التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ
٨٣
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ
٨٤
ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِٱلإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ ٱلّعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
٨٥
أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ
٨٦
-البقرة

صفوة التفاسير

المنَاسَبَة: لا تزال الآيات الكريمة تعدّد جرائم اليهود، وفي هذه الآيات أمثلة صارخة على عدوانهم وطغيانهم وإِفسادهم في الأرض، فقد نقضوا الميثاق الذي أخذ عليهم في التوراة، وقتلوا النفس التي حرّم الله، واستباحوا أكل أموال الناس بالباطل، واعتدوا على إِخوانهم في الدين فأخرجوهم من الديار، فاستحقوا اللعنة والخزي والدمار.
اللغَة: {مِيثَاقَ} الميثاق: العهد المؤكد باليمين غاية التأكيد، فإِن لم يكن مؤكداً سمي عهداً {حُسْناً} الحُسْنُ: اسم عام جامعٌ لمعاني الخير، ومنه لين القول، والأدب الجميل، والخلق الكريم، وضده القُبْح والمعنى: قولوا قولاً حُسْناً فهو صفة لمصدر محذوف {تَوَلَّيْتُمْ} التولّي عن الشيء: الإِعراضُ عنه ورفضُه وعدم قبوله كقوله
{ فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا } [النجم: 29] وفرّق بعضهم بين التولي والإِعراض فقال: التولي بالجسم، والإِعراضُ بالقلب {تَظَاهَرُونَ} تتعاونون وهو مضارع حذف منه أحد التاءين، كأن المتظاهرين يسند كل واحد منهما ظهره إِلى الآخر، والظهير: المعين {ٱلإِثْمِ} الذنب الذي يستحق صاحبه الملامة وجمعه آثام {الْعُدْوَانِ} تجاوز الحد في الظلم {خِزْيٌ} الخزي: الهوان والمقت والعقوبة.
التفسِيْر: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} أي اذكروا حين أخذنا على أسلافكم يا معشر اليهود العهد المؤكد غاية التأكيد {لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ} بأن لا تعبدوا غير الله {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} أي وأمرناهم بأن يحسنوا إِلى الوالدين إِحساناً {وَذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ} أي وأن يحسنوا أيضاً إِلى الأقرباء، واليتامى الذين مات آباؤهم وهم صغار، والمساكين الذين عجزوا عن الكسب {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً} أي قولاً حسناً بخفض الجناح، ولين الجانب، مع الكلام الطيّب {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} أي صلوا وزكّوا كما فرض الله عليكم من أداء الركنين العظيمين "الصلاة، والزكاة" لأنهما أعظم العبادات البدنية والمالية {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ} أي ثم رفضتم وأسلافكم الميثاق رفضاً باتاً، وأعرضتم عن العمل بموجبه إِلاّ قليلاً منكم ثبتوا عليه {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ} أي واذكروا أيضاً يا بني إِسرائيل حين أخذنا عليكم العهد المؤكد بأن لا يقتل بعضكم بعضاً {وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ} ولا يعتدي بعضكم على بعض بالإِخراج من الديار، والإِجلاء عن الأوطان {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} أي ثمّ اعترفتم بالميثاق وبوجوب المحافظة عليه، وأنتم تشهدون بلزومه {ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} أي ثم نقضتم أيضاً الميثاق يا معشر اليهود بعد إِقراركم به، فقتلتم إِخوانكم في الدين، وارتكبتم ما نهيتم عنه من القتل {وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ} أي كما طردتموهم من ديارهم من غير التفاتٍ إِلى العهد الوثيق {تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِٱلإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} أي تتعاونون عليهم بالمعصية والظلم {وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ} أي إِذا وقعوا في الأسر فاديتموهم، ودفعتم المال لتخليصهم من الأسر {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} أي فكيف تستبيحون القتل والإِخراج من الديار، ولا تستبيحون ترك الأسرى في أيدي عدوهم؟ {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}؟ أي أفتؤمنون ببعض أحكام التوراة وتكفرون ببعض؟ والغرض التوبيخ لأنهم جمعوا بين الكفر والإِيمان، والكفر ببعض آيات الله كفرٌ بالكتاب كله ولهذا عقّب تعالى ذلك بقوله {فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي ما عقوبة من يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض إِلا ذلٌ وهوان، ومقتٌ وغضب في الدنيا {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ ٱلّعَذَابِ} أي وهم صائرون في الآخرة إِلى عذاب أشدّ منه، لأنه عذاب خالد لا ينقضي ولا ينتهي {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} وفيه وعيد شديد لمن عصى أوامر الله، ثم أخبر تعالى عن سبب ذلك العصيان والعدوان فقال {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ} أي أولئك الموصوفون بما ذكر من الأوصاف القبيحة هم الذين استبدلوا الحياة الدنيا بالآخرة بمعنى اختاروها وآثروها على الآخرة {فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ} أي لا يُفتَّر عنهم العذاب ساعة واحدة {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} أي وليس لهم ناصر ينصرهم، ولا مجير ينقذهم من عذاب الله الأليم.
تنبيه: كانت (بنو قريظة) و (بنو النضير) من اليهود، فحالفت بنو قريظة الأوس، وبنو النضير الخزرج، فكانت الحرب إِذا نشبت بينهم قاتل كل فريق من اليهود مع حلفائه، فيقتل اليهودي أخاه اليهودي من الفريق الآخر، ويخرجونهم من بيوتهم، وينهبون ما فيها من الأثاث والمتاع والمال، وذلك حرام عليهم في دينهم وفي نص التوراة، ثم إِذا وضعت الحرب أوزارها افْتكُوا الأسارى من الفريق المغلوب عملاً بحكم التوراة ولهذا قال تعالى {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}.
البَلاَغَة: 1 - {لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ} خبرٌ في معنى النهي، وهو أبلغ من صريح النهي كما قال أبو السعود لما فيه من إِيهام أن المنهيَّ حقه أن يسارع إِلى الانتهاء فكأنه انتهى عنه، فجاء بصيغة الخبر وأراد به النهي.
2 - {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً} وقع المصدر موقع الصفة أي قولاً حسناً أو ذا حسنٍ للمبالغة فإِن العرب تضع المصدر مكان اسم الفاعل أو الصفة بقصد المبالغة فيقولون: هو عدل.
3 - التنكير في قوله {خِزْيٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} للتفخيم والتهويل.
4 - {تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} عبّر عن قتل الغير بقتل النفس لأن من أراق دم غيره فكأنما أراق دم نفسه فهو من باب المجاز لأدنى ملابسة.
5 - {أَفَتُؤْمِنُونَ} الهمزة للإِنكار التوبيخي.
الفَوائِد: الفائدة الأولى: جاء الترتيب في الآية بتقديم الأهم فالأهم، فقدّم حق الله تعالى لأنه المنعم في الحقيقة على العباد، ثم قدم ذكر الوالدين لحقهما الأعظم في تربية الولد، ثم القرابة لأن فيهم صلة الرحم وأجر الإِحسان، ثم اليتامى لقلة حيلتهم، ثمّ المساكين لضعفهم ومسكنتهم.
الثانية: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً} ولم يقل: وقولوا لإِخوانكم أو قولوا للمؤمنين حسناً ليدل على أنّ الأمر بالإِحسان عامٌ لجميع الناس، المؤمن والكافر، والبر والفاجر، وفي هذا حضٌ على مكارم الأخلاق، بلين الكلام، وبسط الوجه، والأدب الجميل، والخلق الكريم قال أحد الأدباء:

بُنيَّ إِنَّ البرَّ شيءٌ هيّنُ وجهٌ طليقٌ ولسانٌ ليّنُ