التفاسير

< >
عرض

فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ
٦٥
هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ
٦٦
ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ
٦٧
يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ
٦٨
ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ
٦٩
ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ
٧٠
يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
٧١
وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِيۤ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
٧٢
لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ
٧٣
إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ
٧٤
لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ
٧٥
وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّالِمِينَ
٧٦
وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ
٧٧
لَقَدْ جِئْنَاكُم بِٱلْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ
٧٨
أَمْ أَبْرَمُوۤاْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ
٧٩
أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ
٨٠
قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ
٨١
سُبْحَانَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ
٨٢
فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ
٨٣
وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ
٨٤
وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
٨٥
وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
٨٦
وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ
٨٧
وَقِيلِهِ يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ
٨٨
فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
٨٩
-الزخرف

صفوة التفاسير

المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى أمر عيسى ودعوته إلى الدين الحق، أتبعه بذكر ضلال أهل الكتاب حيثُ تفرقوا شيعاً وأحزاباً في شأنه، فقال بعضهم إنه إله، وقال بعضهم إنه ابن الإِله، وقال آخرون إنه ثالث ثلاثة، ثم ذكر تعالى أحوال القيامة وأهوالها، وختم السورة الكريمة ببيان صفات المعبود الحق، الواحد الأحد جلَّ وعلا.
اللغَة: { ٱلأَخِلاَّءُ } جمع خليل وهو الصديق الحميم { تُحْبَرُونَ } تُسرون وتفرحون، والحبورُ: السرور والفرح { أَكْوَابٍ } جمع كوب وهو القدح الذي لا عروة له { مُبْلِسُونَ } آيسون من الرحمة، وحزينون من شدة اليأس { أَبْرَمُوۤاْ } أحكموا الشيء يقال: أبرم القوم أمرهم أحكموه، والإِبرام، الإِحكام { يُؤْفَكُونَ } يُقلبون ويُصرفون، أَفكه أفْكاً أي قلبه وصرفه عن الشيء.
سَبَبُ النّزول: عن مقاتل قال: مكر المشركون بالنبي صلى الله عليه وسلم في دار الندوة، وتآمروا على قتله حين استقر أمرهم على ما أشار به أبو جهل عليهم، وهو أن يبرز من كل قبيلة رجل ليشتركوا في قتله وتضعف المطالبة بدمه فنزلت: { أَمْ أَبْرَمُوۤاْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ }.
التفسِير: { فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ } أي اختلفت فرق النصارى في شأن عيسى وصاروا شيعاً وأحزاباً فيه قال ابن كثير: صاروا شيعاً فيه، منهم من يُقرُّ بأنه عبدُ الله ورسولُه - وهو الحقُّ -، ومنهم من يدّعي أنه ولد الله، ومنهم من يقول إنه الله، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً { فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ } أي فهلاكٌ ودمارٌ لهؤلاء الكفرة الظالمين من عذاب يومٍ مؤلم وهو يوم القيامة { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً } أي هل ينتظر هؤلاء المشركون المكذبون إلا إتيانَ الساعة ومجيئها فجأةً { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } أي وهم غافلون عنها مشتغلون بأمور الدنيا، وحينئذٍ يندمون حيث لا ينفعهم الندم، ثم ذكر تعالى أحوال القيامة فقال { ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ } أي الأصدقاء والأحباب يوم القيامة يصبحون أعداء إلاَّ من كانت صداقته ومحبته لله قال ابن كثير: كلُّ خلةٍ وصداقة لغير الله، فإِنها تنقلب يوم القيامة عداوة إلا ما كان لله عز وجل فإِنه دائم بدوامه قال ابن عباس: صارت كل خلَّةٍ عداوةً يوم القيامة إلا المتقين تشريفاً وتطييباً لقلوبهم فيقول: { يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ } يا عباد المؤمنين الذين تحققتم في العبودية لرب العالمين، لا خوفٌ عليكم في هذا اليوم العصيب، ولا أنتم تحزنون على ما فاتكم من الدنيا، ثم وضَّحهم بقوله { ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ } أي هم الذين صدَّقوا بالقرآن، واستسلموا لحكم الله وأمره، وانقادوا لطاعته { ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ } أي يقال لهم: أدخلوا الجنة أنتم ونساؤكم المؤمنات، تُنعَّمون فيها وتُسرُّون سرورا يظهر أثره على وجوهكم { يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ } أي يُطاف على أهل الجنة بأوانٍ من الذهب فيها طعام، وأقداحٍ من ذهب فيها الشراب قال المفسرون: آنية أهل الجنة التي يأكلون فيها الطعام، والكئوس التي يشربون فيها الشراب كلُّها من ذهب وفضة كما قال تعالى
{ وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَاْ } [الإنسان: 15] وفي الحديث "لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" { وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ } أي وفي الجنة كل ما تشتهيه النفوس من أنواع اللذائذ والمشتهيات، وتُسرُّ به الأعين من فنون المناظر الجميلة، والمشاهد اللطيفة { وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } أي وأنتم في الجنة باقون دائمون، لا تخرجون منها أبداً قال أبو السعود: وهذا إِتمامٌ للنعمة وإِكمال للسرور، فإِنَّ كل نعيمٍ زائلٍ موجبٌ لخوف الزوال.. لمَّا ذكر الجنة وأنها موضع الحبور، ذكر ما فيها من النعم، فذكر أولاً المطاعم، ثم ذكر المشارب، ثم بعد ذلك التفصيل ذكر بياناً كلياً بقوله { وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ } ثم ذكر تمام النعمة بالخلود في دار النعيم، وهذا حصرٌ لأنواع النعم، لأنها إمّا مشتهاة في القلوب، أو مستلذةٌ في العيون { وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِيۤ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } أي وتلك الجنة الموصوفة بتلك الأوصاف الجليلة أُعطيتموها بسبب أعمالكم الصالحة التي قدمتموها في الدنيا قال ابن كثير: أي أعمالكم الصالحة كانت سبباً لشمول رحمة الله إياكم، فإِنه لا يدخل أحد الجنة بعمله، ولكنْ برحمة الله وفضله، وإِنما الدرجاتُ يُنال تفاوتها بحسب الأعمال الصالحات وفي الحديث "ما من أحدٍ إلاّ وله منزلٌ في الجنة ومنزلٌ في النار، الكافر يرث المؤمن منزله في النار، والمؤمن يرثُ الكافر منزله في الجنة" ، وذلك قوله تعالى { وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِيۤ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } { لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ } أي لكم في الجنة من أنواع الفواكه والثمار الشيء الكثير - سوى الطعام والشراب - من هذه الفواكة تأكلون تفكهاً وتلذذاًَ قال المفسرون: يأكل أهل الجنة من بعض الثمار، وأما الباقي فعلى الأشجار على الدوام، لا ترى فيها شجرةٌ تخلو عن ثمرها لحظة، فهي مزينةٌ بالثمار أبداً، لأن كل ما يؤكل يخلف بدله وفي الحديث "لا ينزع رجلٌ في الجنة من ثمرها إلا نبت مثلاها مكانها" .. ولما ذكر حال السعداء الأبرار أعقبه بذكر حال الأشقياء الفجار فقال { إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ } أي إن الكافرين الراسخين في الإِجرام في العذاب الشديد في جهنم دائمون فيها أبداً قال الصاوي: والمراد بالمجرمين الكفار لأنهم ذكروا في مقابلة المؤمنين { لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ } أي لا يخفَّف عنهم العذاب لحظة { وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ } أي وهم في ذلك العذاب يائسون من كل خير { وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّالِمِينَ } أي وما ظلمناهم بعقابنا لهم، ولكنْ كانوا هم الظالمين لتعريضهم أنفسهم للعذاب الخالد { وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ } أي ونادى الكفار مالكاً خازن النار قائلين: ليمتْنا اللهُ حتى نستريح من العذاب قال ابن كثير: أي ليقبضْ أرواحنا فيريحنا مما نحن فيه قال ابن عباس: فلم يجبهم إلا بعد ألف سنة { قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ } أي أجابهم إنكم مقيمون في العذاب أبداً، لا خلاص لكم منه بموتٍ ولا بغيره { لَقَدْ جِئْنَاكُم بِٱلْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ } خطاب توبيخ وتقريع أي لقد جئناكم أيها الكفار بالحق الساطع المبين، ولكنكم كنتم كارهين لدين الله مشمئزين منه لكونه مخالفاً لأهوائكم وشهواتكم قال الرازي: هذا كالعلة لما ذُكر والمرادُ نفرتهم عن محمد وعن القرآن، وشدة بُغْضهم لقبول الدين الحق { أَمْ أَبْرَمُوۤاْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ } الكلام عن كفار قريش أي أم أحكم هؤلاء المشركون أمراً في كيد محمد صلى الله عليه وسلم فإِنا محكمون أمرنا في نصرته وحمايته، وإِهلاكهم وتدميرهم قال مقاتل: نزلت في تدبيرهم المكر بالنبي صلى الله عليه وسلم في دار الندوة { أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم } أي أم يظنون أنَّا لا نسمع ما حدَّثوا به أنفسهم، وما تكلموا به فيما بينهم بطريق التناجي قال في التسهيل: السرُّ ما يحدث به الإِنسان نفسه أو غيره في خفية، والنجوى ما تكلموا به بينهم { بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ } أي بلى إنا نسمع سرَّهم وعلانيتهم، وملائكتنا الحفظة يكتبون عليهم أعمالهم، روي أنها نزلت في "الأخنس بن شُريق" و"الأسود بن عبد يغوث" اجتمعا فقال الأخنس: أترى الله يسمع سرَّنا!! فقال الآخر: يسمع نجوانا ولا يسمع سرنا { قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ } أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين: لو فُرض أنَّ لله ولداً لكنت أنا أول من يعبد ذلك الولد، ولكنه جل وعلا منزَّه عن الزوجة والولد قال القرطبي: وهذا كما تقول لمن تناظره: إن ثبتَ ما قلت بالدليل فأنا أول من يعتقده، وهذا مبالغةٌ في الاستبعاد، وترقيقٌ في الكلام وقال الطبري: هو ملاطفةٌ في الخطاب وقال البيضاوي: ولا يلزم من هذا الكلام صحة وجود الولد وعبادته له، بل المراد نفيهما على أبلغ الوجوه، وإِنكاره للولد ليس للعناد والمراء، بل لو كان لكان أولى الناس بالاعتراف به، فإِن النبي يكون أعلم بالله وبما يصح له وما لا يصح { سُبْحَانَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } أي تنزَّه وتقدَّس اللهُ العظيمُ الجليل، ربُّ السماواتِ والأرضِ، وربُّ العرشِ العظيم، عمَّا يصفه به الكافرون من نسبة الولد إليه { فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ } أي اترك كفار مكة في جهلهم وضلالهم، يخوضوا في باطلهم ويلعبوا بدنياهم { حَتَّىٰ يُلاَقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ } أي إلى ذلك اليوم الرهيب الذي وُعدوه - وهو يوم القيامة - فسوف يعلمون حينئذٍ كيف يكون حالهم ومصيرهم ومآلهم { وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ } أي هو جل وعلا معبودٌ في السماء ومعبود في الأرض، لأنه هو الإِله الحق، المستحق للعبادة في السماء والأرض قال في التسهيل: أي هو الإِله لأهل الأرض وأهل السماء وقال ابن كثير: أي هو إله من في السَّماء وإلهُ من في الأرض، يعبده أهلهما وكلُّهم خاضعون له أذلاء بين يديه { وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ } أي هو الحكيم في تدبير خلقه، العليمُ بمصالحهم، وهذا كالدليل على وحدانيته تعالى { وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا } أي تمجَّد وتعظَّم الله الذي له مُلك السماواتِ والأرض وما بينهما من المخلوقات، من الإِنس والجن والملائكة، فهو الخالق والمالك والمتصرف في الكائنات بلا ممانعةٍ ولا مدافعة { وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } أي وعنده وحده علم زمان قيام الساعة { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } أي وإليه لا إلى غيره مرجع الخلائق للجزاء، فيجازي كلاً بعمله { وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَاعَةَ } أي ولا يملك أحدٌ ممن يعبدونهم من دون الله أن يشفع عند الله لأحد، لأنه لا شفاعة إلا بإِذنه { إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ } أي إلا لمن شهد بالحق، وآمن عن علم وبصيرة، فإِنه تنفع شفاعته عند الله { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أي وهم يعلمون أن الشفاعة لا تكون إلا بإِذنه قال المفسرون: والمرادُ بـ { مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ } عيسى وعزير والملائكة، فإِنهم يشهدون بالحق والوحدانية للهِ، فهؤلاء تنفع شفاعتهم للمؤمنين وإِن كانوا قد عُبدوا من دون الله { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } أي ولئن سألت يا محمد كفار مكة من الذي خلقهم وأوجدهم؟ ليقولُنَّ اللهُ خلقنا، فهم يعترفون بأنه الخالق ثم يعبدون غيره ممن لا يقدر على شيء { فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ } أي فكيف ينصرفون عن عبادة الرحمن إلى عبادة الأوثان؟ فهم في غاية الجهل والسفاهة وسخافة العقول { وَقِيلِهِ يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ } أي وقول محمد في شكواه لربه يا ربِّ إن هؤلاء قوم معاندون جبارون لا يصدقون برسالتي ولا بالقرآن قال قتادة: هذا قول نبيكم صلى الله عليه وسلم يشكو قومه إلى ربه عز وجل { فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ } أي فأعرض عنهم يا محمد وسامحهم ولا تقابلهم بمثل ما يقابلونك به قال الصاوي: وهو تباعدٌ وتبرؤٌ منهم، وليس في الآية مشروعية السلام على الكفار وقال قتادة: أمر بالصفح عنهم ثم أُمر بقتالهم، فصار الصفح منسوخاً بالسيف { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } أي فسوف يعلمون عاقبة إجرامهم وتكذيبهم، وهو وعدٌ وتهديد للمشركين، وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
1- التشبيه البليغ
{ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً } [الزخرف: 10] أي كالمهد والفراش حذفت منه الأداة ووجه الشبه فأصبح بليغاً.
2- الاستعارة التبعية
{ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً } [الزخرف: 11] شبَّه الأرض قبل نزول المطر بالإِنسان الميت ثم أنشرها الله أي أحياها بالمطر ففيه استعارة تبعية.
3- التأكيد بإِنَّ واللام مع صيغة المبالغة
{ إِنَّ ٱلإنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ } [الزخرف: 15] لأن فعول وفعيل من صيغ المبالغة.
4- الأسلوب التهكمي للتوبيخ والتقريع
{ أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِٱلْبَنِينَ } [الزخرف: 16] وبين لفظ البنات والبنين طباقٌ.
5- المجار المرسل
{ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ } [الزخرف: 28] المراد بالكلمة الجملة التي قالها { إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ } [الزخرف: 26] ففي اللفظ مجاز.
6- الاستعارة
{ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ } [الزخرف: 40] شبه الكفار بالصم والعمي بطريق الاستعارة التمثيلية.
7- جناس الاشتقاق
{ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ } [الزخرف: 45] لتغير الشكل وبعض الحروف بينهما.
8- حذف الإِيجاز { بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ } أي أكواب من ذهب وحذف لدلالة السابق عليه.
9- ذكر العام بعد الخاص { وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ } بعد قوله { يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ } الآية.
10- الطباق { أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم } لأن المراد سرَّهم وعلانيتهم.
11- السجع الرصين غير المتكلف مثل
{ كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ } [الزخرف: 11] { مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ } [الزخرف: 12] { وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ } [الزخرف: 14] وغير ذلك وهو من المحسنات البديعية.