التفاسير

< >
عرض

إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ
١
وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ
٢
وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ
٣
وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ
٤
وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ
٥
يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ
٦
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ
٧
فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً
٨
وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُوراً
٩
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ
١٠
فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً
١١
وَيَصْلَىٰ سَعِيراً
١٢
إِنَّهُ كَانَ فِيۤ أَهْلِهِ مَسْرُوراً
١٣
إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ
١٤
بَلَىٰ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً
١٥
-الانشقاق

مختصر تفسير ابن كثير

يقول تعالى: {إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ} وذلك يوم القيامة، {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا} أي استمعت لربها وأطاعت أمره فيما أمرها به من الانشقاق، وذلك يوم القيامة {وَحُقَّتْ} أي وحق لها أن تطيع أمره، لأنه العظيم الذي لا يمانع ولا يغالب، بل قد قهر كل شيء وذل له كل شيء، ثم قال: {وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ} أي بسطت وفرشت ووسعت، وفي الحديث "إذا كان يوم القيامة مد الله الأرض مد الأديم، حتى لا يكون لبشر من الناس إلاّ موضع قدميه" . وقوله تعالى: {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ} أي ألقت ما في بطنها من الأموات وتخلت عنهم، {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} كما تقدم، وقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً} أي إنك ساع إلى ربك سعياً وعامل عملاً {فَمُلاَقِيهِ} ثم إنك ستلقى ما عملت من خير أو شر، عن جابر قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال جبريل: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه" ، ومن الناس من يعيد الضمير على قوله {رَبِّكَ} أي فملاق ربك ومعناه فيجازيك بعملك ويكافئك على سعيك، قال ابن عباس: تعمل عملاً تلقى الله به خيراً كان أو شراً، وقال قتادة: {يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً} إن كدحك يا ابن آدم لضعيف، فمن استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله فليفعل ولا قوة إلاّ بالله، ثم قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} أي سهلاً بلا تعسير أي لا يحقق عليه جميع دقائق أعماله، فإن من حوسب كذلك هلك لا محالة، روى الإمام أحمد "عن عائشة رضي الله عنها قالت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من نوقش الحساب عذب، قالت، فقلت: أفليس قال الله تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً}، قال: ليس ذاك بالحساب، ولكن ذلك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عذب" . وروى ابن جرير، "عن عائشة رضي الله عنها قالت؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلاّ معذباً، فقلت: أليس الله يقول {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً}؟ قال: ذاك العرض، إنه من نوقش الحساب عذب، وقال بيده على إصبعه كأنه ينكت" . وفي رواية عن عائشة قالت: "من نوقش الحساب - أو من حوسب - عذب، ثم قالت: إنما الحساب اليسير عرض الله تعالى وهو يراهم" . وقوله تعالى: {وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُوراً} أي ويرجع إلى أهله في الجنة {مَسْرُوراً} أي فرحاً مغتبطاً بما أعطاه الله عزَّ وجلَّ، وقد روى الطبراني عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنكم تعملون أعمالاً لا تعرف، ويوشك الغائب أن يثوب إلى أهله فمسرور أو مكظوم" . وقوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ} أي بشماله من وراء ظهره تثنى يده إلى ورائه، ويعطى كتابه بها كذلك {فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً} أي خساراً وهلاكاً {وَيَصْلَىٰ سَعِيراً * إِنَّهُ كَانَ فِيۤ أَهْلِهِ مَسْرُوراً} أي فرحاً لا يفكر في العواقب، ولا يخاف مما أمامه فأعقبه ذلك الفرح اليسير الحزن الطويل، {إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ} أي كان يعتقد أنه لا يرجع إلى الله، ولا يعيده بعد موته، قال ابن عباس وقتادة وغيرهما، والحَوْر هو الرجوع، قال الله: {بَلَىٰ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً} يعني بلى سيعيده الله كما بدأه ويجازيه على أعماله خيرها وشرها فإنه {كَانَ بِهِ بَصِيراً} أي عليماً خبيراً.