو عن ذنب.
وقيل: ليغفر لك استعارة تمثيلية، وقيل: ما تقدم فى الجاهلية وما تأخر فى الاسلام، وفيه أنه لا جاهلية له، ويجاب بأن المراد ما قبل الوحى، ولو فى أدنى شىء، وقد مر الكلام على ذنبه فى الإسلام ما هو، وقيل ما تقدم من حديث تحريمه مارية، وما تأخر من حديث امرأة زيد، ولا يصح ذلك، مع ان العكس أولى لتقدم حديث امرأة زيد، ولما نزلت الآية صام وصلى حتى انتفخت قدماه، وتعبد حتى صار كالشن البالى، فقالت له عائشة رضى الله عنها: أتفعل ذلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال:
"أفلا أكون عبداً شكوراً" وقال عطاء الخراسانى: ما تقدم من ذنوب أبويك آدم وحواء ببركتك، وما تأخر من ذنوب أمتك بدعائك لهم، وقال النووى: ما تقدم قبل النبوة، أى مما يعد ذنبا فى حق الأنباء، وقيل من الصغائر على أنها تصدر من الأنبياء وهو ضعيف، وما تأخر مما لم يكن، وذلك تأكيد كقولك: اقتل من العدو من لقيت ومن لم تلق، وأعط من لقيت ومن لم تلق، وعبارة بعض أن الفتح لم يجعل سببا للمغفرة، بل لاجتماع المغفرة واتمام النعمة، وهداية الصراط المستقيم، والنصر العزيز، ولما نزل أول السورة الى: "عزيزا" قالت الصحابة: هنيئا لك يا رسول الله فما لنا؟ فأنزل الله عز وجل: " { ليدخل المؤمنين } " [الفتح: 5] الى: " { فوزاً عظيماً } " [الفتح: 5].
{ويتم نعْمته عليْك} دينية ودنيوية، ومنها وهو أعلاها: إعلاء الدين ونشره فى البلاد {ويَهْديك صراطاً مُسْتقيماً} بزيادة ما لم يكن قبل، وتقوية ما كان قبل.