التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَٱغْفِرْ لَنَآ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
٨
يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ
٩
-التحريم

تيسير التفسير

{يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلى اللهِ} من الذنوب كلها، وفى البخارى عن الأَغر بن يسار المزنى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "يا أيها الناس توبوا إِلى الله تعالى فإِنى أتوب إِليه في اليوم مائة مرة" ، وهذا تفسير لقوله - صلى الله عليه وسلم - "والله إِني لأَستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة" . رواه مسلم عن أبى هريرة، وفى البخارى ومسلم "لله أفرح بتوبة عبده المسلم من أحدكم سقط عن بعيره و أضله في أرض فلاة..." الحديث.
وفى مسلم عن أبى موسى الأَشعرى عن النبى - صلى الله عليه وسلم -
"أن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده في النهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها" . وعن عبد الله بن عمر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "إِنَّ الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" . رواه الترمذى. {تَوْبَةً نَّصُوحًا} خالصة خلوصا عظيما كعسل ناصح أى خالص من الشمع، وليس إِسناد الخلوص إِلى التوبة مجازاً فى الإِسناد، وإِن قلت ضربته ضرباً شديداً لم تكن الشدة مجازاً للضرب بل حقيقة، ونسبة الخلوص للأمر حقيقة وذلك أن النصح بمعنى الخلوص وأنه لازم، وإِن قلنا إِنه متعد بمعنى نصح الفاعل أو نصح الناس إِذا رأُوا أثرها فيفعلون مثلها، فالإِسناد مجاز عقلى لأَن الناصح هو الإِنسان ينصح نفسه بالتوبة لا التوبة ويصلح فساد المعصية، وفسر بعضهم النصوح أنها تنصح صاحبها، وقيل الناس لظهور أثرها فيقتدون بها، قال معاذ ابن جبل يا رسول الله ما التوبة النصوح؟ قال: أن يندم العبد على الذنب ويعتذر إِلى الله عز وجل ولا يعود إِليه كما لا يعود اللبن إِلى الضرع، وروى هذا موقوفاً عن عمر وابن مسعود وأُبى، وفى الحديث مرفوعاً "الندم توبة" ، وعن محمد بن كعب القرظى التوبة النصوح الاستغفار باللسان والإِقلاع بالأَبدان وإِضمار ترك العود بالجنان ومهاجرة سىء الإخوان، وعن الكلبى الاستغفار باللسان والندم بالجنان والإِمساك بالأَبدان.
وسمع على أعرابياً يقول: اللهم إِنى أستغفرك وأتوب إِليك، فقال يا هذا إِن سرعة اللسان بالتوبة توبة الكذابين، قال: فما التوبة، قال: الندم على الذنب الماضى، وإِعادة الفرض الذى لزمه، ورد المظلمة إِن كانت لمخلوق، واستحلال الخصم، والعزم أن لا يعود، وإِذاقة النفس مرارة الطاعة، وإِذابة النفس فيها كما رباها بالمعصية وحلاوتها، والندم خوف العقاب توبة، والندم طمعاً فى الجنة توبة، والندم إجلالاً لله تعالى توبة وهذه أقوى، ولا بد فى الكل من قضاء حق الله أو حق المخلوق، كقضاء صلاة، أو صوم تركه، وإِعطاء كفارة لزمته، أو ما للضعفاء، وضمان مال أو بدن أفسده أو عرض نقصه، كما لا يحل، وأن يذعن لما لزمه من ضرب أو قتل أو حبس، وأن لا يبغض من تبرأ منه، والندم خوف الجلد أو الحد أو القطع أو الرجم أو نحو ذلك أو لتعيير الناس أو أمر دنيوى ليس توبة، وإِن اجتمع بعض هذه مع ما هو توبة، فالتوبة على حالها والتوبة واجبة على الفور من الذنب مطلقاً، وذكر بعض أن تأخيرها ساعة ذنب آخر أو ساعتين ذنبان وهكذا.
وذكر بعض أن ترك التوبة من الكبيرة ساعة كبيرتان، فعلها وتأخر التوبة، وساعتين أربع الأَوليان، وترك التوبة على كل منهما وثلاث ساعات ثمان، والقولان للمعتزلة، وإِذا تاب ثم رجع رجع عليه ما مضى من الذنب عندنا وعند المعتزلة والباقلانى، وقال الأَشعرية لا يرجع عليه ما مضى بل الرجوع إِليه ذنب آخر مستأنف.
{عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنْكُم سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} صيغة الطمع أو الترجى من الله جزم عادة الملوك فى استعمال ذلك، وحكمة ذلك الإِشعار بأَن المغفرة والإِثابة تفضل منه تعالى إِذ لا واجب عليه سبحانه، والتلويح بأَن على المكلف أن يكون بين خوف ورجاء ولو نصحت توبته أو لم يذنب قط، وإِذا صحت توبة العبد عند الله عز وجل وكان سعيداً لا يموت مصراً فقد وعده الله سبحانه بالمغفرة والثواب وهو لا يخلف الوعد ولا الوعيد فذلك واجب الوقوع بمعنى أنه لا بد منه، هذا معنى وجوبه إِذا أطلق فهو واجب فى وعده لا عليه حاشاه، وزعمت المعتزلة أنه يجب عليه تعالى قبول التوبة النصوح، وهو خطأ ولا يجزم بقبول توبة أحد إِلا بالنص إِلا توبة المشرك، فإِنا نجزم بقبولها لقوله تعالى: {يُغْفَرْ لَهُم مَا قَدْ سَلَفَ} وحديث الإِسلام جب لما قبله، وإِن ارتد لم يرجع عليه ما قبل إِسلامه، وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -
"التوبة تجب ما قبلها" فهو فى الموحد وغيره على ظاهره بشرط أن لا يموت مصراً وذلك بوعد الله عز وجل، ومعنى دعائنا بقبول التوبة الدعاء أن تكون خالصة ولا تعقب بذنب يموت مصراً عليه.
{يَوْمَ} متعلق بيدخل {لاَ يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ} المعهود محمداً - صلى الله عليه وسلم - {وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} الإِخزاء الإِفضاح أى لا يصيره خزياً أى فاضحاً بل له أنواع الإِكرام، أو الإِخزاء التصيير ذا خزاية أى انكسار وذل فى نفسه بالحياء المفرط بل يجعله ناعماً مبتهجاً، أو لا يصيره ذا خزى أى استخفاف من غيره له واحتقار، بل منصوراً محترماً مكرماً، ولا يجوز تفسيره بذلك كله أو فى متعدد منه إِلا على جواز استعمال الكلمة فى معنييها أو معانيها، والذين معطوف على النبى، والمراد بالإِيمان الإِيمان الكامل وهو المتبوع بالعمل، وفى ذلك تعريض بإِخزاء المشركين والفساق، ودعاء المؤمنين إِلى الحمد والشكر على النجاة من الإِخزاء، ومعه حال من الذين، أو الذين مبتدأ ومعه خبر.
{نُورُهُم يَسْعَى بَيْنَ أيْدِيهِمْ} يتقدم أمامهم أينما ساروا أو سمى اللمعان سيرًا والجملة مستأنفة. {وَبِأَيْمَانِهِمْ} فى أيمانهم والعطف على بين ويتعلقان بيسعى أو بمحذوف حال من ضمير يسعى، والجملة الكبرى مستأنفة أو خبر للذين. {يَقُولُونَ} إِذا رأوا نور المنافقين مطفأً عند ابن عباس والحسن وقبل ذلك وبعده، والجملة مستأنفة أو خبر للذين ثان أو حال من الذين، قيل أو من ضمير يسعى والرابط ظاهر بمعنى المضمر وهو نور فى قوله تعالى {رَبَّنَا أتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. يَا أيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ} المشركين بالسيف.
{وَالْمُنَافِقِينَ} المضمرين للشرك فى قلوبهم المظهرين التوحيد فى ألسنتهم بالوعظ والتحذير منهم وإِقامة الحدود. {وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} على الكفار والمنافقين. {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} للعذاب الغليظ فيها. {وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} جهنم أو مأواهم، والعطف عطف قصة على أُخرى كذا قيل، قلت بل العطف على شأنه لتمام المناسبة بين قوله: {مأْوَاهُمْ جَهَنَّم} وقوله: {بئس المصير}، إِلا إِن أُريد بعطف القصة على أُخرى عطف {مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} على {جَاهِد} أو على {اغْلُظْ}، ومع هذا لا يخلو من مناسبة لأَن فيهما معاً الوعيد للكفار والمنافقين، وإِنما فى ذلك عطف اسمية خبرية على إِنشائية فعلية وهو جائز وارد فى القرآن، كما فى عطف {بئس المصير} وهى فعلية على {مأْوَاهُم جَهَنَّمُ} وهى اسمية ولا مانع من جعل واو قوله ومأواهم واو الحال.