التفاسير

< >
عرض

أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ
٢١
وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ
٢٢
أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ
٢٣
وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ
٢٤
وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتُواْ بِآبَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
٢٥
قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ
٢٦
وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ
٢٧
وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
٢٨
هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
٢٩
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ
٣٠
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ
٣١
وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا ٱلسَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ
٣٢
وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
٣٣
وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ
٣٤
ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ
٣٥
فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
٣٦
وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
٣٧
-الجاثية

صفوة التفاسير

المنَاسَبَة: لما حكى تعالى ضلالات بني إِسرائيل، وبيَّن أن القرآن نور وهداية لمن تمسَّك به، أعقبه ببيان أنه لا يتساوى المؤمن مع الكافر، ولا البر مع الفاجر، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ثم ذكر الأدلة على البعث والنشور.
اللغَة: { ٱجْتَرَحُواْ } اكتسبوا والاجتراحُ الاكتساب ومنه الجوارح { غِشَاوَةً } غطاء وغشَّى الشيءَ غطَّاه { جَاثِيَةً } باركةً على الركب لشدة الهول جثا - يجثو إِذا قعد على ركبتيه { نَسْتَنسِخُ } استنسخ الشيء أمر بكتابته وتدوينه { حَاقَ } نزل وأحاط { يُسْتَعَتَبُونَ } يُطلب منهم إِرضاء ربهم يقال: استعتبتهُ فأعتبني أي استرضيتُه فقبل مني عذري { ٱلْكِبْرِيَآءُ } العظمة والمُلك والجلال.
سَبَبُ النّزول: روي أن أبا جهلٍ طاف بالبيت ذات ليلة ومعه الوليد بن المغيرة، فتحدثا في شأن النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو جهل: واللهِ إني لأعلم أنه لصادق، فقال له: مهْ، وما دلَّك على ذلك؟ فقال يا أبا عبد شمسٍ: كنا نسميه في صباه الصادق الأمين، فلما تمَّ عقلهُ وكمُل رشده نسميه الكذاب الخائن!! والله إني لأعلم أنه لصادق، قال: فما يمنعك أن تصدِّقه وتُؤمن به؟ قال: تتحدث عني بنات قريش أني اتبعت يتيم أبي طالب من أجل كسْرة واللاتِ والعُزَّى لا أتَّبعه أبداً فنزلت { أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ.. } الآية.
التفسِير: { أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ } الاستفهام للإِنكار والمعنى هل يظنُّ الكفار الفجار الذين اكتسبوا المعاصي والآثام { أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ } أي أن نجعلهم كالمؤمنين الأبرار { سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ } أي نساوي بينهم في المحيا والممات؟ لا يمكن أن نساوي بين المؤمنين والكفار، لا في الدنيا ولا في الآخرة، فإِن المؤمنين عاشو على التقوى والطاعة، والكفار عاشوا على الكفر والمعصية، وشتان بين الفريقين كقوله
{ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ } [السجدة: 18]؟ قال مجاهد: المؤمنُ يموت مؤمناً ويُبعث مؤمناً، والكافر يموت كافراً ويُبعث كافراً { سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ } أي ساء حكمهم في تسويتهم بين أنفسهم وبين المؤمنين قال ابن كثير: ساء ما ظنّوا بنا وبعدلنا أن نساوي بين الأَبرار والفجار، فكما لا يُجتنى من الشوكِ العنبُ، كذلك لا ينال الفُجَّار منازل الأبرار { وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ } أي وخلق الله السماواتِ والأرض بالعدل والأمر الحقِّ ليدل بهما على قدرته ووحدانيته { وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } أي ولكي يُجزى كل إِنسان بعمله، وبما اكتسب من خير أو شر، دون أن يُنقص في ثواب المؤمن أو يُزاد في عذاب الكافر قال شيخ زاده: لمّا خلق تعالى السماواتِ الأرض لإِجل إِظهار الحق، وكان خلقهما من جملة حكمته وعدله، لزم من ذلك أن ينتقم من الظالم لأجل المظلوم، فبثت بذلك حشر الخلائق للحساب { أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ } أي أخبرني يا محمد عن حال من ترك عبادة الله وعبد هواه!! قال في البحر: أي هو مطواعٌ لهوى نفسه يتبع ما تدعوه إليه، فكأنه يعبده كما يعبد الرجل إلَهه قال ابن عباس: ذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه، فلا يهوى شيئاً إلاّ ركبه { وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ } أي وأضلَّ الله ذلك الشقي في حال كونه عالماً بالحق غير جاهل به، فهو أشدُّ قبحاً وشناعةً ممن يضل عن جهل، لأنه يُعرض عن الحقِّ والهُدى عناداً كقوله تعالى { وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً } [النمل: 14] { وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ } أي وطبع على سمعه وقلبه بحيث لا يتأثر بالمواعظ، ولا يتفكر في الآيات والنُّذر { وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً } أي وجعل على بصره غطاء حتى لا يبصر الرشد، ولا يرى حجة يستضيء بها { فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ }؟ أي فمن الذي يستطيع أن يهديه بعد أن أضله الله؟ لا أحد يقدر على ذلك { أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } أي أفلا تعتبرون أيها الناس وتتعظون؟ قال الصاوي: وصف تعالى الكفار بأربعة أوصاف: الأول: عبادة الهوى، والثاني: ضلالهم على علم الثالث: الطبع على أسماعهم وقلوبهم الرابع: جعل الغشاوة على أبصارهم، وكلَّ وصفٍ منها مقتضٍ للضلالة، فلا يمكن إِيصال الهدى إليهم بوجهٍ من الوجوه.. ثم حكى تعالى عن المشركين شبهتهم في إنكار القيامة، وفي إِنكار الإِله القادر العليم فقال { وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا } أي وقال المشركون: لا حياة إلا هذه الحياة الدنيا، يموت بعضنا ويحيا بعضنا، ولا آخرة، ولا بعث، ولا نشور قال ابن كثير: هذا قول الدهرية من الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد، ومرادهم ما ثمَّ إلا هذه الدار، يموت قوم ويعيش آخرون، وليس هناك معادٌ ولا قيامة، وهذا قول الفلاسفة الدهريين، المنكرين للصانع، المعتقدين أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه { وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ } أي وما يهلكنا إلا مرورُ الزمان، وتعاقبُ الأيام قال الرازي: يريدون أن الموجب للحياة والموت تأثيراتُ الطبائع وحركاتُ الأفلاك، ولا حاجة إلى إثبات الخالق المختار، فهذه الطائفة جمعوا بين إنكار الإِله وبين إِنكار البعث والقيامة، قال تعالى رداً عليهم { وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ } أي وليس لهم مستندٌ من عقل أو نقل، ولذلك أنكروا وجود الله من غير حجةٍ ولا بينة { إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ } أي ما هم إلا قوم يتوهمون ويتخيلون، يتكلمون بالظن من غير يقين { وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ } أي وإِذا قرئت آياتُ القرآن على المشركين، واضحات الدلالة على البعث والنشور { مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتُواْ بِآبَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } أي ما كان متمسكهم في دفع الحق الصريح إلا أن يقولوا: أحْيوا لنا آباءنا الأولين، إِن كان ما تقولونه حقاً، سُمِّيَ قولهم الباطل حجةً على سبيل التهكم { قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } أي قل لهم يا محمد: اللهُ الذي خلقكم ابتداءً حين كنتم نُطفاً هو الذي يميتكم عند انقضاء آجالكم، لا كما زعمتم أنكم تحيون وتموتون بحكم الدهر { ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ } أي ثم بعد الموت يبعثكم للحساب والجزاء كما أحياكم في الدنيا، فإِنَّ من قدر على البدء قدر على الإِعادة، والحكمةُ اقتضت الجمع للجزاء في يوم القيامة، الذي لا شك فيه ولا ارتياب { وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } أي ولكنَّ أكثر الناس لجهلهم وقصورهم في النظر والتفكر، لا يعلمون قدرة الله فينكرون البعث والجزاء.. ثم بيَّن إمكان الحشر والنشر ذكر تفاصيل أحوال يوم القيامة فقال { وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } أي هو جل وعلا المالك لجميع الكائنات العلوية والسفلية { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ } أي ويوم القيامة يخسر الكافرون الجاحدون بآيات الله { وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً } أي وترى أيها المخاطب كل أمةٍ من الأمم جالسةً على الركب من شدة الهول والفزع، كما يجثوا الخصوم بين يدي الحاكم بهيئة الخائف الذليل قال ابن كثير: وهذا إذا جيء بجهنم فإِنها تزفر زفرةً لا يبقى أحدٌ إلا جثا على ركبتيه { كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا } أي كلُّ أمةٍ من تلك الأمم تُدعى إلى صحائف أعمالها { ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } أي يقال لهم: في هذا اليوم الرهيب تنالون جزاء أعمالكم من خيرٍ أو شر { هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ } أي هذا كتابُ أعمالكم يشهد عليكم بالحق من غير زيادةٍ ولا نقصان قال في التسهيل: فإِن قيل: كيف أضاف الكتاب تارةً إِليهم وتارةً إلى الله تعالى؟ فالجواب أنه أضافه إِليهم لأن أعمالهم ثابتةٌ فيه، وأضافه إلى الله تعالى لأنه مالكه وأنه هو الذي أمر الملائكة أن يكتبوه { إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } أي كنَّا نأمر الملائكة بكتابة أعمالكم، وإِثباتها عليكم قال المفسرون: تنسخ هنا بمعنى تكتب، وحقيقة النسخ هو النقل من أصلٍ إلى آخر، وقال ابن عباس: تكتب الملائكة أعمال العباد ثم تصعد بها إلى السماء، فيقابل الملائكة الموكلون بديوان الأعمال ما كتبه الحفظة، مما قد أُبرز لهم من اللوح المحفوظ في كل ليلة قدر، مما كتبه الله في القِدم على العباد قبل أن يخلقهم، فلا يزيد حرفاً ولا ينقص حرفاً، فذلك هو الاستنساخ، وكان ابن عباس يقول: ألستم عرباً، هل يكون الاستنساخ إلا من أصل؟ ثم بيَّن تعالى أحوال كلٍ من المطيعين والعاصين فقال { فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ } أي فأما المؤمنون الصالحون المتقون لله في الحياة الدنيا، فيدخلهم الله في الجنة، سُميت الجنة رحمةً لأنها مكان تنزل رحمةِ الله { ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ } أي ذلك هو الفوز العظيم، البيّن الظاهر الذي لا فوز وراءه { وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } أي وأمَّا الكافرون فيقال لهم توبيخاً وتقريعاً: أفلم تكن الرسل تتلو عليكم آيات الله؟ { فَٱسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ } أي فتكبرتم عن الإِيمان بها، وأعرضتم عن سماعها، وكنتم قوماً مغرقين في الإِجرام { وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } أي وإِذا قيل لكم إن البعث كائن لا محالة { وَٱلسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا } أي والقيامة آتيةٌ لا شك في ذلك ولا ريب { قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا ٱلسَّاعَةُ } أي قلتم لغاية عتوكم، أيُّ شيء هي؟ أحقٌّ أم باطل؟ قال البيضاوي: قالوا هذا استغراباً واستبعاداً وإِنكاراً لها { إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً } أي لا نصدِّق بها ولكن نسمع الناس يقولون: إِنَّ هناك آخرة فنتوهم بها توهماً { وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ } أي ولسنا مصدِّقين بالآخرة يقيناً، وهذا تأكيد منهم لإِنكار القيامة { وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ } أي وظهر لهم في الآخرة قبائح أعمالهم { وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } أي ونزل وأحاط بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به في الدنيا { وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا } أي ويقال لهم: اليوم نتركُكم في العذاب ونعاملكم معاملة الناسي، كما تركتم الطاعة التي هي الزاد ليوم المعاد فلم تعملوا لآخرتكم { وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ } أي ومستقركم في نار جهنم { وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ } أي وليس لكم من ينصركم ويخلصكم من عذاب الله { ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً } أي إِنما جازيناكم هذا الجزاء، بسبب أنكم سخرتم من كلام الله واستهزأتم به { وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا } أي خدعتكم الدنيا بزخارفها وأباطيلها، حتى ظننتم ألاَّ حياة سواها، وأَلاَّ بعث ولا نشور { فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ } أي فاليوم لا يُخْرجون من النار، ولا يُطلبُ منهم أن يرضوا ربَّهُم بالتوبة والطاعة لعدم نفعها يومئذٍ { فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } أي فلله الحمد خاصة لا يستحق الحمد أحدٌ سواه لأنه الخالق والمالك لجميع المخلوقات والكائنات { وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } أي وله العظمة والجلال، والبقاء والكمال في السماوات والأرض { وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } أي الغالب الذي لا يغلب، الحكيم في صنعه وفعله وتدبيره.
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
1- التأكيد بأنَّ واللام
{ إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ } [الجاثية: 3] لأن المخاطبين منكرون لوحدانية الله.
2- صيغة المبالغة
{ وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } [الجاثية: 7] لأن فعّال وفعيل من صيغ المبالغة.
3- الأسلوب التهكمي
{ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [الجاثية: 8] لأن البشارة تكون بالخير واستعمالها بالشر تهكمٌ.
4- المجاز المرسل
{ وَمَآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ } [الجاثية: 5] أي مطر، مجاز مرسل علاقته المسببية لأن الرزق لا ينزل من السماء، ولكن ينزل المطر الذي ينشأ عنه النبات والرزق.
5- التشبيه المرسل
{ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا } [الجاثية: 8] أي كأنه لم يسمع آيات القرآن.
6- المبالغة بذكر المصدر
{ هَـٰذَا هُدًى } [الجاثية: 11] كأن القرآن لوضوح حجته عين الهُدى.
7- الإِطناب بتكرار اللفظ
{ سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ.. وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } [الجاثية:12ـ13] لإِظهار الامتنان.
8- طباق السلب
{ فَٱتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } [الجاثية: 18].
9- المجاز المرسل { فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ } أي في الجنة لأنها مكان تنزل رحمة الله.
10- الطباق بين
{ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا } [الجاثية: 15] وبين { نَمُوتُ وَنَحْيَا } وبين { يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ }.
11- الاستعارة التصريحية { هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ } أي يشهد عليكم، والاستعارة هنا أبلغ من الحقيقة، لأن شهادة الكتاب ببيانه أقوى من شهادة الإِنسان بلسانه.
12- الالتفات { فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا } فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة لإِسقاطهم من رتبة الخطاب.
13- الاستعارة التمثيلية { ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا } مثَّل تركهم في العذاب بمن حُبس في مكانٍ ثم نسيه السَّجان من الطعام والشراب حتى هلك بطريق الاستعارة التمثيلية، والمراد من الآية نترككم في العذاب ونعاملكم معاملة الناسي، لأن الله تعالى لا ينسى ولا يعرض عليه النسيان.