التفاسير

< >
عرض

لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ
١٠٨
-التوبة

تيسير التفسير

{لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً} للصلاة ولا لغيرها، أَى لا تمكث فهي ولا تدخله، وعن ابن عباس: لا تقم لا تصل، وإِن القيام بمعنى الصلاة، بنى قبل غزوة تبوك، فقالوا: صل لنا فيه ليكون مسجداً كما كنا نصلى فى قباءَ، فقال: "أَنا على سفر وإِذا قدمت صليت فيه إِن شاءَ الله" ، ولما قدم كرروا الطلب فأَراد إِتيانه فنزلت الآية " { والذين اتخذوا } "[التوبة: 107] وقوله {لا تقم فيه أبداً} فدعا بمالك بن الدخشم ومعن بن عدى وعامر بن السكن ووحشى فقال: "انطلقوا إِلى المسجد الظالم أَهله فاهدموه وحرقوه" ، فخرجوا مسرعين حتى أَتوا بنى سالم بن عوف رهط مالك بن الدخشم، فقال: أَنظرونى حتى أَخرج لكم بنار، فخرج من أَهله بشعلة من سعف وأَسرعوا بها حتى دخلوا المسجد، وفيه أَهله فأَحرقوه وهدموه وتفرق أَهله عنه، وأَمر صلى الله عليه وسلم أَن يتخذ كناسة تلقى فيه الجيف والنتن والقمامة، وروى أَنه لما نزل بذى أَوان موضع قريب من المدينة، بينه وبين المدينة ساعة راجعاً من تبوك سأَلوه أَن يأْتيه فدعا بقميصه ليلبسه فيأْتيهم فنزلت الآية. وقيل: قال له جبريل: لا تقم فيه أَبداً. فأَمر بهدمه وإِحراقه. قال عطاءُ: لما فتح الله عز وجل الأَمصار على عمر أَمر المسلمين أَن يبنوا المساجد، وأَن لا يبنوا فى موضع واحد مسجدين يضار أحدهما الآخر، وأَمر أَن يهدم كل مسجد حادث ضار الآخر. {لمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى} بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أُسه أَى أصله على التقوى أَى شبه التقوى بنحو صخرة فى تمسك ما وضع عليه، وأَسس تخييل، أُو على للاستعلاء المجازى والاستعارى التبعى أَو للتعليل والثانى أَولى واللام للابتداء لا غيره، ومن العجيب أَن بعض المحققين كلما رأَى لام ابتداءِ أَجاز أَنه لام فى جواب قسم مقدر، ولو لم يكن دليل على تقديره سوى أَن المعنى قابل له، وروى أَن بنى عمرو بن عوف الذين بنوا مسجد قباءَ أَتوا عمر بن الخطاب فسأَلوه أَن يأْذن لمجمع بن جارية أَن يؤَمهم فيه، فقال: لا أَو ليس هو إِمام مسجد الضرار؟ قال: يا أَمير المؤمنين لا تعجل فوالله لقد صليت فيه وأَنا لا أَعلم ما أَضمروا، ولو علمت ما صليت فيه، وكنت غلاماً قارئاً للقرآن، وكانوا شيوخاً لا يقرأون. فعذره عمر فأَباح له الإِمامة فى مسجد قباءَ {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} من يوم أَول أَو من أَول وقت، والآية حجة على مجىءِ من لابتداءِ الزمان وله أَدلة كثيرة، وأَخطأَ البصريون فى منع ذلك، وتأْويل كل ما ورد من ذلك بغير الزمان مثل أَن يقدر من تأْسيس أَول يوم مع أَنه لو صرح بتأْسيس لكان الزمان به أَولى لكثرة المصدر بمعنى الزمان، كجئْت طلوع الشمس، وقلته فى المكان كجلست قرب زيد، قال أَبو سعيد الخدرى: سأَلت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا المسجد فأَخذ كفَّا من حصباءَ فضرب به الأرض، فقال: "مسجدكم هذا مسجد المدينة" ، واختلف رجلان فسأَلاه صلى الله عليه وسلم: أَهذا أَو مسجد قباءَ؟ فقال: "مسجدى هذا" ، وقيل: مسجد قباءَ، وعليه البخارى لأَنه ذكر فى جنب ذكر مسجد الضرار، بناه صلى الله عليه وسلم وصلى فيه أَيام إِقامته بقباءَ من الاثنين إِلى الجمعة فى طريق هجرته، خرج صبيحة الجمعة وصلى الجمعة فى الوادى ودخل المدينة، وقيل: أَقام أربعة عشر، وقيل اثنين وعشرين، ولما بناه قالوا: صل لنا فيه، وهذا نفس ما قيل، بنوه فقالوا: صل لنا فيه، فإِنهم يبنون معه، بل معظم بنائِه منهم، وبعد وصول المدينة كان يأْتيهم راكباً وماشياً يوما فى الأُسبوع أَحياناً يصلى فيه، وقد يقال أَراد بمسجدى هذا الإِشارة إلى كل ما بنى للإِسلام تحرزا عن مسجد الضرار خاصة، وأَما أَن يراد بمسجد أُسس على التقوى العموم فخلاف الأَصل لأَنه نكرة فى الإِثبات ولقوله عز وجل {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} يجازيهم فإِنه فى رجال قباءَ وفى استنجائِهم بالحجارة ثم بالماءِ، وفى هذا أَحاديث لأَحمد والبخارى وابن أَبى شيبة والطبرى والطبرانى وعبد الرزاق وابن مردوية والبغوى وابن خزيمة والحاكم. وكلام من جماعة من الصحابة كابن عمر وسهل الأَنصارى وهو الصحيح، وعن أَبى سعيد الخدرى أَنه مسجد المدينة، وأَنه أَخبره النبى صلى الله عليه وسلم، وأَحاديث تفسيره بمسجد قباءَ أَكثر وأَصح، فنقول نزلت فى شأْن مسجد قباءَ ولا تختص به وأَحق بمعنى حقيق، أَو على ظاهره على زعم مسجد الضرار أَن مسجدهم حقيق بالقيام فيه أَو باعتبار أَنه لو جاز القيام فيه وإِما أَن يقال بالنظر إِليه فى ذاته لأَن المحظور قصدهم به ونيتهم فلا يصح لأَنه مع نيتهم فى بنائِه لا حظ له فى الخير فإِنه شر من الكنيف، والرجال قوم من الأَنصار من بنى عمرو بن عوف وتطهرهم استنجاؤهم المذكور، لما نزلت مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرون إِلى باب مسجدهم فقال: أَمؤْمنون؟ فسكتوا، فأَعادها فسكتوا، فقال عمر إِزالة لاستحيائِهم: إِنهم مؤمنون وأَنا معهم، فقال صلى الله عليه وسلم: "أَترضون بالقضاءِ؟ " قالوا: نعم. قال: "أَتصبرون على البلاءِ" ، قالوا، نعم. قال: "أَتشكرون فى الرخاءِ؟" قالوا: نعم. قال صلى الله عليه وسلم: "مُؤْمنون ورب الكعبة،" فجلس ثم قال: "يا معشر الأَنصار إِن الله عز وجل قد أَثنى عليكم فما الذى تصنعون عند الوضوء وعند الغائط؟" قالوا: يا رسول الله نتبع الغائِط الأَحجار الثلاثة ثم نتبع الأَحجار الماء فتلا: {رجال يحبون أَن يتطهروا} وأَراد بالغائط ما يشمل البول لأَن كلا من فضلة الطعام والماء فى الأَرض المطمئِنة واختصاص الغائِط بفضلة الطعام عرف للفقهاء للبيان، ولفظ البزار كذلك نتبع الحجارة بالماءِ، فقال هو ذاكم فعليكموه، ولفظ ابن خزيمة، إِن الله قد أَحسن عليكم الثناءَ فى الطهور فى قصة مسجدكم فما هو؟ قالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئاً إِلا أَنه كان لنا جيران من اليهود يغسلون أَدبارهم أَى وأَقبالهم فغسلنا كما غسلوا، وفسر بعض التطهر بغسل الجنابة لا ينامون عليها، وبعض بالتطهر من المعاصى ومساوىءِ الأَخلاق طلباً لرضى الله عز وجل، ويجمع بأَن سبب النزول التطهر المذكور للصلاة وعموم اللفظ باقى المعنى والمدح على عدم النوم بالجنابة لا على غسلها، لأَنه لا بد منه لكل أَحد قادر وفسره بعض بطهارة الباطن والظاهر وفى المسأَلة بيت مشهور:

وإِن سأَلت وضوءًا ليس ينقضه إِلا الجماع وضوءُ النوم للجنب

أبدلته بقولى:

إِن الوضوءَ الذى ليس بناقضه غير الجماع وضوءُ النوم للجنب

لسلام قولى هذا من الركة، وأَكدت ردا على من قد ينكر أَو يشك بل يجوز التأكيد قصداً للتقرير ولم لم يكن شك ولا إِنكار بحذف فاءِ الجواب وبابتداءِ الكلام بالواو وإِثبات واو الاستئناف لا يحسن، ودعوى أَن هذه الواو أَول البيت عاطفة على محذوف خلاف الأَصل.