التفاسير

< >
عرض

لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوۤاْ إِلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ
٨
إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُواْ عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ
٩
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ ذَلِكُمْ حُكْمُ ٱللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
١٠
وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى ٱلْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ أَنتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ
١١
يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَٰنٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُنَّ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
١٢
-الممتحنة

تيسير التفسير

{لاَّ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ} من المشركين {فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ} ولم يظاهروا على إِخراجكم بدليل الآية بعد {أن تَبَرُّوهُمْ} عن أن تبروهم أى عن بركم إِياهم، أى الإِحسان إِليهم وهو بدل اشتمال من الذين وذلك قبل الهجرة، ودخل فى الإِبدال بواسطة العطف قوله تعالى: {وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} تميلوا إِليهم بالعدل ولتضمنه معنى تميلوا أو تفيضوا عدى بإِلى {إِنَّ اللهَ} لأَن الله {يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} العادلين وذلك أمر مأْمور به مع كل مشرك جائز العشرة والإِقساط لا ينسخ كما زعم بعض أنه منسوخ بآية القتال وذلك فيما ليس فيه إِهانته فلا يجوز لأَنه غير عدل فهو خارج بلفظ إلاَّ على وجه الضرورة، فإِنه يفعله ولا يقصد إِهانة الإِسلام كالمضطر إِلى قول إِلهين اثنين وكالقيام لهم إِن كان لم يقم يقتل أو يعذب أو يؤخذ ماله ومن إِهانة الإِسلام أن يخدم كافراً أو يؤجره مشرك، ومن العدل التصدق على من هو فى الذمة والمستجير لا على أهل الحرب ولو غلبوا المسلم وكان تحت حكمهم إِلا لضرورة.
قالت أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنها أتتنى أُمى راغبة وهى مشركة فى عهد قريش إِذ عاهدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأَلت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أأصلها؟ فأَنزل الله تعالى: لا ينهاكم الله. الخ فقال:
"نعم صلي أمك" . رواه البخارى واسم أمها قتيلة بنت عبد العزى، طلقها الصديق فى الجاهلية وأسماء أكبر سناً من عائشة، وعائشة أكبر شأْناً منها رضى الله عز وجل عنهما. فأَسماء أخت عائشة من أبيها، وأم عائشة تدعى أم رومان والعقد الذى انقطع عن عائشة رضى الله عنها فنزل التيمم هو لأَسماء كان بيد أختها عائشة عارية تتزين به لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقيل قتيلة المذكورة خالة أسماء سميت أمهات مجازاً والصحيح الأَول، ولم تباشر أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسؤال، بل سأَلته بواسطة عائشة، كما روى أحمد عن عبد الله بن الزبير أنه قدمت قتيلة بنت عبد العزى على ابنتها أسماء بنت أبى بكر بهدايا ضاب وأقط وسمن، وروى ضباب وقرض وسمن وهى مشركة، فأَبت أسماء أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها حتى أرسلت إِلى عائشة رضى الله عنها أن تسأَل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذا، فسأَلته فأَنزل الله تعالى: لا ينهاكم الله الخ. فأَمرها أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها. ولفظ البخارى ومسلم ظاهر فى أنها سأَلت بنفسها لا بواسطة عائشة. ولفظهما قالت قدمت علىَّ أمى وهى مشركة فى عهد قريش إِذ عاهدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومدتهم فاستفتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت يا رسول الله إِن أُمى قدمت علىَّ وهى راغبة أفأَصلها؟ قال: نعم. صليها ونزلت الآية. وقال الحسن وأبو صالح نزلت الآية فى خزاعة وبنى عبد الحارث بن كعب وكنانة ومزينة وقبائل من العرب صالحوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه أحداً، وهو ظاهر حسن، إِلا أن الأَولى أن يحمل النزول عليه وعلى قصة أسماء ووجه حسنه أن هؤلاء هم الذين يمكن أن يقاتلوا المؤمنين وتركوا، وقال عطية العوفى وقرة الهمذانى: نزلت فى قوم من بنى هاشم منهم العباس رضى الله عنه. وقال عبد الله بن الزبير نزلت فى الصبيان والنساء والضعفاء والمرضى.
وقال مجاهد فى قوم بمكة آمنوا ولم يهاجروا فتحرج المهاجرون والأَنصار فى برهم لتركهم الهجرة الواجبة وفيه أن هؤلاء لا يؤمر بالإِحسان إِليهم إِن قدروا على الهجرة، وقيل فى مؤمنين من أهل مكة وغيرها قدروا على الهجرة ولم يهاجروا، وفيه أنا لا نسلم أنه يؤمر ببرهم والهجرة قبل نسخ وجوبها واجبة على كل من أسلم فى مكة أو غيرها من أهلها أو من غيرها، وقيل فيمن لم يستطع الهجرة من المؤمنين، والجمهور على أنها فى كل من لم يقاتل المؤمنين ولم يخرجهم من ديارهم فتعم من ذكر كله، ويدل له المقابلة بضد ذلك فى قوله تعالى {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَأخرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا} أعانوا {عَلَى إِخْرَاجِكُمْ} كمشركى مكة فبعضهم أخرج المؤمنين وبعض أعان على الخروج والمراد كما مر التضييق حتى كان الخروج بسببه {أن تَوَلَّوْهُمْ} بدل اشتمال أى ينهاكم عن موالاتهم بالحب والقول الحسن وسائر النفع وكشف أسرار المؤمنين لهم.
{وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} لأَنفسهم بالتعريض للذم والعذاب وللمؤمنين ودين الإِسلام، والحصر إِضافى أى لا من تولى بما ذكر من لم يقاتل ولم يخرج ولم يظاهر أو مبالغة حتى كأَنه لا ظالم سواهم أو الكمال فى الظلم ومن دونهم لم يكمل ظلمه وذلك فى مثل من هو مثلهم فلا يشكل بمن قتل نبياً.
{يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤمِنَاتُ} بحسب الظاهر لكم وبدعواهن، والمراد المؤمنات ذوات الأَزواج بدليل قوله تعالى: {وآتوهم ما أنفقوا}. ويحتمل الإِطلاق {مُهَاجِرَاتٍ} لبلدهن كراهة للكفر بحسب الظاهر لكم وبدعواهن ويدل على ذلك ذكر الاختبار بقوله {فَامْتَحِنُوهُنَّ} بما يغلب به على ظنكم صدقهن.
قال الطبرانى وغيره عن ابن عباس إِنه كان عمر رضى الله عنه يحلف من جاءت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للإِيمان بالله ما خرجت رغبة بأَرض عن أرضه وبالله ما خرجت من بغض زوج وبالله ما خرجت التماس دنيا وبالله ما خرجت إِلا حباً لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وذلك لضعف قلوبهن، وعن ابن عباس أيضاً إِن محنتهن أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر عمر أن يقول لهن إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بايعكن أن لا تشركن بالله شيئاً الخ، فإِن أذعن لذلك فاحكموا بإِيمانهن، والأَولى أن هذا بعد الاختبار المذكور أولا وقبول له. وفى البخارى أن سهيل بن عمرو شرط على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا يأْتيك أحد منا إِلا رددته إِلينا وخليت بيننا وبينه وإِن كان على دينك ومن أتانا منكم لا نرده إِليكم، وأتاه أبو جندل فرده إِلى أبيه سهيل المذكور، وكل من جاءه رده ولو كان مسلماً، وذلك مكتوب بينهم والمسلمون كرهوا ذلك. وجاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط وهى عاتق، فطلب أهلها ردها فلم يردها ونزل قوله تعالى: إِذا جاءك المؤمنات... إِلى: ولا هم يحلون لهن، وكان يمتحنهن بقوله تعالى: يا أيها النبى إِذا جاءك المؤمنات.. إِلى: غفور رحيم. قالت عائشة إِنها كانت كلاماً وما مس يد امرأة وجاءت سبيعة بنت الحارث الأَسلمية وطلبها زوجها مسافر من بنى مخزوم وقيل زوجها صيفى بن الراهب وقال: لما تجف الكتابة بيننا ترد إِلينا من جاءك منا، فأَنزل الله تعالى: يا أيها النبى إِذا جاءك المؤمنات، أى من دار الكفر فامتحنوهن، فامتحنها بالحلف المذكور، فحلفت فلم يردها وأعطى زوجها مهرها وما أنفق عليها وتزوجها عمر، وكان - صلى الله عليه وسلم - يلى امتحانهن بنفسه، وقيل عمرو من امتحنها أمسكها وأعطى زوجها مهرها ويرد من جاء من الرجال فقيل النساء دخلن فى عقد الرد ثم نسخ ردهن فكان يمسكهن وقيل عمهن لفظ العقد وبين الله تعالى أنهن لم يدخلن فيه {اللهُ أعْلَمُ} منكم ومن غيركم ومنهن {بِإِيمَانِهِنَّ} لأَنه المطلع على ما فى القلوب {فَإِن عَلِمْتُمُوهُنَّ} بالامتحان العلم المتعارف وهو ما فوق الظن، وهو أكثر علمنا فى الحكم بين الناس والشهادة وغير ذلك مما بيننا وبين الله تعالى وما بيننا معشر الناس وفى معنى ذلك ظننتموهن ظنا قوياً يشبه العلم الحقيقى وهو ما لا يقبل التشكيك {مُؤْمِنَاتٍ} فى نفس الأَمر بحسب الظاهر لكم {فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} إِلى أزواجهن الكفار بدليل قوله وآتوهم ما أنفقوا دلالة أقوى من قوله تعالى {لاَ هُنّ حِلٌَّ} صفة مشبهة فيها ضمير مستتر والإِفراد لكونها فى الأَصل مصدراً {لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} إِنما قلت دلالة أقوى لأَنه لولا قوله وآتوهم ما أنفقوا لاحتمل أن المعنى اقبلوهن ولا تتركوهن يرجعن إِلى الكفار فيتزوجوا بهن وهن مؤمنات أو يزنوا بهن، والجملتان تعليل أى لأنهن لا يحللن لهم ولا هم يحلون لهن، والجملة الأولى لفسخ النكاح بينهن وبين أزواجهن المشركين ويحتمل الإِطلاق فى ذوات الأَزواج وغيرهن فتكون الآية تفصيلا، فأَما الامتحان فعام، وكذا عدم الحل بين المؤمنة والكافر فإِنه لا يتزوجها ولا تترك إِليه وإِن تزوجها قبل فرق بينهما، وأما الإِنفاق عليهن ففى ذوات الأَزواج، والثانية لبيان ما يستأنف من النكاح ويناسب ذلك الإِخبار فى الأولى بالاسم وفى الثانية بالفعلية المضارعية وفى الأَولى إِسناد الصفة المشبهة إِلى ضمير المؤمنات إِعلاما بأَن نفى الحل مستمر لا يختل والتغيير من جانبهن وأسند الفعل المضارع إِلى الكفار لاستمرار الامتناع فى المستقبل، إِلا أنه يقبل التغيير بحدوث الإِيمان فباعتبار ذلك يندفع التكرير بين الجملتين، ويحصل التغاير مع أنه يجوز أن يكون التكرير للتأْكيد ومثل الجملتين فى البديع يسمى بالعكس والتبديل. ومن ذلك قوله تعالى: هن لباس الخ وفى نفى الحل لهم ونفى حلهن لهم دليل على خطاب المشرك بفروع الشريعة وأجاب المانع بأَن المعنى: لا يحل للمؤمنات أن يبقين تحت المشركين، ولا يحل للمؤمنين ترك مؤمنة تحت مشرك، فالخطاب للمؤمنات والمؤمنين وهو جواب تكلف ترده أيضاً دلائل أولت بتكلف مثل: سئلت بأَى ذنب قتلت، وقولهم لم نكن من المصلين الخ {وَآتُوهُم} أى آتوا المؤمنين المتزوجين لهن والهاء للأَزواج الكفرة وهو مفعول ثان مقدم وقوله: {مَّا أنفَقُوا} مفعول أول لأَنه فاعل فى المعنى لأَنه الآتى أى صيروه آتيهم وهو المهور فمن أراد تزوج مهاجرة أعطى زوجها ما أصدقها واعتدت وتزوجها ولا يضر تأْخير الإِعطاء إِذ التزمه وقيل لا بد من تقديمه، والإِعطاء واجب والأَمر للوجوب، وقيل هذا الإِعطاء ندب لأَن بعضاً تزوج بلا إِعطاء والصحيح الأَول، ويجوز الخطاب للأَئمة، بأَن يأْمروا المتزوج بها أن يعطى زوجها ما أنفق.
وروى الرد من المرأة فيما ذكر الضحاك أنهم يقولون إِن أتتك امرأة لها زوج، فإِنها إِن دخلت فى دينك فإِنها ترد لزوجها ما أعطاها وإِن لم تدخل فى دينك رددتها إِلينا فنقول لا بد من الإِعطاء إِما أن تعطى هى أو من يتزوجها وجاء أيضاً أنه يعطيها مريد تزوجها ما تعطيه وقيل نسخ الإِعطاء بنسخ العهد بآية براءة فى لنبذ لأَن الحكم بالإِعطاء فرع العهد، فإِذا نسخ العهد نسخ الإِعطاء وقيل نسخ بنسخ رد المرأة إِليهم، وذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - صالح المشركين فى الحديبية بواسطة سهيل بن عمرو على وضع الحرب عشر سنين وأن من أتاه - صلى الله عليه وسلم - منهم بغير إِذن وليه رده، ومن أتاهم من المؤمنين فلا يردوه، وأنه من أحب دخل فى عهده - صلى الله عليه وسلم - أو في عهد قريش فكان لا يأتيه - صلى الله عليه وسلم - أحد إِلا رده، ورد أبا جندل بن سهيل وهاجرت نساء منهن أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط وهى أولهن، وجاء أخواها عمار والوليد ليرداها فنزلت الآية نسخاً للرد فلم يردها وزوجها زيد بن حارثة. وجاءت سبيعة بنت الحارث الأَسلمية زوج صيفى بن الراهب، وقيل مسافر المخزومى وأخذ ما أنفق وتزوجها عمر.
وقد قيل نزلت فيها وقيل نزلت فى أميمة بنت بشر زوج أبى حسان بن الدحداحة وطلبوا ردها فلم ترد وتزوجها سهيل بن صيفى فولد له عبد الله، ويجمع بأَن نزول الآية بعد هؤلاء كلهن، ثم إِن الحكم مخصوص بالمهاجرين فلا حكم فى ذلك بعد نسخ الهجرة.
{وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أن تَنكِحُوهُنَّ} فى أن تتزوجوهن أو بأَن أو على أن، وذلك بعد الهجرة كما مر وقيل بلا عدة فى مسأَلة المهاجرة للإِطلاق فى الآية إِلا أن تكون حاملا لقوله - صلى الله عليه وسلم -
"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقين ماءه زرع غيره" . الجواب الحمل على آية العدة عن الطلاق. والحق وهو مذهبنا أنها لا تقع الفرقة إِلا بإِسلامها فلو هاجرت ولم تسلم لم تقع فرقة، لأَن الفرقة لأَن لا تحل مسلمة لمشرك، وإِن أسلم زوجها قبل الخروج من العدة وهاجر فهو أحق بها وقيل تقع الفرقة بإِسلامها. {إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} صدقاتهن على تزوجكم بهن زيادة على ما تعطون أو يعطيهن أزواجهن المشركين، والمراد بإِيتاء الأجور التزامه فلا يضر تأخيره {وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} العصم جمع عصمة كسدرة وسدر وهى ما يتمسك به من عقد وسبب ونحوه والكوافر جمع كافرة، امرأة كافرة ونساء كوافر وهو مقيس فى المؤنث وفى المذكر غير العاقل فلا يقاس فى نحو رجل كافرة بتاء التأْنيث للمبالغة كراوية لراوية الشعر كثيراً أو مسمى بذلك اللفظ علماً، ولا مانع من قولك طائفة كافرة وطوائف كوافر، وذلك نهى عن أن يعتقد من أسلم اتصالا بزوجه التى لم تهاجر ولم تسلم فيجوز له نكاح خامسة ونكاح من لم تجتمع معها، كانت فى العدة فإِن اختلاف الدارين قاطع بينهما ولا عدة لهن على ما شهر.
وعن النخعى أنه نزلت الآية فى المسلمة تلحق بالمشركين، وكذا عن أمية بن المغيرة المخزومى، وتسمى أيضاً قريبة، ولما أراد الهجرة ارتدت فتزوجها معاوية بن أبى سفيان قبل إِسلامه، وطلق عمر أيضاً زوجه أم كلثوم بنت عمرو بن جرول الخزاعى فتزوجها أبو جهم ابن حذيفة من بنى عدى قبيلة عمر، وهى أم ابنه عبيد الله، وطلق طلحه زوجه أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وقيل لم يطلقها ولكن فرق الإِسلام بينهما، وعلى كل حال تزوجها فى الإِسلام خالد بن سعيد بن العاص بن أُمية، وأسلمت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهاجرت ولحقت بالنبى - صلى الله عليه وسلم - ثم أسلم زوجها أبو العاص بن الربيع وهاجر فردها إِليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وارتدت زوج عياض بن شداد الفهرى أم الحكم بنت أبى سفيان ولحقت بمكة وارتدت بروع بنت عقبة زوج شماس بن عثمان وعزة بنت عبد العزيز بن نضلة وتزوجها عمرو بن عبد ود، وهند بنت أبى جهل بن هشام زوج هشام بن العاص بن وائل وكل من ارتدت لحقت بمكة ولا تحبس، والفرقة عندنا وعند الشافعى بالإِسلام، وعند الحنفية بالوصول إِلى دار الإِسلام، وذكرت الشافعية أنه إِن جمعتهما العدة تبين وقوع الطلاق من حين اللفظ، وإِلا فالبينونة بواسطة بقاء المرأة فى الكفر {وَاسْأَلُوا} أى اطلبوا الكفار أن يعطوكم {مَا أنفَقْتُمْ} مهور النساء اللاحقات بهم {وَلْيَسْأَلُوا} يطلبوا المؤمنين أن يعطوهم {مَا أَنْفَقُوا} مهور النساء اللاحقات بالمؤمنين، واللفظ أمر للكفار بالطلب والمراد أمر المؤمنين بالأداء مجاز استعمالا للسبب فى المسبب واللفظ فى الموضعين أيضاً أمر، والمراد المساواة ورد مهر من أسلمت إِلى زوجها واجب كما هو ظاهر الآية على أن عقد الصلح شملهن ثم نسخ بقوله تعالى: فلا ترجعوهن إِلى الكفار. ولفظ العقد لا يأْتيك أحد منا إِلا رددته إِلينا، وقيل مندوب إِليه على أن العقد لم يشملهن.
كما روى عن على: لا يأْتيك منا رجل إِلا رددته إِلينا ولو كان على دينك، وذلك أن الرجل يقوى على التقية وإِضمار الإِيمان والنية، بخلاف المرأة فيخاف عليها أن ترتد. وأما اليوم فعن مجاهد وقتادة وعطاء أنه يجب الرد إِذا شرط فى معاقدة الكفار، وقال غيرهم يجب أن يرد عليهم ما أنفقوا {ذَلِكُمْ} ما ذكر من السؤالين {حُكْمُ اللهِ} فاتبعوه {يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} بالحق مستأنف أو حال من حكم الله فالرابط مجرور بحرف محذوف أى يحكم به أو الرابط ضمير يكون مفعولا مطلقاً، أى يحكمه أو ضمير مستتر فى يحكم بأَن أسند الحكم إِلى الحكم على التجوز فى الإِسناد للمبالغة بأَن يكون الحكم حاكماً لقوته كأَنه يستقل عن الحاكم {وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} بالمصالح والحكم {وَإِنْ فَاتَكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ} علموا أنه فاتهم شئ منهن إِلى الكفار فما معنى أن التى للشك تعالى الله عنه وهو: لم يشكوا فى الفوت، بل أيقنوا به وذلك أن المؤمنين أدوا مهور من جاءتهم إِلى أزواجهن، والمشركين لم يؤدوا مهور من جاءهم من المؤمنات إِلى أزواجهن.
الجواب: أن الآية نزلت قبل الفوت والشك مصروف إِلى المؤمنين أو معناه: إِن قلتم فاتنا شئ، فاستعمل مقولا مقام القول، وذلك نزول قبل أن يقولوا، والشك مصروف إِلى غير الله عز وجل، والشئ إِحدى النساء كما قرئ: وإِن فاتكم إِحدى النساء والتذكير باعتبار معنى بعض النساء، ولفظ شئ لزيادة التعميم وشمول محقرات النساء شمولا كالنص ولتحقير من تركت الإِسلام ولو كانت شريفة بالنسب والمال والحرمة. ويروى أنه فاتت ست نسوة من المؤمنات إِلى الكفار، وعبارة بعض أن المؤمنين أدوا ما أمروا به من مهور المهاجرات إِلى أزواجهن وأبى المشركون أن يؤدوا شيئاً من مهور الكوافر إِلى أزواجهن المؤمنين فنزل: وإِن فاتكم الخ، أى فاتتكم زوج من أزواجكم، ومن للتبعيض لا للابتداء كما قيل ولا للبيان، لأَن الفائت ليس أزواجهم بل بعضهن، ويجوز أن يكون شئ واقعاً على المهور على حذف مضاف أى شئ من مهور أزواجكم ومن للتبعيض {فَعَاقَبْتُمْ} جاءت توبتكم من أداء المهر لزوج التى هاجرت إِليكم، وذلك استعارة تمثيلية بأَن شبه كون الإِعطاء تارة من مشرك وتارة من مسلم فتعاقب بتعاقب اثنين على دابة تارة يركب هذا وتارة هذا يتناوبانها، والمعاقبة لا تقتضى المشاركة بين الفاعلين كما لم تقتضها فى الآية، تقول رعت الإِبل نباتاً تارة وأخرى نباتاً آخر معاقبة بدون أن تقول عاقبتها إِبل أُخرى فى ذلك الرعى، أى إِن لحق أحد أزواجكم إِلى الكفار أو فاتكم بعض مهوركم ولزمكم أداء المهر كما لزم الكفار {فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْوَاجُهُمْ} مرتدات {مِّثْلَ مَا أنفَقُوا} هو مهر المهاجرة التى تزوجتموها ولا تؤتوه زوجها الكافر ليكون قصاصاً كذا قيل.
وعن الزهرى يعطى من لحقت زوجه بالكفار مثل صداق من لحق بالمسلمين من زوجاتهم وعن الزجاج معنى عاقبتم غنمتم. قيل وحقيقته فأَصبتم فى القتال بعقوبة حتى غنمتم فكأَنه قيل: وإن فاتكم شئ من أزواجكم إِلى الكفار، ولم يردوا إِليكم مهورهن فغنمتم منهم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا من الغنيمة قيل وهذا هو الْوجه دون ما سبق، فعن ابن عباس كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطى الذى ذهبت زوجه من الغنيمة قبل أن تخمس ولا ينقص من سهمه شئ، وعلى هذا فإِنما لم يقل الله تعالى لرسوله فإت الذين مراعاة للغنيمة أنها لهم كأَنه قيل فى غنيمتكم سهمان للذين ذهبت أزواجهم ولعله يظهر لك أن هذا توجيه حسن وإِلا فظاهر الآية لا يقتضى الإِعطاء من الغنيمة بل من أموالهم.
وأما إِعطاؤه - صلى الله عليه وسلم - من الغنيمة فجبر لمن لم يجد ما يعطى {وَاتَّقُوا اللهَ} بترك المعاصى {الَّذِي أَنْتُم بِهِ} قدم للحصر والفاصلة {مُؤْمِنُونَ} فإِن الإِيمان بلا تقوى غير نافع {يَا أيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ} لم يقرن الفعل بتاء التأْنيث لأَن المراد الجنس لا نساء مخصوصات، فساغ التذكير وأيضاً ساغ الفصل بالكاف وذكر المجئ إِشعار بأَنَّهن راغبات بأَنفسهن لا بدعوة داع. {يُبَايِعْنَكَ} حال مقدرة لأَن المبايعة بعد المجئ لا معه وهى بالمعنى مقارنة لأَن المعنى قاصدات أو ناويات للمبالغة والقصد أو النية مقارن للمجئ أى يبعن الشرك بالإِسلام والمعصية بالطاعة والنار بالجنة وأنفسهن بالجنة على يديك أو المبايعة الشراء للخير على يديه، وذلك أصل المعنى {عَلَى أن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا} الخ ربما كان بعض هذه الأمور غير معلوم لهن تحريمه فكيف يطلق أنهن جئن ليبايعن على ذلك كله.
الجواب أنهن إِما عارفات لذلك لشهرة الإِسلام به فأَمره الله تعالى بالتوثق منهن فى تلك الأُمور المعروفة عندهن ولا يخن ولا يقصرن أو الجواب التلقين بأَن يشترط ذلك كله عليهن وأمرهن بالقبول وشيئاً مفعول مطلق أى إِشراكاً ما أو مفعول لا يجعلن شيئاً من الإِشراك شريكاً له تعالى. {وَلاَ يَسْرِقْنَ } شيئاً ولو من مال أزواجهن أو أمهاتهن أو آبائهن أو أولادهن إِلا ما لزم لهن ومنعن منه فلهن أخذه {وَلاَ يَزْنِينَ} ولو بطفل أو طفلة أو امرأة أو بأَيديهن ونحوها.
{وَلاَ يَقْتُلْنَ أوْلاَدَهُنَّ} كما تقتل العرب بناتهن فى الجاهلية، ومن قتل الولد أكل الدواء للسقط أو فعل ما يسقط به ولو لم ينفخ فيه الروح، لكن بالمعنى والحمل فإِن القتل يختص بما فيه الروح وجاء الحديث بأَن العزل قتل بأَن تعزل فرجها إِذا أراد الزوج الإنزال، فذلك قتل منها، وكذا هو إِن عزل فذلك قتل منه، فإِذا كان ذلك قتلا فإِسقاط النطفة وما فوقها قتل بالأَولى، ولو لم ينفخ الروح ويجب اجتناب كل دواء يقال إِما أن يحيى الولد به وإِما أن يموت بل تتداوى بما تطمع به الحياة فقط وقد قالوا لا تفعل ذات الزوج ما يسقط مخافة أن يكون فى بطنها نطفة أو ما فوقها إِلا حين لا ريبة.
{وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وَأرْجُلِهِنَّ} لا يأْتين بكلام يبهت ويتحير به سامعه إِذا افتضح وظهر وهو أن ينسبن لأَزواجهن ولدا من زناهن أو ولداً يلتقطنه أو يكسبنه من موضع ما وينسبنه لأَزواجهن، وذكر بين الأَيدى والأَرجل لأَن الولد يولد بين الأَيدى والأَرجل، أما الأَرجل فظاهر وأما الأَيدى فكل رجل تتبعها يد فوقها، ونتناول الولد بالأَيدى وتكب عليه بها وأيضاً البطن الذى هو محل الولد بين يديها من فوق وجوانب وبين الأَرجل من تحته، أو البهتان كناية عن الولد وكن يظهرن الحمل أول أمره وعند قرب الولادة ويقلن عند الوضع قد ولدنا لك، وذلك امتنان منهن على الأَزواج، كذا قيل وقيل البهتان الكذب على أحد بالزنى أو بالسرقة أو غير ذلك مما لم يكن وذكر الأَرجل والأَيدى كناية عن الذات، لأَن معظم الإَفعال بالأَيدى والأَرجل، كما يقال لمن فعل شيئاً ولو بغير اليد أو بالقلب أو اللسان كسبته يده أو المراد بهتان يصورنه فى قلوبهن وينطقن به ظلماً للناس. وذكر الأَيدى والأَرجل لأَن القلب مقابل لما بين الأَيدى والأَرجل، ولو كان فى الجانب الأَيسر من الصدر. وقيل يبهتن الناس مواجهة ويرده ذكر الأَرجل لأنه يقال فعل كذا بين يدى، أى بحضرتى بلا ذكر الأرجل وقيل الآية كناية عن خرق الجلباب عن الحياء مطلقاً كالبهتان والغيبة والكذب وذكر ما لا يحسن، وقيل بين أيديهن أن يقبلهن أو يقبلن غير من يحل تقبيله وأرجلهن الجماع. وقيل بين أيديهن اللسان وأرجلهن الجماع، وقيل البهتان السحر وللنساء ميل إِليه وجملة يفترينه نعت لبهتان سواء كان بالمعنى المصدرى أو بمعنى المبهوت به وبين أيديهن حال من هاء يفترينه.
{وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} فى أمر معروف شرعاً وهو نهى عن منكر وأمر بما هو واجب أو مستحب فإِن ذلك النهى وذلك الأمر كلاهما معروف وعن أم سلمة الأنصارية، قالت امرأة من هؤلاء المهاجرات المريدات للمبايعة ما هذا المعروف الذى أمرنا أن لا نعصيك فيه. قال لا تنحن الحديث وهو دليل كالصريح على أن النهى عن المعصية داخل فى المعروف وما ذكر من الأُمور المخصوصات فى الأحاديث تمثيل كشق الجيب ووشم الوجه ووصل الشعر يحمل على التمثيل وعلى كثرة وقوعهن من النساء وتمزيق الثياب وخمش الوجه وحلق الشعر ونتفه والتكلم للجنب والخلو به والنواح وضرب الأَرجل ليسمع صوت الخلاخل.
وفى البخارى ومسلم أن امرأة من المبايعات لما نهاهن عن النواح قضت امرأة يدها فقالت فلانة أسعدتنى فأنا أُريد أن أجزيها، فانطلقت ورجعت فبايعها، وفى النسائى قال: لا إِسعاد فى الإِسلام، والإِسعاد أن تنوح معها جزاء لنواح تقدم منها لها، ولفظه عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ على النساء أن لا ينحن فقلن يا رسول الله نساء أسعدتنا فى الجاهلية فنسعدهن. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"لا إِسعاد في الإِسلام" فإِما أن يتعدد طلب الاسعاد منهن لا من كلهن وإِما أن يراد أنهن راضيات بسؤال تلك الواحدة ولاق بحالهن فأسند إِليهن، وإِما أن يكون ذلك حكماً على المجموع.
وفى أبى داود عن أسيد بن أسيد عن امرأة من المبايعات كان فيما أخذ علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المعروف أن لا نعصيه فيه أن لا نخمش وجهاً ولا ندعو ويلا ولا نشق جيباً ولا ننشر شعراً، وحكمة لفظ معروف مع أنه لا يأمر بالمنكر التنبيه على أن لا يطاع مخلوق فى معصية الخالق حتى أنه لو أمرهن النبى بالمعصية لم يجز لهن اتباعه فيها حاشاه عن ذلك - صلى الله عليه وسلم - أو المعروف على ظاهره وخص بالذكر لذلك والوثوق بأنه لا يأمر بمنكر {فَبَايَعْهُنَّ} اقبل مبايعتهن بضمان الثواب على الوفاء بما ذكر {وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ} زيادة على قبول المبايعة وضمان الثواب.
{إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فهو يقبل مبايعتهن إِن أوفين، والسورة مدنية فهذه المبايعة تعم مبايعة المهاجرات فى المدينة والمبايعة للنساء يوم الفتح وأولها مبايعة المهاجرات فى المدينة، وهى سبب النزول، وقيل بايعه أهل المدينة حين هاجروا. وأول من بايعت من النساء فيها أم سعد بن معاذ وكبشة بنت رافع ومن معهن. وعن مقاتل بايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرجال على الصفا، وبايع عمر تحته النساء ولا يمس يد واحدة، وإِن مس فمن فوق الثوب ويد المرأة، ولو كانت غير عورة، لكن المس أشد من النظر.
وعن أميمة بنت رقية: بايعنا النبى - صلى الله عليه وسلم - على أن لا نشرك بالله شيئاً إلى أن بلغ فى معروف فقال فيما استطعن، فقلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا يا رسول الله ألا تصافحنا؟ فقال:
"إِني لا أصافح النساء وقولي لمائة امرأة قولي لواحدة" . فقد بايعهن - صلى الله عليه وسلم - بلا مس كما صافحهن عمر وجملة المبايعات أربعمائة وسبع وخمسون، وفى الترمذى عن أُميمة بنت رقية بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله فى نسوة وقال لنا فيما استطعن وطقتن. قلن الله ورسوله أرحم بنا منا بأنفسنا. قلت يا رسول الله: بايعنا تعنى صافحنا. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة والمبايعة متعددة في مواضع" . وعن الشعبى صافحهن بيده واضعاً عليها ثوباً قطويا كما فى رواية، وهو ثوب مطروح كما هو المتبادر من رواية بايعهن وبين يده وأيديهن ثوب قطوى، ويجوز أن يكون على بدنه لا مطروحاً ولعله بايعهن تارة بلا مصافحة وتارة بها وعلى يده الثوب وتارة بماء فى إِناء وضع يده فيه ورفعها ثم كن يضعن أيديهن فيه فلعل أميمة طلبت المبايعة بالمس بلا حائل وقد صافحها فى الماء أو بالكلام فقط، فطلبت المبايعة ولو على ثوب، والأشهر أن لا مصافحة.
وعن أسماء بنت يزيد بن السكن: كنت فى المبايعات فى مكة مع هند بنت عتبة زوج أبى سفيان ولما قال: على أن لا يشركن. قالت: كيف يقبل منا ما لم يقبل من الرجال تعنى أن هذا ظاهر، ولما قال: ولا يسرقن. قالت: أصبت الشئ الهين من مال أبى سفيان قال: أبو سفيان حل لك ما مضى وما يأتى فضحك - صلى الله عليه وسلم - وقال:
"إِنك لهند بنت عتبة" ، وقد أساءت إِليه قبل. فقالت: اعف عما سلف يا رسول الله، عفا الله عنك، وذلك لما مثلت بحمزة حين قتل رضى الله عنه. ولما قال: ولا يزنين. قالت: أو تزنى الحرة تعنى لان الزنا فى الحرائر قليل عند الجاهلية وإِنما تزنى الإِماء ونساء مخصوصات حرائر يجعلن لأنفسهن علامات تسمى الرايات. ولما قال: ولا يقتلن قالت: ربيناهم صغاراً وقتلتهم كباراً فأنتم وهم أعلم تعنى ابنها حنظلة ابن أبى سفيان قتل يوم بدر فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضحك عمر حتى استلقى. وروى أنها قالت: قتلت الآباء وتوصينا بالأولاد فضحك - صلى الله عليه وسلم - وقال ولا يأتين ببهتان فقالت: البهتان أمر قبيح، وإِنما يأمر الله بالرشد ومكارم الأخلاق. وقال: ولا يعصينك فى معروف. فقالت: والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفى أنفسنا أن نعصيك فى شئ واجترأت على هذه الأجوبة لقوة قلبها ولأنها حديثة عهد بجاهلية ولمكان أم حبيبة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم.