التفاسير

< >
عرض

قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ
٢٩
وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ
٣٠
ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
٣١
يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ
٣٢
هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ
٣٣
-التوبة

تيسير التفسير

يدينون دين الحق: يعتنقون الاسلام. الجزية: الضريبة على الاشخاص لا على الأرض او التجارة او الماشية. وهم صاغرون: أذلاء، خاضعون. عزير: هو الذي يسميه اهل الكتاب عزرا. يضاهئون: يشابهون ويحاكون. يؤفكون: يصرفون عن الحق الى الباطل. الاحبار: واحدهم حبر بفتح الحاء وكسرها، العلماء. البرهان: واحدهم راهب وهو المنقطع للعبادة. نور الله: دين الاسلام.
بعد ان ذكر الله تعالى أحكام المشركين في إظهار البراءة من عهودهم، وفي وجوب مقاتَلَتِهم وإبعادِهم عن المسجد - جاء هنا بحُكم أهل الكتاب وبيان الغاية منه. وفي ذلك توطئةٌ للكلام عن غزوة تبوك والخروج إليها في زمن العُسرةِ وقتَ الحر الشديد في الصيف، وما يتعلق بها من فضيحة المنافقين. ثم بعد ذلك بيّن انحراف اليهود والنصارى عن دِينهم الاصلي، وأنهم اتّخذوا أحبارَهم ورهبانَهم أرباباً من دون الله، وأنهم يسعون في إبطال الاسلام، وإخفاء الدلائل الدالة على صدق رسول الله وصحة دينه.
{قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}.
يا إيها الذين آمنوا: قاتِلوا الكافرين من أهل الكتاب الذين لا يؤمنون إيماناً صحيحاً بالله، ولا يقرّون بالبعث والجزاءِ إقراراً صحيحاً، بل يقولون إن حياة الآخرة حياةٌ روحانية يكون فيها الناس كالملائكة. وهم لا يحرّمون ما نهى الله ورسوله عنه، ولا يعتنقون الدين الحق وهو الاسلام... قاتِلوهم حتى يؤمنوا، أو يؤدُّوهم الجِزيةَ خاضعين طائعين.
والجزيةُ ضريبة مالية من أموال غير المسلمين المستظِلّين براية الاسلام، وهي مقدار يتراوح بين اثني عشر درهما، وثمانيةٍ واربعين. وذلك ليُسهوا في ميزانية الدولة التي تحميهم في أنفسِهم وأموالهم وأعراضهم. فهي في مقابل ما يؤخذ من المسلم، فالمسلم يُؤخَذ منه خُمس الغنائم، والزكاة، وصدّقة الفطر، وغير ذلك مثل الكفّارات للذنوب المختلفة. وتنفق الجزية في المصالح العامة، وعلى فقراء اهل الذمة ايضا.
وتفرض الجزية على أهل الكتاب، ولا تُفرض على المشركين. هكذا عند جمهور العلماء. ويقرر ابو حنيفة أنها تفرض على غير المسلمين جميعا، اما المشركون الذين لا تقبل منهم فهم مشركو العرب فقط.
وفيما يلي عهد كتبه احد امراء عمر بن الخطاب الى مَرزُبان واهل دهستان.
"هذا كتاب سويد بن مقرن لمزربان بن صول بن رزبان واهل دهستان وسائر اهل جرجان ان لكم الذمة وعليكم المنعة، على ان عليكم من الجزاء في كل سنة على قدر طاقتكم على كل حالم، ومن استعنّا به منكم فله جزاؤه في معونته عوضا عن جزائه، ولكم الامان على انفسكم واموالكم ومللكم وشرائعكم ولا يغير شيء من ذلك.".
شهد بذلك سواد بن قطبة، وهند بن عمر، وسماك بن مخزمة وعتيبة بن النهاس.
{وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ}.
ترك اليهودُ الوحدانية في عقيدتهم وقالوا: عُزيرٌ ابنُ الله، وترك النصارى الوحدانية كذلك فقالوا: المسيحُ ابن الله. وقولهم هذا مبتدَع من عندهم، يردّدونه بأفواههم، لم يأتِهم به كتاب ولا رسول، وليس عليه حُجّة ولا برهان. وهم في هذا القول يشابهون قول المشركين قبلهم.
عجباً لهم كيف يَضِلّون عن الحق الظاهر ويَعْدِلون الى الباطل!
وقد تُستعمل جملة "قاتله الله" هذه بالمدح.
روى ابن اسحاق، وابن جرير وابن مَرْدَوَيْه عن ابن عباس رضي الله عنه قال:
"اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم سلام بن مشكم ونعمان بن اوفى وابو انس وشاس بن قيس ومالك بن الصيف، وهم من رؤساء اليهود واحبارهم، فقالوا: كيف نتّبعك وقد تركتَ قِبلتنا، وانت لا تزعم ان عُزَيْراً ابن الله" .
وعُزير هذا كاهن يهودي وكاتب شهير سَكَنَ بابل حوالي سنة 457 ق.م. أسَّس المجمع الكبير، وجمع أسفار الكتاب المقدس، وأدخل الأحرفَ الكِلدانية عوضاً عن العِبرية القديمة، وألّف أسفار الأَيام، وعِزرا، ونحِمْيا، وأحيا الشريعةَ اليهودية بعد ان نُسيت. من أجْل هذا فاليهود يقدّسونه حتى إن بعض يهود المدينة أطلق عليه لقب (ابن الله).
وأما النصارى فقد كان القدماء منهم يَعْنُون بقولهم عن المسيح انه "ابن الله" انه المحبوبُ او المكّرم، كما نقول نحن "الخلق عيال الله" وكان منهم موحِّدون. لكنهم في مَجْمَع نيقية سنة 325م وتحت إشراف الملك قسطنطين، قرروا عقيدةَ التثليث، واعتمدوا الأناجيلَ الاربعة، واحرقوا ما عداها وكانت تزيد على سبعين انجيلا. وقد خالف في ذلك خلقٌ كثير منهم يُسَمَّون الموحِّدين او العقليين، لكن الكنائس الكاثوليكية والارثوذكسية والبروتستنتية لا تعتدُّ بنصرانيهتم ولا بدِينهم، مع ان رسالة المسيح ثابتة في اناجيلهم. ففي انجيل يوحنا: "وهذه الحياة الأبدية أن يعرفوك، أنتَ الالهُ الحقيقي وحدّك، ويسوع المسيحُ الذي ارسلتَه".
قراءات:
قرأ: "عزير" بالتنوين عاصِم والكسائي. والباقون: "عزير" بترك التنوين. وقرأ عاصم: "يضاهئون" بالهمزة والباقون: "يضاهون" بغير همزة.
{ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ}.
لقد اتخذوا رجالَ دِينهم ارباباً، يشرّعون لهم، ويكوِّن كلامهم دينا، ولو كان يخالف قولَ رسولهم، فاتّبعوهم في باطِلهم، وأضافوا الى الشرائع ما سمِعوه من رؤسائهم واقوال أحبارهم من قبلِ ان يدونّوه في المِشنَة والتلمود، ثم دونوه، فكان هو الشرعَ العام وعليه العملُ، وهو مقدَّم عندهم على التوراة.
وانظروا النصارى باتّخاذهم المسيحَ ربّاً وإلهاً، لقد غيرّ رؤساؤهم جميع الاحكام التي جاء بها المسيح، وزادواحقَّ مغفرةِ الذنوب لمن شاؤا، والله تعالى يقول:
{ { وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ } [آل عمران: 135] وزادوا القولَ بِعصمة البابا في تفسيرِ الكتب الالهية، ووجوبِ طاعته في كل ما يأمر به من الطاعات، وينهى عنه من المحرمات.
روى الامام أحمد والترمذي وابن جرير
"عن عَدِيّ بن حاتم انه فرّ الى الشام (وكان قد تنصَّر في الجاهلية) فذهبت أخته بعد ان اسلمتْ ورغَبته في الاسلام والقدوم على رسول الله، فقدم المدينة، وكان رئيسا في قومه، فدخل على رسول الله وهو يقرأ اتّخَذوا أحبارَهم ورهبانَهم أرباباً من دون الله، قال عدي فقلت: إنهم لم يعبُدوهم فقال: بلَى إنهم حَرّموا عليهم الحلالَ وأحَلّوا الحرام فاتّبعوهم، فذلك عبادتُهم إياهم.
وقال رسول الله: يا عديّ ما تقول؟ ايضرُّك ان يُقال اللهُ اكبر؟ فهل تعلم شيئا اكبرُ من الله؟ وما يضرك ان يقال لا إله الا الله، فهل تعلم إلهاً غيرا لله؟ ثم دعاه الى الإسلام، فأسلم وشهد شهادة الحق، قال فلقد رأيتُ وجهه استبشر"
.
{وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}.
وقد أمَرَهم الله في كُتبه على لسان رُسله ان لا يعبدوا الا إلهاً واحدا، لأنه لا يستحق العبادة في حكم الشرع والعقل الا الإله الواحد. تنزه الله عن الإشراك في العبادة والخَلْق والصفات.
{يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ}.
يريد الكفار بمزاعمهم الباطلة ان يطفئوا نورَ الله وهو الاسلام، ولا يريدُ الله إلا ان يتم نورَه على الناس بإظهار دينه على يد خاتم النبيّن محمد صلى الله عليه وسلم، الذي ارسله الى الخلق اجمعين. هذا هو الوعدُ الحق من الله تعالى، والدال على سنّته التي لاتتبدّل.
{هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ}.
هو الله الذ كَفَل إتمامَ نوره بإرسال رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بالحجج البينّات، ودينِ الاسلام ليُعليَ هذا الدينَ ويرفع شأنه على جميع الأديان ولو كره ذلك المشركون. ولقد تحقَّقَ هذا الوعدُ على يد رسول الله وخلفائه ومن جاء بعدهم، ونشروا نور الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها. لقد دام هذا النور فترةً طويلة من الزمن، ثم تخلّى اصحابُ هذا الدين عنه خطو خطوة. غير أن حالنا المؤلم ليس نهاية المطاف... ان وعد الله قائم ينتظر العصبة المسلمة التي تحمل راية الاسلام التي لا تُهزم، ولن يُخلِف الله وعدَه.
روى الامام احمد عن عدي بن حاتم:
"دخلتُ على رسول الله، فقال: يا عدي أسلمْ: قلت: إني من أهل دين. قال: انا أعلمُ بِدِينكم منك... ألستَ من الركوسية: (دين بين الصابئة والنصرانية) وانت تأكل المرباع (والمرباع ما كان يأخذه رئيسُ القوم من الغنائم، وهو من عادات الجاهلية)؟ قلت: بلى قال: فإن هذا لا يحلُّ لك في دينك. قال عدي: فتواضعتُ لَمّا قالها... فقال: أتعرف الحِيرةَ يا عدي؟ قلت: لم أرها، ولكن سمعتُ بها. قال: فوالذي نفسي بيده ليُتِمنَّ الله هذا الدين حتى تخرجَ الظعينةُ من الحِيرة حتى تطوف بالبيت من غير جوارِ احد، لتفتحن كنوز كسرى بن هرمز. قلت: كنوز كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يعيله احد" .
قال عدي بعد ذلك: فهذه الظعينةُ تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت من غير جوار احد، ولقد كنتُ في مَنْ فتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة. يعني كثرة المال.
فوعدُ الله حق، والله يقول:
{ { إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } [محمد: 7].