التفاسير

< >
عرض

إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَٰناً وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
٢
ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ
٣
أُوْلۤـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
٤
-الأنفال

تيسير التفسير

{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ} كاملو الإِيمان، مبتدأ خبره قوله {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ} ذكر وعيده {وَجِلتْ} خافت {قُلُوبُهُمْ} ذلك الوعيد، أَو إِذا ذكر الله بالوعد أَو بالوعيد أَو غير ذلك خافته قلوبهم خوف إِجلال، فيفزعون إِلى ذكره، وإِذا هموا بمعصية فقيل لهم: اتقوا الله خافوا وتركوها، ووجل القلب لا ينافى الاطمئنان فى قوله تعالى: " { أَلا بذكر الله تطمئن القلوب } " [الرعد: 28] فإِنها تطمئن بتحقيق التوحيد. وتحقيقه لا ينافى الخوف من الله تعالى، والدعاءُ مجاب عند اقشعرار القلب خوفا كما قالت أم الدرداءِ رضى الله عنها {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ} ما نزل من القرآن {زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} تصديقا بالقلب وعملا بالقول والجوارح، فإِن الإِيمان بتلك المعانى يزداد قوة و رسوخا بزيادة الأَدلة وتداعى بعض لبعض والفكر. وينقص بإِهمال الفكر والعمل على عكس التداعى، فكلما نزلت آية تقووا، والكافر بها يزداد كفرا بنزول أُخرى، كما أَنه إِذا انكشف الغطاءُ صدق من كذب وازداد يقينا من صدق إِلا قليلا كما قيل عن الإِمام على: لو انكشف الغطاءُ لم أَزدد إِلا يقينا، فهذا من الإِمام على ظاهر فى أَن الإِيمان يزداد وينقص، والمعنى بزيادة الأَدلة والعمل بمقتضاه وضعفه بعدم التفكر والعمل بغير مقتضاه، كما يتفاوت بطلوع الشمس، وبحدوث العالم، وذلك تحقيق لا خلاف لفظى، كما زعم بعض أَن ترك العمل هو نقصه، وقول البخارى: لقيت أَكثر من أَلف عالم من الأَمصار يقولون الإِيمان قول وعمل، ويزيد وينقص - ليس نصا فى أَن النقص بترك العمل، وإِنما هو إِخبار بأَنه يزيد وينقص، وتبادر من عبارته ليس بترك الأَعمال، وحديث أَنه صلى الله عليه وسلم قال لوفد ثقيف: "الإِيمان مكمل فى القلوب زيادته ونقصه كفر" لا يصح لضعف سنده جدا، ولو صح لكان المعنى الزيادة فيه من غيره بما ليس شرعا، والنقص منه باختلاله كفر، وحديث البخارى حجة على من يدعى أَن القول قد يكفى عن العمل، أَما من تاب أَو أَسلم ومات قبل العمل فلا إِشكال فى قبوله {وَعَلَى رَبِّهِمْ} لا على غيره {يَتَوَكَّلُونَ} ذكر للموصول ثلاث صلات، وجل القلوب عند ذكر الله عز وجل، وزيادة الإِيمان إِذا تليت آياته، والتوكل عليه. وذكر موصولا آخر بصلتين فى قوله {الَّذِينَ} نعت للمؤمنين {يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ} الواجبة والنافلة {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} فى الطاعة واجبا ونفلا. قرن الله تعالى الإِيمان وعمل الصالحات كما فى الآية قبل هذه، وقوله: " { آمنوا وعملوا الصالحات } " [العصر: 3] والزكاة والصلاة، والصلاة والإِنفاق، فى هذه الآية، وقوله تعالى " { وأَقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } " [النور: 56] وطاعة الرسول كما فى قوله عز وجل "وأَطيعوا الله وأَطيعوا الرسول" وطاعة الله والإِحسان إِلى الوالدين فى قوله تعالى " { وقضى ربك أَلا تعبدوا إِلا إِياه وبالوالدين إِحسانا } "[الإِسراء: 23] وأَخبر عن هؤلاءِ الصفات بقوله:
{أُولَئِك} الموصوفون بتلك الصفات {هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا} مصدر مؤكد لغيره، كقولك: هو ولى الله حقا، أَى حق ذلك حقا.. أَو نعت مصدر أَى إِيمانا حقا، {لَهُمْ دَرَجَاتٌ} كثيرة لا قليلة، عظام، حسيات ومعقولات، من علو الشأْن، قال صلى الله عليه وسلم:
"فى الجنة مائة درجة لو أَن العالمين اجتمعوا فى إِحداهن لوسعتهم" رواه أَبو هريرة، وعن أَنس "سبعون درجة ما بين كل درجتين حضر الفرس المضمر سبعين سنة" {عِنْدَ رَبِّهِمْ} فى اللوح المحفوظ، وفى علمه {وَمَغْفِرَةٌ} بسبب الصلاة {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} فى الجنة بسبب الإِنفاق وكرمه، بعظمه وكثرة أَفراده ودوامه، ويجوز أَن يكون الذين مبتدأ خبره أَولئك هم المؤمنون، وجملة {لهم درجات} خبر ثان.