التفاسير

< >
عرض

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
١
هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
٢
-التغابن

تيسير التفسير

{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. يُسَبِّحُ للهِ} بلسان الحال أو القال {مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} من الدواب والملائكة، المضارع للتجدد والاستمرار فى هذا الموضع وشبهه ومعنى التسبيح التنزيه عما لا يليق به وهو متعد ولكن جئ باللام لتضمن معنى الانقياد وما فى السماوات وما فى الأَرض عبارة عن المخلوقات كلها، كما يعبر عن الصحابة مطلقا بالمهاجرين والأَنصار، كما فسر به بعض المفسرين فى أوائل سورة الجمعة، وقدم السماوات لشرفها وعدم المعصية فيها وكثرة العابدين فيها وعدم بطلان عبادة ما من عبادتهم وقوة تسبيحهم وصفائه. وعنه - صلى الله عليه وسلم -: "ما من مولود إِلاَّ مكتوب في تشبيك رأسه خمس آيات من فاتحة سورة التغابن" ذكره الشوشاوى {لَهُ} وحده لا مع غيره {الْمُلْكُ} جميع المملوكات أجساما وأعراضا ولا ملك لغيره إِلا صورة وعارية منه أو هو بالمعنى المصدرى، وهبنا الله أشياء انتفعنا بها ونفعنا بها غيرنا ونثاب على ذلك بفضله إِن شاء الله الرحمن الرحيم كما تستعير شيئا من غيرك لنفعك وتنفع غيرك بنفعك، وقدم الملك على الحمد لأَنه دليل الحمد والحمد يكون على ما ملكه. {وَلَهُ} وحده لامع غيره {الْحَمْدُ} على ما أعطانا بلا واسطة مخلوق أو بواسطة والحمد هنا الشكر أو الثناء على الأَوصاف والأَفعال أو على الأَفعال {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ} لأَن قدرته ذاتية لا تتفاوت معها الأَشياء.
{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ} أيها الناس استشهاد لقدرته ببضع أفعاله ومن أفعاله غير ذلك وهو خلق الجن وخلق الملائكة وخلق غير ذلك. {فَمِنْكُمْ كَافِرٌ} به {وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ} به وذلك ترتيب على الخلق، أى ترتب من خلقه إِياكم أن بعضا كافر وبعضا مؤمن كقوله: فمنهم مهتد إِلخ. أو ذلك تفصيل لإِجمال خلقه تعالى للمخاطبين كقوله تعالى: والله خلق كل دابة الخ. فالكفر والإِيمان فى ضمن الخلق، فهما مخلوقان لله تعالى كسائر أفعال الخلق واعتقاداتهم والحجة النقلية مثل قوله تعالى:
{ وخلق كل شيء } [الأنعام: 101، الفرقان: 2] { هل من خالق غير الله } [فاطر: 3]، والعقلية أن يقال كيف يخلق الإِنسان مثلا فعله ولو فعله خطأَ أو فى المنام وكيف يخلقه غافلا عن أبعاضه، ولا يدرى كم هى ولا أحوالها مع تعمده للفعل إِذ تعمده مع حضور عقله وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - "إِنَّ خلق أحدكم يجمع في بطن أُمه أربعين يوماً نطفة وأربعين علقة وأربعين مضغة ثم يبعث الله تعالى ملكاً يكتب رزقه وأجله وعمله وشقاوته أو سعادته ثم ينفخ فيه الروح" ، وحديث أبى ذر المرفوع "إِذا مكث المنى في الرحم أربعين ليلة أتاه ملك النفوس فعرج به إِلى الرب سبحانه وتعالى فيقول يا رب أذكر أم أُنثى، فيقضي الله ما هو قاض فيقول أشقي أم سعيد" ، فيكتب ما هو لاق وقرأ من أول السورة إِلى قوله فأَحسن صوركم وإِليه المصير فلا دليل فيهما لأَن المعتزلة قبحهم الله يقولون الفاعل يخلق فعله والله عالم بما يفعله علما أزليا وقاض ويكون حجة على من زعم منهم أنه لا يعلمه الله تعالى حتى يكون، فالحديث قاض بعلمه قبل أن يكون، لا صريح فى أنه تعالى خالقه ووجه الجمع بين الحديثين أن الرافع فى الحديث الثانى غير الرافع فى الحديث الأَول، والرفع مرتين. وفى أحدهما ما ليس فى الآخر. وفى مسلم عنه - صلى الله عليه وسلم - "خلق الله للنار أهلاً وهم في أصلاب آبائهم وخلق للجنة أهلاً وهم في أصلاب آبائهم وذلك باختيارهم" . والكفر والإِيمان فى الآية منظور فيهما إِلى القضاء أى فمنهم من قضى كفره ومنهم من قضى إِيمانه بلا إِجبار أو إِلى الاختيار، أى فمنهم من اختار الكفر ومنهم من اختار الإِيمان، عاب الله تعالى من اختار الكفر مع دلائل قبحه شرعاً وعقلا، وقبحه أن يتصور فى شأن فاعله إِذ فعله وقد نهى عنه وبانت مضاره لا فى شأن خالقه فإِنه من حيث أنه مخلوق لله تعالى صواب لا خطأ إِذ لا يخلق الخطأَ وغير الصواب كما خلق النار والبحر والحديد وسائر الأَشياء المهلكة لمقارفها على وجه الإِهلاك، فنحن نقارف الكفر بمعنى أنا نذكره على وجه بيانه والاستدلال على تحريمه. وفى خلقه إِنعام إِذ يتبين به مقدار الإِنعام بالإِيمان وقدم ذكر الكفر لكثرته ولتقدمه فى الوجود فى شأْن المكلفين من حيث التكليف ولو تقدم الإِيمان من حيث: { ألست بربكم قالوا بلى } [الأعراف: 172]، ومن حيث: "كل مولود يولد على الفطرة" فطرة الله التى فطر الناس عليها، وأيضاً قدم الكفر لأَن المقصود بالذات ا لتهديد على كفر من كفر..
وعن عطاء فمنكم كافر بالله تعالى مؤمن بالكواكب ومنكم مؤمن بالله كافر بالكواكب كما فى حديث:
"أصبح من عبادي مؤمن" الخ. وقيل فمنكم كافر بالخالق وهم الدهرية وأصحاب الطبائع، ومنكم مؤمن به. وعن أبى سعيد الخدرى فمنكم كافر فى حياته مؤمن فى العاقبة، ومنكم مؤمن فى حياته كافر فى العاقبة. والمؤمن الموحد شامل للموفى والفاسق والكافر المشرك أو المؤمن الموحد الموفى والكافر المشرك والفاسق ولا يصح العطف على الصلة لعدم الرابط والفاء إِنما تكفى فى الربط إِذا كانت سببية نحو الطائر فيغضب زيد الذباب فإِن الغضب مسبب عن طيران الذباب إِلا أن يتكلف أن خلقهم سبب لكفرهم وإِيمانهم ولو لم يخلقوا لم يكن كفر ولا إِيمان منهم لعدمهم ويتخيل أنه سبب والفاء تمنع العطف على مجموع هو الذى الخ ولو أجازه بعض.