التفاسير

< >
عرض

يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ
١٤٩
بَلِ ٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّاصِرِينَ
١٥٠
سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَىٰ ٱلظَّالِمِينَ
١٥١
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ
١٥٢
إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيۤ أُخْرَٰكُمْ فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَآ أَصَـٰبَكُمْ وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
١٥٣
ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ يُخْفُونَ فِيۤ أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ
١٥٤
إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ
١٥٥
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَٱللَّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
١٥٦
وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ
١٥٧
وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ
١٥٨
-آل عمران

صفوة التفاسير

المنَاسَبَة: لا تزال الآيات الكريمة تتناول سرد أحداث غزوة أُحد وما فيها من العظات والعبر، فهي تتحدث عن أسباب الهزيمة وموقف المنافقين الفاضح في تلك الغزوة، وتآمرهم على الدعوة الإِسلامية بتثبيط عزائم المؤمنين.
اللغَة: { سُلْطَاناً } حجة وبرهاناً وأصله القوة ومنه قيل للوالي سلطان { مَثْوَىٰ } المثوى: المكان الذي يكون مقر الإِنسان ومأواه من قولهم ثوى بالمكان إِذا أقام فيه { تَحُسُّونَهُمْ } تقتلونهم قال الزجاج: الحسُّ الإِستئصال بالقتل وأصله الضرب على مكان الحس قال الشاعر:

حسناهم بالسيف حساً فأصبحت بقيتهم قد شردوا وتبدّدوا

{ تُصْعِدُونَ } الإِصعاد: الذهاب والإِبعاد في الأرض، والفرق بينه وبين الصعود أن الإِصعاد يكون في مستوى من الأرض، والصعود يكون في ارتفاع { لاَ تَلْوُونَ } أي لا تلتفتون إِلى أحد كما يفعل المنهزم وأصله من ليّ العنق للإِلتفات { أُخْرَاكُمْ } آخركم { أَثَابَكُمْ } جازاكم { أَمَنَةً } أمناً واطمئناناً { يَغْشَىٰ } يستر ويغطي { وَلِيُمَحِّصَ } التمحيص: التنقية وتخليص الشيء مما فيه من عيب { ٱسْتَزَلَّهُمُ } أوقعهم في الزلّة وهي الخطيئة { غُزًّى } جمع غازٍ وهو الخارج في سبيل الله.
سَبَبُ النّزول: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلى المدينة وقد أصيبوا بما أصيبوا يوم أُحد، قال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟ فأنزل الله { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ ... إلى قوله مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا } يعني الرماة الذين فعلوا ما فعلوا يوم أُحد.
التفسِير: { يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي إِن أطعتم الكفار والمنافقين فيما يأمرونكم به { يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ } أي يردوكم إِلى الكفر { فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ } أي ترجعوا إِلى الخسران، ولا خسران أعظم من أن تتبدلوا الكفر بالإِيمان قال ابن عباس: هم المنافقون قالوا للمؤمنين لما رجعوا من أُحد لو كان نبياً ما أصابه الذي أصابه فارجعوا إِلى إِِخوانكم { بَلِ ٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ } بل للإِضراب أي ليسوا أنصاراً لكم حتى تطيعوهم بل الله ناصركم فأطيعوا أمره { وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّاصِرِينَ } أي هو سبحانه خير ناصر وخير معين فلا تستنصروا بغيره، ثم بشر تعالى المؤمنين بإِلقاء الرعب في قلوب أعدائهم فقال { سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ } أي سنقذف في قلوبهم الخوف والفزع { بِمَآ أَشْرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً } أي بسبب إِشراكهم بالله وعبادتهم معه آلهة أخرى من غير حجة ولا برهان { وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ } أي مستقرهم النار { وَبِئْسَ مَثْوَىٰ ٱلظَّالِمِينَ } أي بئس مقام الظالمين نار جهنم، فهم في الدنيا مرعوبون وفي الآخرة معذبون وفي الحديث
"نصرت بالرعب مسيرة شهر" { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ } أي وفى الله لكم ما وعدكم به من النصر على عدوكم { إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ } أي تقتلونهم قتلاً ذريعاً وتحصدونهم بسيوفكم بإِرادة الله وحكمه { حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ } أي حتى إِذا جبنتم وضعفتم واختلفتم في أمر المقام في الجبل { وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ } أي عصيتم أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن كان النصر حليفكم، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع خمسين من الرماة فوق الجبل وأمرهم أن يدفعوا عن المسلمين وقال لهم: لا تبرحوا أماكنكم حتى ولو رأيتمونا تخطفتنا الطير، فلما التقى الجيشان لم تقو خيل المشركين على الثبات بسبب السهام التي أخذتهم في جوههم من الرماة فانهزم المشركون، فلما رأى الرماة ذلك قالوا: الغنيمة الغنيمةَ ونزلوا لجمع الأسلاب، وثبت رئيسهم ومعه عشرة فجاءهم المشركون من خلف الجبل فقتلوا البقية من الرماة ونزلوا على المسلمين بسيوفهم من خلف ظهورهم فانقلب النصر إِلى هزيمة للمسلمين فذلك قوله تعالى { مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ } أي من بعد النصر { مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا } أي الغنيمة وهم الذين تركوا الجبل { وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ } أي ثواب الله وهم العشرة الذين ثبتوا في مركزهم مع أميرهم "عبد الله بن جبير" ثم استشهدوا { ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ } أي ردكم بالهزيمة عن الكفار ليمتحن إِيمانكم { وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ } أي صفح عنكم مع العصيان، وفيه إِعلام بأن الذنب كان يستحق أكثر مما نزل بهم لولا عفو الله عنهم ولهذا قال { وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } أي ذو منٍّ ونعمةٍ على المؤمنين في جميع الأوقات والأحوال { إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ } أي اذكروا يا معشر المؤمنين حين وليتم الأدبار تبعدون في الفرار ولا تلتفتون إِلى ما وراءكم ولا يقف واحد منكم لآخر { وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيۤ أُخْرَاكُمْ } أي ومحمد صلى الله عليه وسلم يناديكم من وراءكم يقول "إِليَّ عبادَ الله، إِليَّ عباد الله، أنا رسول الله، من يكرُّ فله الجنة" وأنتم تمعنون في الفرار { فَأَثَابَكُمْ غَمّاًً بِغَمٍّ } أي جازاكم على صنيعكم غماً بسبب غمكم للرسول صلى الله عليه وسلم ومخالفتكم أمره { لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ } أي لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة { وَلاَ مَآ أَصَابَكُمْ } أي من الهزيمة، والغرض بيان الحكمة من الغم، وهو أن ينسيهم الحزن على ما فاتهم وما أصابهم وذلك من رحمته تعالى بهم { وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } أي يعلم المخلص من غيره { ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً } وهذا امتنانٌ منه تعالى عليهم أي ثم أرسل عليكم بعد ذلك الغم الشديد النعاس للسكينة والطمأنينة ولتأمنوا على أنفسكم من عدوكم فالخائف لا ينام، روى البخاري عن أنس أن أبا طلحة قال: "غشينا النعاسُ ونحن في مصافنا يوم أحد، قال فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه" ثم ذكر سبحانه أن تلك الأمنة لم تكن عامة بل كانت لأهل الإِخلاص، وبقى أهل النفاق في خوف وفزع فقال { يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ } أي يغشى النوم فريقاً منكم وهم المؤمنون المخلصون { وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ } أي وجماعة أخرى حملتهم أنفسهم على الهزيمة فلا رغبة لهم إِلاَّ نجاتها وهم المنافقون، وكان السبب في ذلك توعد المشركين بالرجوع إِلى القتال، فقعد المؤمنون متهيئين للحرب فأنزل الله عليهم الأمنة فناموا، وأما المنافقون الذين أزعجهم الخوف بأن يرجع الكفار عليهم فقد طار النوم من أعينهم من الفزع والجزع { يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَاهِلِيَّةِ } أي يظنون بالله الظنون السيئة مثل ظنِّ أهل الجاهلية، قال ابن كثير: وهكذا هؤلاء اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنها الفيصلة، وأن الإِسلام قد باد وأهله، وهذا شأن أهل الريب والشك، إِذا حصل أمر من الأمور الفظيعة، تحصل لهم هذه الظنون الشنيعة { يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ } أي ليس لنا من الأمر شيء، ولو كان لنا اختيار ما خرجنا لقتال { قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ } أي قل يا محمد لأولئك المنافقين الأمر كله بيد الله يصرّفه كيف شاء { يُخْفُونَ فِيۤ أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ } أي يبطنون في أنفسهم ما لا يظهرون لك { يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا } أي لو كان الاختيار لنا لم نخرج فلم نُقتل ولكن أكرهنا على الخروج، وهذا تفسير لما يبطنونه قال الزبير: أُرسل علينا النوم ذلك اليوم وإِنّي لأسمع قول "معتّب بن قشير" والنعاس يغشاني يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هٰهنا { قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ } أي قل لهم يا محمد لو لم تخرجوا من بيوتكم وفيكم من قدّر الله عليه القتل لخرج أولئك إِلى مصارعهم، فَقَدرُ الله لا مناص منه ولا مفر { وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ } أي ليختبر ما في قلوبكم من الإِخلاص والنفاق { وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ } أي ولينقّي ما في قلوبكم ويطهّره فعل بكم ذلك { وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } أي عالم بالسرائر مطّلع على الضمائر وما فيها خير أو شر، ثم ذكر سبحانه الذين انهزموا يوم أُحد فقال { إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ } أي انهزموا منكم من المعركة { يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ } أي جمع المسلمين وجمع المشركين { إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ } أي إِنما أزلهم الشيطان بوسوسته وأوقعهم في الخطيئة ببعض ما عملوا من الذنوب وهو مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم { وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ } أي تجاوز عن عقوبتهم وصفح عنهم { إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ } أي واسع المغفرة حليم لا يعجل العقوبة لمن عصاه، ثم نهى سبحانه عن الاقتداء بالمنافقين في أقوالهم وأفعالهم فقال { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي لا تكونوا كالمنافقين { وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ } أي وقالوا لإِخوانهم من أهل النفاق إذا خرجوا في الأسفار والحروب { أَوْ كَانُواْ غُزًّى } أو خرجوا غازين في سبيل الله { لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ } أي لو أقاموا عندنا ولم يخرجوا لما ماتوا ولا قتلوا، قال تعالى ردّاً عليهم { لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ } أي قالوا ذلك ليصير ذلك الاعتقاد الفاسد حسرة في نفوسهم { وَٱللَّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ } ردٌّ على قولهم واعتقادهم أي هو سبحانه المحيي المميت فلا يمنع الموت قعود { وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } أي مطلع على أعمال العباد فيجازيهم عليها { وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي استشهدتم في الحرب والجهاد { أَوْ مُتُّمْ } أي جاءكم الموت وأنتم قاصدون قتالهم { لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } أي ذلك خير من البقاء في الدنيا وجمع حطامها الفاني { وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ } أي وسواء متم على فراشكم أو قتلتم في ساحة الحرب فإِن مرجعكم إِلى الله فيجازيكم بأعمالكم، فآثروا ما يقربكم إِلى الله ويوجب لكم رضاه من الجهاد في سبيل الله والعمل بطاعته، ولله در القائل حيث يقول:

فإِن تكن الأبدان للموت أُنشئت فقتل امرئٍ بالسيف في الله أفضل

البَلاَغَة: 1- { يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ } أي يرجعوكم من الإِيمان إِلى الكفر وهو من باب الاستعارة وقد تقدم.
2- بين لفظ { آمَنُوۤاْ } و { كَفَرُواْ } في الآية طباق وكذلك بين { يُخْفُونَ } و { يُبْدُونَ } وبين { فَاتَكُمْ } و { أَصَابَكُمْ } وهو من المحسنات البديعية.
3- { وَبِئْسَ مَثْوَىٰ ٱلظَّالِمِينَ } لم يقل وبئس مثواهم بل وضع الظاهر مكان الضمير للتغليظ وللإِشعار بأنهم ظالمون لوضعهم الشيء في غير موضعه والمخصوص بالذم محذوف أي بئس مثوى الظالمين النار أفاده أبو السعود.
4- { ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } التنكير للتفخيم وقوله { عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } دون عليهم فيه الإِظهار في موضع الإِضمار للتشريف والإِشعار بعلة الحكم.
5- { يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ .. ظَنَّ } بينهما جناس الاشتقاق وكذلك في
{ { فَتَوَكَّلْ ... ٱلْمُتَوَكِّلِينَ } [آل عمران: 159].
6- { إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ } فيه استعارة تشبيهاً للمسافر في البر بالسابح الضارب في البحر. لأنه يضرب بأطرافه في غمرة الماء شقاً لها واستعانة على قطعها كذا في تلخيص البيان.
فَائِدَة: من الذين ثبتوا في المعركة بأُحد الأسد المقدام "أنس بن النضر" عم أنس بن مالك، فلما هزم المسلمون وأشاع المنافقون أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد قتل قال: اللهم إِني أعتذر إِليك مما صنع هؤلاء - يعني المسلمين - وأبرأ إِليك مما فعل هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدم بسيفه فلقيه "سعد بن معاذ" فقال: أين يا سعد؟ والله إِني لأجد ريح الجنة دون أحد، فمضى فقُتل ومثَّل به المشركون فلم يعرفه أحد إلا أخته عرفته من بنانه ورؤي وبه بضع وثمانون من طعنةٍ وضربةٍ ورميةٍ بسهم.
فَائِدَة: روى ابن كثير عن ابن مسعود قال: إِن النساء كنَّ يوم أُحد خلف المسلمين يُجهزن على جرحى المشركين، فلو حلفتُ يومئذٍ رجوت أن أبرّ أنه ليس أحد منا يريد الدنيا حتى أنزل الله { مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ } فلما خالف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصوا ما أُمروا به أُفرد النبي صلى الله عليه وسلم في تسعة وهو عاشرهم فلما أرهقوه قال: رحم الله رجلاً ردّهم عنا فلم يزل يقول ذلك حتى قتل سبعة منهم، فنظروا فإِذا حمزة قد بقر بطنه وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطيع أن تأكلها، وحزن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حزناً شديداً، وصلى عليه يومئذٍ سبعين صلاة.