التفاسير

< >
عرض

وَلاَ يَسْتَثْنُونَ
١٨
فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ
١٩
فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ
٢٠
-القلم

تيسير التفسير

{وَلاَ يَسْتَثْنُونَ} ويقال أوسطهم أراد الاستثناء وأمرهم به ولم يطيعوه فتبعهم فهو لم يستثن كما لم يستثنوا لا يخرجون منها شيئاً للمساكين كما كان أبوهم يفعل، هذا ما ظهر لى وهو إِن شاء الله، وقيل لا يرجعون عما قالوا من عدم إِعطاء المساكين وفيه أنه لا دليل فى الآية على هذا بل ظاهرها على هذا لا يرجعون عن صرمها مصبحين ولو كان قد يلمح من الإِصباح الإِخفاء أو الاختلاس عن الطلاب إِلا بما بعد من قوله يتخافتون الخ. بخلاف قولنا، ولا يخرجون منها حصة فإِنه ظاهر المعنى مقبول ولو كان لم يذكر لمن الحصة، وقيل المعنى لا يقولون إن شاء الله وفيه أنه إِفراط عظيم فى القسم ولفظ المثنى صالح لذلك كله كما تقول ما قام القوم إِلا زيد، فكما خرج زيد عن القوم كذلك خرج ما لم يشاء الله وخرج الرجوع عن الشئ بعد القول به، والجملة معطوفة على ليصرمنها، فقد انسحب عليها القسم السابق إِلا أنها لم تؤكد بالنون وكأَنهم استغنوا عن توكيده باحتيال بتعجيل الصرم، وقوتهم فى الاختلاس، أو على مصبحين فهى حال بالعطف وهذا يغنى عن جعل الواو للحال من فاعل يصرم والمضارع على حاله لأَنهم حين الحلف يقولون لا نستثنى نعم إِن عطفناه على أقسموا فالمضارع لاستحضار الحالة الماضية كأَنها مشاهدة لغرابتها.
{فطَافَ} احاط بسبب إِقسامهم. {عَلَيْهَا} على الجنة. {طَائِفٌ} بلاء طائف أو أمر طائف أو عذاب طائف، لأَن إِهلاك جنتهم عذاب لقلوبهم، فعن ابن جريج شهاب مستطيل من النار خرج إِليها من واديها، وقيل من السماء، وقيل المراد طاف عليها ملك طائف وهو جبريل عليه السلام، اقتلعها وطاف بها حول البلاد ووضعها قرب مكة عند الطائف الذى هو بلدة ولا يوجد فى الحجاز مثلهاماءً وشجراً وعنباً وثماراً وسميت البلدة باسم ما طاف على تلك الجنة وذلك ضعيف.
{مِنْ رَّبِّكَ} مرسل من ربك أو ثابت من ربك بلا توسط مخلوق فيها، وتحقيق هذا والجرى على ظاهره وهو أولى أن يكون الطائف إِحراقاً بنار بلا توسط ملك أو إِدبالها وإِزالة نضرتها أو إِفناؤها أو نقلها ولو كان ما جرى على يد جبريل أمر من الله وأنه هو ملك الخسف والصعق والإِسواء. اللهم بك ننجو من الإِسواء دنيا وأخرى. {وَهُمْ نائِمُونَ} ليلاً وهو وقت الاستغراق فى النوم، وعن الفراء تخصيص الطائف بالأَمر الذى يأْتى ليلاً، وقيل نائمون استعارة تبعية للغافلين غفلة الضالين والأَول أصح كما يناسبه قوله مصبحين وقوله تعالى:
{فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ} إِلا أن يقال مصبحين ترشيح للاستعارة لتبادر أن الإِصباح عن النوم فى الليل، ومعنى كالصريم كالبستان الذى صرمت ثماره أى قطعت أى كالمصروم فعيل بمعنى مفعول وظاهر هذا أنها بقيت فى مكانها على حالها إِلا أنها أتلف الله عز وجل ثمارها فأَشبهت فى عدم وجود الثمار البستان الذى قطع صاحبه مثلا ثماره، والمراد أنها صرمت ثمارها وخشبها كما يصرم الثمار ويبقى ذلك أو شبه إِزالتها أو نقلها بالصرم للثمار فقط.
وعن ابن عباس كالرماد الأَسود لغة خزيمة وعنه الصريم أرض باليمن ذات رمل لا تنبت شيئاً، وقيل الصريم قطعة من الرمل مستطيلة خرجت من معظم الرمل لا تنبت البتة أو تنبت مالا ينفع، وقال الفراء: الصريم الليل احترقت واسودت كالليل، وقيل كالصبح فى البياض لزوال خضرتها كما يبيض الزرع المحصود، فالصريم يطلق على الليل والنهار لأَن كل واحد ينصرم على الآخر، والآن سئلت عن الأصف وليس عن تفسير الاية ويقال اللصف، وقال أبو عمرو بن العلاء: الأَصف الكَبَر، وأما الذى نبت فى أصله مثل الخيار فهو اللصف وهو فى حديث ذكرته فى تحفة الحب، وذكر بعض أن اللصف ثمرة حشيشة لها عصارة يصطبغ بها وهو يمرئ الطعام ويسميه أهل العراق الكبر يعظم شجره ويتسع، ومنبته القيعان وأسافل الجبال أو هو أذن الأَرنب ورقه كورق لسان الجمل وأدق وأحسن، زهره أزرق فيه بياض وله أصل وشعب إِذا قلع وحك الوجه به حمره وحسنه، والصحيح أنه شئ ينبت فى أصول الكبر وأما ثمر الكبر فهو الشفلح، قال الجوهرى وهو أيضاً جنس من التمر.