التفاسير

< >
عرض

وَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ
٤٠
وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
٤١
-الأنفال

تيسير التفسير

{وَإِنْ تولَّوْا} أَعرضوا عن الإِسلام بعد قتالكم إِياهم فلا يكرر مع قوله: وإِن يعودوا {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاَكُمْ} أَى لا تخافوهم لأَن الله مولاكم، أَى يتولى أَمركم، أَو كناية على أَن لا يخافوهم، أَو يبقى على ظاهره على أَن المولى بمعنى الناصر فثقوا به {نِعْمَ الْمَوْلَى} هو لا يذل من تولاه ولا يهون {وَنِعْمَ النَّصِيرُ} هو لا يغلب من نصره، وهو ينصركم فلا تغلبون، ولما كان القتال يستدعى غنماً قال:
{وَاعْلمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ} رابط الموصول محذوف أَى غنمتموه {مِنْ شَىْءٍ} خيطا أَو إِبرة أَو نعلا أَو نحو ذلك أَو أَقل أَو أَكثر {فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ} أَى فواجب ثبوت خمسه لله تعالى، أَو فالواجب ثبوت خمسه لله تعالى، أَو فالحكم أَن لله خمسه أَى ثبوت خمسه لله تعالى، والفئ ما كان بلا قتال، والغنيمة ما بالقتال، وقيل: الفئ أَعم، لأَن كلا يرجع، وفاءَ رجع، وقيل: مترادفان، ذكر الله تعظيما لشأن الحكم والرسول ولا يعزل لله عز وجل شئ بل يعزل لرسوله وكل ما فى الدنيا والآخرة لله تعالى، وذلك كما فى قوله تعالى
" { واللهُ ورسوله أَحق أَن يرضوه } " [التوبة: 62] ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم "مالى مما أَفاء الله عليكم إِلا خمس الخمس" فلو كان لله تعالى سهم على حدة لكان ذلك السهم سدس خمس المغنوم لا خمسه، ولكان سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم السدس لا الخمس، وذلك مذهب الجمهور، وقال أَبو العالية: لله نصيب، وذلك فيما غنم، أَى أُخذ قهرًا ومجاهرة، وأَما ما أُخذ من دار الحرب اختلاسا أَو سرقة فهو لمن أَخذه واحداً فصاعدا لا يخمس، وإِن دخلوا للاختلاس بإِذنه فالصحيح أَن يخمس لأَن إِذنه كالإِمداد لهم، وقيل: يخمس ولو دخلوا بلا إِذن منه، وسلب المقتول لقاتله إِن قال الإِمام من قتل قتيلا فله سلبه، وقيل: له ولو لم يقل، ولو كان القاتل صبيا أَو عبدا أَو امرأَة لعموم حديث من قتل قتيلا فله سلبه على أَنه للعموم والاستمرار، والصحيح أَن السلب غنيمة إِلا إِن قال: من قتل قتيلا فله سلبه، قال صلى الله عليه وسلم لحبيب بن أَبى سلمة: "ليس لك من سلب قتيلك إِلا ما أَذن لك فيه إِمامك" {وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى} أَعاد الله اللام لئلا يتوهم اشتراك ذوى القربى فى سهمه صلى الله عليه وسلم لمزيد اتصالهم به صلى الله عليه وسلم {وَالْيَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} وأَربعة الأَخماس الباقية للغانمين، قال صلى الله عليه وسلم: "للفارس ولفرسه سهمان" ، رواه عمر، وعن أَبى حنيفة: للفارس سهمان وأَما الراجل فله سهم، وعلى قول أَبى العالية يصرف سهم الله للكعبة وهو سدس خمس المغنوم، قيل: القسمة فى الخمس على عهده صلى الله عليه وسلم: سهم له صلى الله عليه وسلم وسهم لذوى القربى وسهم للثلاثة الباقين، وسقط سهمه بعده صلى الله عليه وسلم وسهم قرابته فيعطون بالفقر، وتقدم فقراؤهم ولا حق لأَغنيائهم، وإِنما أَعطاهم فى حياته للنصرة لا للقرابة، وكان عمر بن عبد العزيز يخص ولد فاطمة كل عام باثنى عشر أَلف دينار سوى ما يعطى غيرهم من ذوى القربى، وكان الصديق يسوى، وعمر بحسب ما يرى، وروى أَنه صلى الله عليه وسلم يأخذ قبضة ويجعلها للكعبة، وقيل: إِن قربت وإِلا فللمسجد الأَقرب، ثم يقسم خمسة الأَسداس الباقية على خمسة، وقيل: سهم الله لبيت المال، وقيل: مضموم إِلى سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته يصرف إِلى ما كان يصرفه فى حياته من مصالح المسلمين، كما فعل أَبو بكر وعمر رضى الله عنهما لأَنه لم يخلفه أَحد فى رسالته، وقيل: إِلى الإِمام لأَنه نائبه، وقيل: إِلى ذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وقال أَبو حنيفة: سقط سهمه وسهم ذوى القربى بوفاته صلى الله عليه وسلم، ورجعا إِلى اليتامى والمساكين وابن السبيل، وقال مالك: يصرف الإِمام سهم الرسول حيث شاءَ، والمراد بالقرى قرابته صلى الله عليه وسلم، وذوو قرابته بنو هاشم وبنو المطلب وبنو نوفل وبنو عبد شمس، أَما هاشم فولده بنو عبد المطلب وأَسد، ولعبد المطلب عشرة بنين منهم عبد الله وأَبو طالب، وحمزة والعباس وأَبو لهب والحارث والزبير، والمراد بذوى القربى منهم بنو هاشم وبنو المطلب، ولا شئَ لبنى نوفل ولا لبنى عبد شمس، وكان عثمان بن عفان من بنى عبد شمس، وجبير بن مطعم من بنى نوفل، وقسم صلى الله عليه وسلم سهم ذوى القربى بين بنى هاشم وبنى المطلب، ولم يعط أَحداً من بنى عبد شمس ولا من بنى نوفل شيئاً، فقال له عثمان وجبير: هؤلاء إِخوانك بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذى جعلك الله منهم، ولكن أَعطيت إِخواننا بنى المطلب دوننا، ونحن وهم بمنزلة، فقال صلى الله عليه وسلم: "إِنهم لم يفارقونا فى جاهلية ولا إِسلام" وشبك أَصابعه، أَى لم يفارقهم بنو هاشم فى النصرة فى الجاهلية ولا فى الإِسلام، وقيل: ذو القربى بنو هاشم، وقيل: قريش كلهم، والغنى والفقير فيه سواء لأَنه صلى الله عليه وسلم، والخلفاءَ من بعده يعطون العباس مع أَنه غنى، وقيل: مخصوص بفقرائهم كسهم ابن السبيل وهو المسافر البعيد عن ماله، وقيل: الخمس كله لهم على أَن اليتامى والمساكين وابن السبيل منهم، والعطف تخصيص والآية نزلت ببدر، وقيل: الخمس فى غزوة بنى قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أَيام للنصف من شوال على رأس عشرين شهراً من الهجرة وكانت واقعة بدر يوم الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان، وهو أَول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم لإِعلاء كلمة الحق والدين {إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ} فاعملوا بما علمتم من أَن لكم أَربعة أَخماس واقنعوا بها ولا تنقصوا من الخمس الذى لهؤلاء شيئاً {وَمَا أَنْزَلْنَا} عطف على لفظ الجلالة أَى وبما أَنزلنا {عَلَى عَبْدِنَا} محمد صلى الله عليه وسلم من النصر والإِمداد بالملائكة والآيات من قوله " { يسأَلونك عن الأَنفال } " [الأَنفال: 1] إِلخ.. إِذ نزلت يوم بدر كما قال {يَوْمَ الْفُرْقَانِ} يوم بدر، فرق فيه بين الحق والباطل بإِنجاز نصر المؤمنين وإِخماد الكفار {يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعَان} بدل من يوم الفرقان، أَو بيان فهو يوم بدر التقى فيه جمع المؤمنين وجمع الكفار {وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} ومن قدرته إِمدادكم بالملائكة ونصر قلتكم على كثرتهم.