التفاسير

< >
عرض

وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ
٨٢
فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ
٨٣
وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ
٨٤
-الواقعة

تيسير التفسير

{وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} تقولون مطرنا بنوء كذا وبنجم كذا فرزقكم بمعنى شكركم تعبير بالمسبب عن السبب أو باللازم عن الملزوم أو يقدر مضاف أى شكر رزقكم وذلك مجاز، ويجوز أن يكون حقيقة على لغة أزد شنوءة، يسمون الرزق شكراً، يقولون أطعم فلان فلاناً ألفاً، وما رزقه أى ما شكره. وقرأ على فى صلاة الفجر وتجعلون شكركم.. الخ إِذ قرأ فيها بسورة الواقعة ولما فرغ من الصلاة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ كذلك وقد علمت أنه يقول قائل أى يستنكر ذلك، فلو كانت تفسيراً لم يقرأ به فى الصلاة. وقد استشهد أيضاً بالحديث كما سمعت ومعنى الآية جعلتم التكذيب مكان الشكر حتى كأَنه عينه.
وفى حديث الربيع بن حبيب أصبح من عبادى مؤمن وكافر، من قال أمطرنا بفضل الله فهو مؤمن بى، وكافر بالنجم، ومن قال أمطرنا بنوء كذا فكافر بى ومؤمن بالنجم... ومثله للبخارى ومسلم إِلا أنه زاد مسلم قوله فنزلت الآية: فلا أقسم.. إِلى تكذبون وفى حديث ابن أبى حاتم لما نزلوا فى غزوة تبوك الحجر أمرهم - صلى الله عليه وسلم - أن لا يحملوا من ماء بئره ماء لأَنها لقوم ظلموا، فأَهلكهم الله عز وجل وارتحلوا ثم نزلوا ولا ماء فشكوا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى ركعتين ودعا فأُمطروا، فقال رجل من الأَنصار يتهمونه بالنفاق: إِنما مطرنا بنوء كذا فنزل ما نزل.
وعن ابن عباس: مطر الناس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال
"أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر " . قالوا: هذه رحمة وضعها الله وقال بعضهم لقد صدق نوء كذا فنزلت الآية: {فلا أقسم بمواقع النجوم...} إِلى {أنكم تكذبون}. وذلك كفر شرك إِذ قالوا: الكوكب مؤثر حقيقة موجد للمطر، ويدل له أنه قوبل به الإِيمان ومقابلته بالشكر فى بعض الأَحاديث يناسب أنه كفر نعمة ولا يحسن هذا إِلا إِن أراد نسبة المطر إِلى النجم غافلا عن قطعه عن الله، وقد قيل: يكره مثل هذا كراهة لا كفراً.
وفى رواية صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصبح بالحديبية فى أثر السماء كانت من الليل فلما سلم أقبل علينا فقال:
"هل تدرون ما قال ربكم فى هذه الليلة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم فقال: قال ما أنعمت على عبادي نعمة إِلاَّ أصبح فريق منهم بها كافرين، فأَما من آمن بي وحمدني على سقياي، فذلك الذي آمن بي وكفر بالنجم، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك الذي آمن بالكوكب وكفر بي " ولا بأس على من قال مطرنا بفضل الله، والنوء ميقات وعلامة له كما روى أن عمر استسقى بالمصلى ثم نادى العباس كم بقى من نوء الثريا، فقال إِن العلماء يزعمون أنها تعترض فى الأَفق سبعاً بعد وقوعها فوالله ما مضت تلك السبع حتى أغيث الناس وإِنما أراد الوقف الذى أجرى الله تعالى أن ينزل فيه المطر، وقيل المعنى تجعلون شكركم لنعمة القرآن أنكم تكذبون له وعن الحسن ما يناسبه بئس القوم ما أخذوا من القرآن إِلا التكذيب به، ويقال أيضاً رزقكم هو المطر والتكذيب نسبته إِلى النجم أو النوء، وهذا تكذيب بكونه من الله عز وجل.
{فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ} متصل بقوله نحن خلقناكم... الخ. فإِنه خلقهم وملكهم فهم تحت ملكه ذواتهم ومعاشهم من طعام وشراب وسائر أحوال وحياة وموت، ولولا تحضيض لإِظهار عجزهم والحلقوم مجرى النفس لا مجرى الطعام، لأَن الروح يخرج منه لا من مجرى الطعام، والأَولى أن المراد أعلى الحلق هنا، وذلك حين قرب خروجها ويجوز أن يراد بلغت أول الحلق وضمير بلغت للروح وإِن لم يجر لها ذكر للعلم بها من المقام فقيل هى جسم لطيف سار فى البدن سريان الماء فى العود حى بنفسه يتصف بالدخول والخروج وغيرهما من صفات الأَجسام وجواب إِذا هو قوله تعالى: ترجعونها وهذا الرجع هو المحضض عليه بلولا الأُولى ولولا الثانية تأْكيد لها. ولولا الأُولى وما معها دليل على جواب إِن كنتم غير مدينين، بل مغن عن جوابه وقوله إِن كنتم صادقين مؤكد لقوله إِن كنتم غير مدينين مبين له، وقدم قوله إِن كنتم غير مدينين على ترجعونها بطريق الاهتمام أى فلولا ترجعونها إِذا بلغت الحلقوم إِن كنتم غير مدينين صادقين فى زعمكم أن لا بعث وأن المطر بالنجم والنوء وغير ذلك من الاعتقاد الباطل وكأَنه قيل إِن كنتم غير مدينين أى غير مربوبين كما تقتضيه أقوالكم وأفعالكم واعتقادكم فما لكم لا تردون الروح إِلى البدن إِذا بلغت الحلقوم بقدرتكم أو بعلاج طبيعة.
وذكر أبو البقاء أن ترجعونها هو متعلق التحضيض بلولا الأُولى مغن عما تستحقه الثانية من ذلك، وأنه قيل بالعكس وقيل إِن كنتم شرط داخل على شرط، فالثانى مقدم فى التقدير أى إِن كنتم صادقين إِن كنتم غير مربوبين فأَرجعوا الأَرواح إِلى الأَبدان كما كانت قبل وحينئذ حين إِذ بلغته برد ضمير بلغت إِلى الروح وردا لها المقدرة إِلى الحلقوم ولا تقل التقديرحين إِذا بلغت الروح الحلقوم إِذ لا دليل لهذا الإِظهار مع تقدم الإِضمار فى بلغت وتقدم ما ترجع إِليه الهاء وهو الحلقوم والمراد بتنتظرون تشاهدون ما يقاسى من الغمرات ولا يجوز التفسير بأَنتم تنظرون حالكم على أن حاله هى حالكم بعد لأَنكم تموتون كما يموت إِذ لا دليل على ذلك.