التفاسير

< >
عرض

إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ
١
وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ
٢
وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ
٣
وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ
٤
عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ
٥
يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ
٦
ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ
٧
فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ
٨
كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ
٩
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ
١٠
كِرَاماً كَاتِبِينَ
١١
يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ
١٢
-الانفطار

مختصر تفسير ابن كثير

يقول تعالى: {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ} أي انشقت، كما قال تعالى: { السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ } [المزمل: 18]، {وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ} أي تساقطت، {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ} قال ابن عباس: فجر الله بعضها في بعض، وقال الحسن: فجر الله بعضها في بعض فذهب ماؤها، وقال قتادة: اختلط عذبها بمالحها، وقال الكلبي: ملئت. {وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ} قال ابن عباس: بحثت. وقال السدي: تبعثر - تحرك فيخرج من فيها، {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} أي إذا كان هذا حصل هذا، وقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ}؟ هذا تهديد من الله للإنسان والمعنى: ما غرك يا ابن آدم {بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ} أي العظيم، حتى أقدمت على معصيته، وقابلته بما لا يليق؟ كما جاء في الحديث: "يقول الله تعالى يوم القيامة: يا ابن آدم ما غرك بي؟ يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين" ؟ وعن يحيى البكاء قال: سمعت ابن عمر يقول وقرأ هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ} قال ابن عمر: غره والله جهله، وقال قتادة: ما غرّ ابن آدم غير هذا العدو الشيطان، وقال الفضل بن عياض: لو قال لي، ما غرّك بي؟ لقلت: ستورك المرخاة، وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي: ما غرك بربك الكريم؟ لقلت: غرني كرم الكريم، وقال بعض أهل الإشارة: إنما قال بربك الكريم دون سائر أسمائه وصفاته، كأنه لقنه الإجابة، وهذا الذي تخيله هذا القائل ليس بطائل، لأنه إنما أتى باسمه الكريم، لينبه على أنه لا ينبغي أن يقابل الكريم بالأفعال القبيحة وأعمال الفجور، وقوله تعالى: {ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} أي جعلك سوياً مستقيماً معتدل القامة، منتصبها في أحسن الهيئات والأشكال، روى الإمام أحمد عن بشر بن جحاش القرشي "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصق يوماً في كفه، فوضع عليها إصبعه ثم قال: قال الله عزَّ وجلَّ: يا ابن آدم أنّى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذا؟ حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي: قلت: أتصدق وأنّى أوان الصدقة؟" .
وقوله تعالى: {فِيۤ أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ} قال مجاهد: في أي شبه أب أو أم، أو خال أو عم، وقال عكرمة في قوله تعالى: {فِيۤ أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ} إن شاء في صورة قرد، وإن شاء في صورة خنزير، وكذا قال أبو صالح: إن شاء في صورة كلب، وإن شاء في صورة حمار، وإن شاء في صورة خنزير، وقال قتادة: قادر والله ربنا على ذلك، ومعنى هذا القول عندهم أن الله عزَّ وجلَّ قادر على خلق النطفة على شكل قبيح، من الحيوانات المنكرة الخلق، ولكن بقدرته ولطفه وحلمه، يخلقه على شكل حسن مستقيم، معتدل تام حسن المنظر والهيئة، وقوله تعالى: {كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ} أي إنما يحملكم على مواجهة الكريم ومقابلته بالمعاصي، تكذيب قلوبكم بالمعاد والجزاء والحساب، وقوله تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} يعني وإن عليكم لملائكة حفظة كراماً، فلا تقابلوهم بالقبائح، فإنهم يكتبون عليكم جميع أعمالكم، عن ابن عباس قال، قال رسول الله صلى عليه وسلم: "إن الله ينهاكم عن التعري، فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلاّ عند إحدى ثلاث حالات: الغائط والجنابة والغسل، فإذا اغتسل أحدكم بالعراء فليستتر بثوبه أو بجرم حائط أو ببعيره" . وفي الحديث: "ما من حافظين يرفعان إلى الله عزَّ وجلَّ ما حفظا في يوم فيرى في أول الصحيفة، وفي آخرها استغفاراً إلاّ قال الله تعالى: قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة" ، عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لله ملائكة يعرفون بني آدم - وأحسبه قال: ويعرفون أعمالهم - فإذا نظروا إلى عبد يعمل بطاعة الله ذكروه بينهم وسموه، وقالوا: أفلح الليلة فلان، نجا الليلة فلان، وإذا نظروا إلى عبد يعمل بمعصية الله ذكروه بينهم وسموه وقالوا: هلك الليلة فلان" .