التفاسير

< >
عرض

فَٱلْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ
١٥
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ
١٦
ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْيِـي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
١٧
إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ
١٨
وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ
١٩
ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي ٱلأَمْوَٰلِ وَٱلأَوْلَٰدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَٰهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰماً وَفِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٌ وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَٰعُ ٱلْغُرُورِ
٢٠
-الحديد

تيسير التفسير

{فَالْيَوْمَ} متعلق بيؤخذ من قوله {لاَ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ} أيها المنافقون ولا صدر للا النافية إِن لم تعمل عمل إِن ولا عمل ليس ولا صدر للا الناهية. {فِدْيَةٌ} فداء تنجون به من النار كمال وتحقيق الإِيمان الآن، وكأَمر ما من الأُمور والمتبادر أن المراد المال وأيضا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِن الله تعالى يقول للكافر يوم القيامة أرأيتك لو كان لك أضعاف الدنيا أكنت تفتدى بجميع ذلك من عذاب النار فيقول: نعم يا رب. فيقول الله تبارك وتعالى قد سأَلتك أيسر من ذلك وأنت فى ظهر أبيك آدم ألا تشرك بى فأَبيت إِلا الشرك" . ولم يقرن الفعل بتاء التأَنيث أوله للفصل ولأَن النائب ظاهر مجازى التأنيث {وَلاَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} أشركوا صراحا لانفاقا {مَأْوَاكُمُ النَّارُ} اسم مكان ميمى أى محل إيوائكم أى رجوعكم بفتح الهمزة وإِسكان الواو بعدها ياء مثناة تحتية {هِىَ مَوْلاَكُمْ} ناصرتكم أى لا مولى لكم ولا ناصر كقولك: أطعمته السيف وأشبعته بالضرب وكما قال تحية بينهم ضرب وجيع وكقولهم أُصيب بسوء فاستنصر الجزع.
قال الله تعالى يغاثوا بماء كالمهل أو المعنى هى سيدتكم تلى ما ينفعكم، وذلك تهكم أو هى سيدتكم المتصرفة فيكم بحسب ما تصرفتم فى المعاصى الموجبة لها أو هى مكان قربكم من رضى الله عز وجل على التهكم، فهى اسم مكان من الولى وهو القرب أو قربهم إِلى النار مشاكلة لقرب المسلمين من الجنة قبل دخولها {وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} هى.
{أَلَمْ يَاْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا} طائفة من المؤمنين أصابهم فتور لما أصابوا من العافية ولين العيش فى المدينة بعد اجتهاد قبل الهجرة فمرحوا وضحكوا فنزلت الآية، كما روى أن نفرا مر عليهم فى المسجد يضحكون فقال:
"أتضحكون ولم يأتكم أمان من ربكم، وقد نزل على ألم يأن للذين آمنوا الآية فقالوا يا رسول الله فما كفارتنا؟ قال: أن تبكوا كما ضحكتم" . وظاهر الحديث أنها لم تنزل فيهم بل نزلت قبل ضحكهم لكن لا مانع أن تنزل فيهم قبل ضحكهم فتكون إِخبارا بالغيب وفى خبر أن أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - فشا فيهم المزاح والضحك فنزلت. وعن ابن عباس استبطأَ الله تعالى قلوب المهاجرين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن.
وقال أنس على رأس سبع عشرة سنة فنزلت وفى مسلم والنسائى وابن ماجه عن ابن مسعود والطبرانى والحاكم ما بين إِسلامنا وعتاب الله تعالى لنا: ألم يأن للذين آمنوا إِلخ إِلا أربع سنين، ويأن مضارع أنى، يقال أنى الأَمر بمعنى أتى وقته، وقال مقاتل والكلبى نزلت فى المنافقين. ويرده قوله تعالى {ولا يكونوا كالذين أُوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأَمد فقست قلوبهم}، لأَن المنافقين ليسوا مؤمنين بإِخلاص وقست قلوبهم وقيل نزلت الآية فى المنافقين بعد الهجرة بسنة إِذ قالوا لسلمان حدثنا عن التوراة فإِن فيها العجائب فنزل: نحن نقص عليك أحسن القصص. فأَخبرهم سلمان أن القرآن أحسن من غيره، فكفوا ما شاء الله عز وجل ثم عادوا فسأَلوه أن يحدثهم عنها فنزل: الله نزل أحسن الحديث الخ. فكفوا ما شاء الله تعالى فسأَلوه فنزلت هذه الآية. {أن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ} الخشوع لذكر الله وما أنزل هو الانقياد للأَمر الشرعى والقرآن بما فيه فعلا وتركا، وكان ابن عمر يقول إِذا قرأ الآية: بلى يا رب بلى يا رب.
{لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} من القرآن ومن للتبعيض والمراد بالذكر القرآن ذكره باسمين لاختلاف مفهوميهما فإِنه ذكر لله عز وجل ومقروء نزل من الله أو أنه تذكير وموعظة ومقروء نزل، وذكر بعض أنه إِذا أُريد به تذكير الله الناس أو التكلم بأَسماء الله وما أمر به فى الشرع فهو غير القرآن ولا بأس لأَن ذلك اعتبار فإِن اعتبرت أن ما يتكلم به أو التذكير هو من القرآن فهو قرآن أيضا، وما معطوف على لفظ الجلالة أو على ذكره هو أولى ولا ضعف فى الأَول لصحة قولك تخشع قلوبهم بتذكير الله تعالى مطلقا وبأَلفاظ القرآن أو بذكر الله وهو الوعظ أو التكلم المسموع بالأَذكار، وقيل الذكر القرآن وما نزل الفيوضات الإِلهية النازلة على القارئ، كما روى البخارى ومسلم والترمذى عن البراء، كان رجل يقرأُ سورة الكهف وعنده فرس مربوط، فجعلت سحابة تدنو فجعل الفرس ينفر منها، ولما أصبح ذكر ذلك للنبى - صلى الله عليه وسلم - فقال
"تلك السكينة تنزل تنزل للقرآن" ، قلت: لا يجوز تفسير القرآن بهذا واللام متعلق بتخشع على التعدية أو للتعليل. {وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ} أهل التوراة والإِنجيل {مِن قَبْلُ} أى من قبلهم {فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ} أى الأَجل وهو طول أعمارهم وآمالهم أو مدة ما بينهم وبين أنبيائهم أو أمد انتظار يوم القيامة والجزاء، وقيل أمد انتظار الفتح والأَمد الزمان باعتبار الغاية والزمان أعم والمراد زجرهم أن تقسو قلوبهم كما قست قلوب أصحاب التوراة والإِنجيل.
قال الحسن أما والله لقد استبطأَ الصحابة وهم يقرءُون القرآن أقل مما تقرءُون، فانظروا فى طول ما قرأتم وما ظهر فيكم من الفسق، ويروى أن أحمد بن أبى الحوارى كان فى طريق من طرق البصرة فسمع صعقة فإِذا رجل مغشى عليه فقيل هذا رجل حاضر القلب سمع ألم يأن للذين آمنوا الخ. وأفاق عند سماع الكلام فقال:

أما آن للهجران أن يتصرما وللغصن غصن البان أن يتبسما
والعاشق الصب الذى ذاب وانحنى وأما آن أن يبكى عليه ويرحما
كتبت بماء الشوق بين جوانحى كتابا حكى نقش الوشى المنمنما

فخر مغشيا عليه ومات وقرأت هذه الحكاية على قوم من أهل اليمامة بحضرة أبى بكر فبكوا شديدا، فقال كذلك كنا حتى قست القلوب يعنى قلوب غيره وغير نظائره، فذلك مدح لنظائره بعدم القسوة وزجر لمن قسى قلبه أو أراد إِدخال نفسه هضما لها، أو أراد أن زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقوى مما بعده، ولو لم تكن القسوة. ولا يخفى هذا فإِن معاصرته تزيد خيرا، فكيف مشاهدته. بعث أبو موسى الأَشعرى فى البصرة إِلى قرائها، فدخل عليه منهم ثلاثمائة رجل، فقال لهم: أنتم قراء أهل البصرة وخيارها، فاتلوه ولا يطولن عليكم الأَمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من قبلكم.
{وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} خارجون عن حكم التوراة والإِنجيل مصرون على الكبائر والبدع زيادة فى فشلهم عن العبادة لمزيد قسوة قلوبهم، قال عيسى عليه السلام: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسو قلوبكم، فإِن القلب القاسى بعيد عن الله عز وجل، ولا تنظروا إِلى ذنوب العباد كأَنكم أرباب وانظروا فى ذنوبكم فإِنكم عبيد. والناس رجلان مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء واحمدوا على العافية، وقيل المعنى كافرون بعيسى ومحمد - صلى الله عليهما وسلم - {اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ} بالماء والنبات {الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} بالقحط وزوال النبات وذلك استعارة تمثيلية للرجوع عن القسوة بالتوبة والخشوع والذكر وقراءة القرآن أو كناية عن ذلك {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ} من جملتها ما ذكر. {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} ما فى الآيات وتعملوا بموجبها فتفوزوا بخير الدنيا والآخرة وتنجوا من شرهما ولعل للترجية أو للتعليل.
{إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَدِّقَاتِ} أبدلت التاء فيهما صادا أو أدغمت فى الصاد والمراد مدح من ينفق ماله فى وجوه الأَجر {وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا} الضمير عائد للمصدقين والمصدقات أولى من أن يعود إِلى المصدقين فيقدروا وأقرضن وكذا لهم فى الموضعين تعود الهاء للمصدقين والمصدقات أولى من أن تعود إِلى المصدقين، ويقدر لهم ولهن والعطف على محذوف أخلصوا وأقرضوا وواو أخلصوا وأقرضوا للمصدقين والمصدقات، وجملة أخلصوا معترضة أو عطف على مصدقين لأَنه بمعنى تصدقوا، أو نقول هو شامل للمتصدقات فترجع الواو للمصدقين الشامل لهن، فيعطف أقرضوا الشامل لهن على مصدقين وإِنما ذكرن بعد الشمول تأَكيداً كما قال - صلى الله عليه وسلم -
"يا معشر النساء تصدقن فإِني رأيتكن أكثر أهل النار" ، وليس ذلك فصل بين أجزاء الصلة بعطف المصدقات، لأَنه كلا فصل لما علمت من الشمول، أو نقول الواو للمعية فى قوله والمصدقات فيعطف أقرضوا على مصدقين شاملا لهم ولهن أو يقدر موصول معطوف على المصدقين أى ومن أقرضوا وواو أقرضوا للفريقين والكوفيون أجازوا حذف الموصول كقوله:

فمن يهجو رسول الله منكم ويمدحه وينصره سواء

أى ومن يمدحه إِلا أنه يحتمل وقوع (من) على الفريقين كأَنه قيل القوم المشتملون على الهجاء والمدح مستوون أو نجيز الفصل بين أجزاء الصلة ونجيزه بتقدير معطوف هكذا، أو أقرضوا وأقرضن بعطف أقرضوا على متصدقين وأقرضن على متصدقات. {يُضَاعَفُ لَهُمْ} نائب الفاعل والهاء للفريقين أو النائب مستتر عائد إِلى التصدق أو الإِقراض على حذف مضاف أى ثواب التصدق أو ثواب الإِقراض {وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} مر مثله.
{وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ} واتبعوا الإِيمان بالعمل الصالح وترك المعاصى {أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ} المبالغون فى الصدق، إِذ صدقوا بإِخبار الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - كلها فكان لهم بذلك اسم الصدق وهو صديق، وشدد للمبالغة بل المشدد صيغة مستقلة وليس الصديقون بمعنى المصدقين. قال مجاهد كل من آمن بالله ورسوله فهو صديق وتلا الآية فهى عامة وليس كما قال قومنا: إِن الآية فى ثمانية سبقوا أهل الأَرض إِلى الإِيمان خاصة الصديق وعلى وزيد وعثمان وطلحة والزبير وسعد وحمزة، وتاسعهم عمر ألحقه بهم لصدق نيته. {وَالشُّهَدَاءُ} أكد بالجملة الاسمية وبإِشارة البعد فى الكمال وبذكر لفظ هم سواء جعل مبتدأ ثالثاً أو فصلا ومعنى شهادتهم رسوخهم فى الشهادة بالتوحيد وأمر الشرع أو كأَنهم شهدوا القيامة، وليس المراد خصوص القتل فى سبيل الله تعالى أو المعنى شهداء على الناس لقوله تعالى: وكذلك جعلناكم أمة وسطاً إِلخ، أو شهداء على الناس والتوحيد وأمر الشرع، ويدل على أنه ليس المراد خصوص القتل فى سبيل الله تعالى وعز وجل، حديث البراء بن عازب عنه - صلى الله عليه وسلم -:
"مؤمنو أمتي شهداء" وتلا الآية وقول أبى هريرة كلكم صديق وكلكم شهيد وتلا الآية، وكذا قال مجاهد: كل مؤمن صديق وشهيد وتلا الآية، "وقال رجل يا رسول الله إِن شهدت أن لا إِله إِلا الله وأنك رسول الله وصليت الخمس وأديت الزكاة وصمت رمضان وقمته، فمن أنا؟ قال: صديق وشهيد" . قال عمر رضى الله عنه ما لكم لا تردون على من يغتاب الناس، قالوا: نخاف لسانه. قال ذلك أحرى أن لا تكونوا شهداء على الناس. وقال أبو الدرداء عنه - صلى الله عليه وسلم - "من خرج من أرض خوفاً على دينه فهو صديق وإِذا مات مات شهيداً وحشر في درجة عيسى عليه السلام" أى فى مثلها وهى دونها، يعنى أن الآية صادقة فيهم لا مخصوصة بهم وهذه الأَحاديث والأَخبار تدل على عطف الشهداء على الصديقون، وقيل الشهداء الأَنبياء يشهدون على أممهم، وقيل إِن عامة المؤمنين لهم مثل ما للخاصة من الصديقين والشهداء. وعن ابن عباس والضحاك ومسروق ما حاصله أن الشهداء مبتدأ وقوله {عند ربهم} وقوله {لهم أجرهم} خبران أو الخبر لهم الخ. وعند متعلق بالشهداء، واستظهر الإِمام أبو حيان أن الشهداء مبتدأ، ووجهه أنه فسر الشهداء بالمقتولين أو بهم وبكل من يشهد على الناس يوم القيامة كالأَنبياء، وأنه ليس كل مؤمن صديقاً. وقوله هو قول ابن عباس ومن ذكر معه آنفا والعطف لتغاير الوصفين والموصوف واحد أى الجامعون بين الصديقية والشهادة ويجوز أن يراد القتل فى سبيل الله والعطف عطف تغاير، وكأَنه قيل بالمعنى منهم الصديقون ومنهم الشهداء.
{عِنْدَ رَبِّهِمْ} متعلق بشهداء {لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} خبر ثان والضمائر عائدة إِلى الذين أى لهم ما قضى الله لهم وأعده لهم من الأَجر والنور الشهيرين العظيمين كقوله:

أنا أبو النجم وشعرى شعرى

أو المراد نوع من المؤمنين دون الشهداء والصديقين لهم أجر كأَجر الصديقين والشهداء وعلى هذا فهاء أجرهم ونورهم للصديقين والشهداء وهاء لهم للذين ويقدر مضاف أى مثل الصديقين والشهداء لهم مثل أجر الفريقين ومثل نورهم {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} كلها قيل شامل للكفر بالرسل {أُوْلَئِكَ أصْحَابُ الْجَحِيمِ} مصاحبوها لا يفارقونها وهى نار تتأَجج.
{اعْلَمُوا} خطاب للمؤمنين يحذرهم عن الدنيا أو لهم وللمشركين على أن الكفار بعد فى الآية الحراث. {أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ} لا ثمرة لها {وَلَهْوٌ} شاغل عما يعنى شهر أن ضرب الدف مع اجتماع عليه كبيرة وبدون اجتماع عليه مكروه وأُجيز إِعلانا للنكاح وعنه - صلى الله عليه وسلم -:
"أعلنوا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه الدف" وعنه - صلى الله عليه وسلم - "الفصل بين الحلال والحرام. ضرب الدف ورفع الصوت في النكاح" . وكان عمر إِذا سمع الدف أقره إِن كان عرساً أو ختاناً إِن لم تجتمع نساء ورجال ولا غناء محرم. رواه قومنا ورووا أن الصديق دخل على عائشة وعندها جاريتان تضربان الدف فزجرهما وقال أتفعلن ذلك عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال "دعهن يا أبا بكر فإِن هذا عيد لهن ولنا ولكل قوم عيد" ، والصحيح المنع من ضربه إِلا إِشعاراً بالنكاح ولجمع عسكر ونحو ذلك من المصالح، وأما ما ذكر عنه - صلى الله عليه وسلم - آنفا فترخيص غير مستمر، وكذا نذرت امرأة ضرب الدف إِن رجع سالما من الغزو. فقال: لا، إِلا إِن عزمت فى النذر، فضربت فجاء عمر وزجرها فكفت فقال - صلى الله عليه وسلم -: "إِن الشيطان يفر منك يا عمر" . ولا يخفى أن ما روى فى الأحاديث من ذلك جاء مع كراهة. وقال السمرقندى ضرب الكف فى النكاح كناية عن المبالغة فى إِشهاره لا حقيقة وقال الضرب الذى فى زماننا للدف مع الجلجلات والصنجات يكره بالاتفاق، وإِنما الاختلاف فى الدف الذى فى زمانه - صلى الله عليه وسلم.
{وَزِينَةٌ} لا شرف لها ذاتى كلباس ومركب وبناء. {وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ} بالأَنساب والعظام البالية. {وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ} هذه الصفات قد تصدر عن المؤمنين فنهوا عنها والخطاب فى بينكم لهم أو لهم وللمشركين، وقيل الخطاب فى الموضعين للمشركين والخطاب بعد للمشركين أو الحراثون، والمراد صفة الحياة الدنيا أو حالها مثل صفة لعب أو حال لعب الخ. {كَمَثَلِ غَيْثٍ} خبر ثان أى كصفة غيث أو حال غيث ولا يصح ما قيل أنه متعلق بمحذوف حال من المستتر فى لعب بمعنى لاعب أو الكاف حال من الضمير وأنها اسم مضاف لما بعد. إِذ لا حاجة إِلى ذلك ولا إِلى قولك الدنيا لاعبة ولا إِلى تأْويل لعب بلاعبة، ولو صح أن يقال لعبت به الدنيا وماذا يفعل بما بعد أيضاً أيوؤله كله أو لا يوؤله والغيث المطر {أعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} أهل الشرك لأَنهم أشد إعجابا بأَمر الدنيا ورغبة فيها وأما المؤمن فيصرف ما رأى منها إِلى شكر الله تعالى واستحضار قدرته عز وجل.
قال أبو نواس وقد يصدق الكذوب:

عيون من لجين شاخصات على أطرافها ذهب ومسك
على قضب الزبرجد شاهدات بأَن الله ليس له شريك

أو الكفار الحراث لأَنهم يكفرون الحب فى الأَرض. وعليه ابن مسعود. {ثُمَّ يَهِيجُ} يتيبس {فَتَرَاهُ} يا من يصلح للرؤية {مُصْفَرًّا} زائل الخضرة لم يقل فيصفر، بل قال تراه مصفرا، لأَن المراد مشاهدة صفرته، لكل من يراه. ولأَن المرتب على معرفة الرؤية لا اصفراره {وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ} على الكفر قدمه على المغفرة، لأَنه مما ينتجه الرغبة فى الدنيا. {وَمَغْفِرَةٌ} عظيمة على الإِيمان وأكدها أيضاً بقوله تعالى: {مِنَ اللهِ} ما بالك بشئ قصد ذكره بأَنه من الله عز وجل مع أن كل شئ منه تعالى وأكد أيضاً بقوله {وَرِضْوَانٌ} عظيم لا يقادر قدره، وفى مقابلة العذاب الشديد بشيئين مغفرة ورضوان تغليب بالرحمة كما ذكر اليسر مرتين وهو نكرة كل واحد غير الآخر، وذكر العسر مرتين والثانى مغاير للأَول بل هو الأَول المعهود وجاء أنه لن يغلب عسر يسرين ووصف الرحمة بأَنها من الله دون العذاب تغليباً لها وكل منه تعالى ورمز إلى أن الخير هو المقصود الذاتى الأَولى.
{وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} ما متاع الحياة الدنيا {إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} أو ما الحياة الدنيا إِلا ذات متاع الغروب أو ما الحياة الدنيا إِلا شئ يتمتع به قريب الذهاب لمن اطمأَن إِليها، وألهته عن العمل للآخرة، ومن جعلها ذريعة فنعمت المطية له ونعم المتاع هى. قال أبو على فى الأَمالى: حدثنا أبو بكر قال حدثنا أبو مسلم ابن قتيبة عن المدائنى، قال: لقى عالم من العلماء راهبا من الرهبان، قال يا راهب: كيف ترى الدهر؟ قال: يُخلِق الأَبدان ويجدد الآمال ويباعد الأمنية ويقرب المنية. قال: فما حال أهله؟ قال: من ظفِر به نصِب ومن فاته تعِب. قال: فما الغنى عنه؟ قال: قطع الرجاء منه. قال: فأَى الأَصحاب أبر وأوفى؟ قال: العمل الصالح. قال: فأَيهم أضر وأبلى؟ قال: النفس والهوى. قال: فأَين المخرج؟ قال: سلوك المنهج. قال: فيم ذلك؟ قال: فى قطع الراحات وبذل المجهود.