التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ
١٠
أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
١١
وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ
١٢
يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ
١٣
فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ
١٤
-سبأ

تفسير آيات الأحكام

[1] حكم التماثيل والصور
التحليل اللفظي
{فَضْلاً}: أي أمراً عظيماً فضّلناه به على غيره، والمراد به النبوة والزبور، وقيل: ما خصّه الله تعالى به على سائر الأنبياء من النعم كتسخير الجبال، والطير، وإلانة الحديد، وحسن الصوت، وغير ذلك من النعم.
{أَوِّبِي مَعَهُ}: أي سبّحي معه، ورجّعي معه التسبيح قال تعالى:
{ إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ } [صۤ: 18].
قال القرطبي: فكان إذا قرأ الزبور صوّتت الجبال معه، وأصغت إليه الطير، فكأنها فعلت ما فعل.
قال ابن قتيبة: وأصل التأويب في السير، وهو أن يسير النهار كله وينزل ليلاً، فكأنه أراد: ادأبي النهار كله بالتسبيح معه إلى الليل.
وقيل المعنى: سيري معه حيث شاء، من التأويب وهو السير، قال ابن مقبل:

لحقنا بحّيٍ أوّبوا السّيْر بعدما دفعنا شعاع الشمس والطرف يجنح

{سَٰبِغَاتٍ}: أي دروعاً واسعات، فذكر الصفةَ لأنها تدل على الموصوف، والسابغات: الدروع الكوامل التي تغطي لابسها حتى تفضل عنه فيجرّها على الأرض.
قال أبو حيّان: السابغات: الدروع، وأصله الوصف بالسبوغ وهو التمام والكمال، وغلب على الدروع فصار كالأبطح قال الشاعر:

عليها أسودٌ ضارياتٌ لبَوسُهم سوابغُ بيضٌ لا يخرّقُها النبلُ

وقال القرطبي: أي كوامل تامات واسعة، يقال: سبغ الدرع والثوب وغيرهما إذا غطّى كل ما هو عليه وفضل منه.
{وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ}: أي في النسج، والمراد: اجعله على قدر الحاجة، لا تجعل حِلَق الدرع صغيرة فتنفصم الحَلْقة، ولا واسعة فلا تقي صاحبها السهم والرمح.
قال قتادة: كانت الدروع قبل داود صفائح فكانت ثقالاً، فأُمر بأن يجمع بين الخفّة والحصانة، ويقال لصانع الدروع سرّاد، وزرّاد بإبدال السين بالزاي، والسّرْد: إتباع الشيء بالشيء من جنسه قال الشمّاخ:

فظلّت تِباعاً خيلُنا في بيوتكم كما تابعت سرْدَ العِنَان الخوارز

والسُّراد: السّير الذي يخرز به النعل.
قال القرطبي: وأصل ذلك في سرد الدرع، وهو أن يحكمها ويجعل نظام حلَقها وِلاءً غير مختلف قال لبيد:

صنع الحديدَ مضاعفاً أسرادُه لينال طولَ العيش غير مروم

{عَيْنَ ٱلْقِطْرِ}: قال الزجّاج: القِطر الصُّفْر وهو النحاس: أذيب لسليمان وكان قبل سليمان لا يذوب لأحد.
قال المفسّرون: أجرى الله لسليمان عين الصُّفْر، حتى صنع منها ما أراد من غير نار، كما أُلين لداود الحديدُ بغير نار، فبقيت تجري ثلاثة أيام ولياليهنّ كجري الماء، وإنما يعمل الناس اليوم مما أعطي سليمان.
قال القرطبي: "وتخصيص الإسالة بثلاثة أيام لا يدري ما حدّه، ولعله وَهَم من الناقل، والظاهر أنه جُعل النحاس لسليمان في معدنه عيناً تسيل كعيون المياه، دلالة على نبوته".
{يَزِغْ}: أي يعدل عن الذي أمرناه به من طاعة سليمان، يقال: زاغ أي مالَ وانصرف.
{مَّحَٰرِيبَ}: أي قصور عظيمة، ومساكن حصينة، قال القرطبي: المحراب في اللغة: كل موضع مرتفع، وقيل للذي يُصلّى فيه: محراب، لأنه يجب أن يرفع ويعظّم، قال الشاعر:

جمع الشجاعة والخضوع لربه ما أحسن المحراب في المحراب

وروي عن أبي عبيدة أنه قال: المحراب أشرف بيوت الدار، وأنشد عدّي بن زيد:

كدُمَى العاج في المحاريب أوكالْـ ـبيْض في الرّوض زهره مستنير

وقيل: هو ما يرقى إليه بالدرج كالغرفة الحسنة، قال تعالى: { إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ } [صۤ: 21].
وقيل المراد بالمحاريب: المساجد، ونقل عن قتادة: أنها المساجد والقصور الشامخة. وسمي القصر بالمحراب لأنه يحارب من أجله، ومما يرجح هذا الرأي أن الله تعالى ذكر أنها من عمل الجن، ولعلّ عمل القصور الضخمة الشامخة كان مما يستعصي على الناس في ذلك الزمن لجهلهم بفن العمارة، فكانت الجن مسخّرة لسليمان لتعمل له تلك الأعمال التي يعجز عنها البشر.
{وَتَمَٰثِيلَ}: جمع تمثال وهو في اللغة: الصورة، ومثّل الشيء: صوَّره حتى كأنه ينظر إليه، قال في اللسان: ومثّل الشيء بالشيء، سوّاه وشبّهه به، وجعله مثله وعلى مثاله، والتمثال: اسم للشيء المصنوع مشبهاً بخلق من خلق الله، وأصله من مثَّلْت الشيء بالشيء: إذا قدرته على قدره، ومثال الشيء ما يماثله ويحكيه، ولم يرد في القرآن هذا الوزن (تِفْعال) إلا في لفظين: (تِلْقاء، وتِبْيان).
وقال القرطبي: "التمثال: كل ما صوّر على مثل صورة من حيوان، أو غير حيوان".
{وَجِفَانٍ}: جمع جفنة، وهي القصعة الكبيرة قال الشاعر:

وإذا هاجت شمالاً أطعموا في قدورٍ مشبعات لم تُجَع
وجفانٍ كالجوابي مُلئت من سمينات الذّرى فيها تَرَع

وقال الآخر:

ثقال الجفون والحلوم رحاهم رحا الماء يكتالون كيلاً عذمذماً

قال أبو عبيدة: كان لعبد الله بن جدعان جفنة يأكل منها القائم والراكب، وذكر المدائني أنه وقع فيها صبي فغرق.
{كَٱلْجَوَٰبِ}: جمع جابية، وهي الحوض الكبير يُجبى فيه الماء، أي يجمع قال الأعشى:

نفى الذمّ عن آل المحلّق جفنةٌ كجابية الشيخ العراقيّ تَفْهَقُ

قال المفسرون: كان الجن يصنعون لسليمان القصاع كحياض الإبل يجتمع على القصعة الواحدة ألف رجل يأكلون منها.
{رَّاسِيَٰتٍ}: أي ثوابت، يقال: رسا الشيء يرسو: إذا ثبت، والمراد أنها لعظمها لا تنقل فهي ثابتة في أماكنها، ومنه قيل للجبال: رواسي، قال تعالى:
{ وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ } [المرسلات: 27].
قال ابن العربي: "راسيات: أي ثوابت لا تُحمل ولا تُحرّك لعظمها، وكذلك كانت قدور عبد الله بن جدعان، يُصعد إليها في الجاهلية بسُلم، وعنها عبّر (طرفة بن العبد) بقوله:

كالجوابي لا تَني مُتْرعةً لِقرى الأضياف أو للمحتَضر

وقال ابن الجوزي: وفي علة ثبوتها في مكانها قولان: أحدهما أن أثافيّها منها قاله ابن عباس، والثاني: أنها لا تنزل لعظمها، قاله ابن قتيبة. الأثافي (جمع الأثفية): ما توضع عليها القدر من حجارة وغيرها.
{دَابَّةُ الأَرْضِ}: هي حشرة تسمّى (الأرَضَة) تأكل الخشب وتنخره.
{مِنسَأَتَهُ}: المنسأة: العصا، وهي (مِفْعَلة) من نسأتُ الدابة: إذا سقتَها. قال الشاعر:

ضربنا بمنسأة وجهَه فصار بذاكَ مهيناً ذليلا

قال الزجّاج: وإنّما سميت منسأة لأنه يُنْسأ بها: أي يُطْرد ويُزْجر، وقال الفراء: أهل الحجاز لا يهمزون (المنسأة) وتميم وفصحاء قيس يهمزونها، قال الشاعر في ترك الهمزة:

إذا دببتَ على المِنْساة من كِبَر فقد تباعد عنك اللهو والغزل

وقال آخر مع الهمز والفتح:

أمن أجل حَبْل لا أبَاكَ ضربتَه بمنسَأةٍ قد جرّ حبلُك أحْبُلا

وقال أبو عمرو: وأنا لا أهمزها لأني لا أعرف لها اشتقاقاً، فإن كانت لا تهمز فقد احتطت، وإن كانت تهمز فيجوز لي ترك الهمزة فيما يهمز.
{خَرَّ}: سقط على الأرض أي سقط ميتاً.
{ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ}: المراد به التكاليف والأعمال الشاقة التي كلّف سليمان عليه السلام بها الجن.
قال المفسرون: كانت الإنس تقول: إن الجن يعلمون الغيب، الذي يكون في المستقبل، فوقف سليمان عليه السلام في محرابه يصلي متوكئاً على عصاه، فمات ومكث على ذلك حولاً والجن تعمل تلك الأعمال الشاقة ولا تعلم بموته، حتى أكلت الأرَضة عصا سليمان، فسقط على الأرض فعلموا موته، وعلم الإنس أن الجنّ لا تعلم الغيب، ولو علموا الغيب لما أقاموا هذه المدة الطويلة في الأعمال الشاقة.
المعنى الإجمالي
يخبر المولى تعالى بما أنعم على عبده ورسوله (داود) عليه السلام، من الفضل المبين، والجاه العظيم، حيث جمع له بين (النبوة والملك) والجنود ذوي العَدَد والعُدَد، وما منحه إياه من الصوت الرخيم، الذي كان إذا سبّح به تسبّح معه الجبال الراسيات، وإذا قرأ الزبور تقف له الطيور السارحات والغاديات والرائحات، تكفّ عن طيرانها ثم تردّد معه الزبور مع التسبيح والتمجيد معجزة له عليه السلام، وقد ألان الله تعالى له الحديد، حتى كان بين يديه كالعجين، يصنع منه الدروع السابغة، التي تقي الإنسان شر الحروب، كما قال تعالى:
{ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ } [الأنبياء: 80].
وكما أنعم الله على (داود) أنعم على ولده (سليمان) عليهما الصلاة والسلام، فسخّر له الريح، وسخَّر الجن، وعلّمه لغة الطير، وأسال له عين النحاس فكانت عيناً جارية تسيل بقدرة الله، وكانت الريح تقطع به المسافات الشاسعة الواسعة، في ساعات معدودات، تحمله مع جنده فتنتقل به من بلد إلى بلد،، وتسير به مسيرة شهرين في أقل من نهار واحد {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} أي تغدو به مسيرة شهر إلى نصف النهار، وترجع به مسيرة شهر آخر النهار، وكأنها (طائرة نفاثة) تحمل ذلك الجيش العرمرم وتنتقل به في ساعات محدودات، تقطع به مسيرة شهرين. كما سخّر له الجن تعمل بأمره وإرادته، ما يعجز عنه البشر، من القصور الشامخة، والتماثيل العجيبة والقصاع الضخمة التي تشبه الأحواض، والقدور الراسيات التي لا تتحرك لكبرها وضخامتها، وأمره أن يشكر الله على هذه النعم.
ثمّ أخبر تعالى عن كيفية موت سليمان عليه السلام، وكيف عمّى الله موته على الجانّ المسخّرين له في الأعمال الشاقة، فإنه مكث متوكئاً على عصاه نحو سنة وهو ميت، والجن لا تعلم ذلك حتى أكلت الأرَضَة العصا فكُسرت وسقط على الأرض فعلموا حينئذٍ موته، ولو كانوا يعلمون الغيب ما مكثوا هذه المدة الطويلة مسخرين في الأعمال الشاقة التي كلفهم بها سليمان عليه السلام.
وجه المناسبة لما سبق من الآيات
مناسبة قصة (داود) وولده (سليمان) عليهما السلام لما سبق من الآيات الكريمة هي: أن الكفار لما أنكروا البعث والنشور لاستحالته في نظرهم، أخبرهم الله عزّ وجل بوقوع ما هو مستحيل في العادة، مما لا يمكنهم إنكاره من تأويب الجبال والطير، وإلانة الحديد لداود حتى كان بين يديه كالشمع أو كالعجين مع أنه جرم صلب، وكذلك تسخير الريح لسليمان تحمله مع جنده، وإسالة النحاس له حتى كان يجري بقدرة الله كجري الماء، وتسخير الجن تعمل له ما شاء من الأعمال الشاقة ممّا ليس في طاقة البشر، وكل هذا أثر من آثار قدرة الله عزّ وجلّ، فلا استحالة إذاً لأنّ الله على كل شيء قدير، وهذه هي وجه المناسبة بين هذه الآيات الكريمة والآيات السابقة، والله أعلم.
وجوه القراءات
أولاً: قرأ الجمهور (أوّبي) بالتشديد من التأويب أي رجّعي معه التسبيح، وقرأ بعضهم (أُوبي) بضم الهمزة وتخفيف الواو، من الأوب، أي عودي معه في التسبيح كلّما عاد.
قال أبو السعود: "كان كلّما سبّح عليه الصلاة والسلام يسمع من الجبال ما يسمع من المسبّح معجزة له".
ثانياً: قرأ الجمهور (والطّيرَ) بالنصب، وقرأ أبو العالية، وابن أبي عبلة (والطيرُ) بالرفع، فأمّا قراءة النصب فهي عطف على قوله (فضلاً) أي وسخرنا له الطيرَ، وأما قراءة الرفع فله وجهان: الأول: أن يكون عطفاً على الجبال، والمعنى: يا جبال رجّعي التسبيح معه أنتِ والطيرُ، والثاني: أن يكون على النداء، والمعنى: يا جبالُ ويا أيّها الطيرُ سبّحي معه.
ثالثاً: قوله تعالى: {أَنِ ٱعْمَلْ سَٰبِغَاتٍ} قراءة الجمهور بالسين، وقرئ بالصاد {صابغات} مثل: (سوط) و(صوط)، و(مسيطر) و(مصيطر) تبدل من الصاد السين.
رابعاً: قوله تعالى: {وَلِسُلَيْمَٰنَ ٱلرِّيحَ} قرأ الجمهور بنصب الريح على معنى: وسخرنا لسليمان الريحَ، وقرأ المفضّل عن عاصم (الريحُ) بالرفع على معنى: لسليمان الريحُ مسخرةٌ، وقرأ أبو جعفر (الرياحُ) على الجمع.
خامساً: قوله تعالى: {وَمَن يَزِغْ} قرأ الجمهور بالبناء للفاعل (يَزغْ) وقرئ بالبناء للمفعول (يُزَغ) من أزاغ الرباعي.
سادساً: قوله تعالى: {وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَٰبِ} قرأ الجمهور (كالجواب) بدون ياء، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (كالجوابي) بياء، إلاّ أنَّ ابن كثير يثبت الياء في الوصل والوقف، وأبو عمرو يثبتها في الوصل دون الوقف.
قال الزجّاج: "وأكثر القراء على الوقف بدون ياء، وكان الأصل الوقف بالياء، إلاّ أن الكسرة تنوب عنها".
سابعاً: قوله تعالى: {تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ} قرأ لجمهور بالهمز (منسأته) وقرأ نافع وأبو عمرو (منساته) من غير همز وهي لغة أهل الحجاز.
ثامناً: قوله تعالى: {تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ} قرأ الجمهور بالبناء للفاعل، وقرأ يعقوب (تُبُيّنت) بالبناء للمفعول.
وجوه الإعراب
أولاً: قوله تعالى: {آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً} آتى: تنصب مفعولين لأنها بمعنى أعطى، و{دَاوُودَ} مفعول أول، و{فَضْلاً} مفعول ثان، و{مِنَّا} الجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لـ {فَضْلاً} أي فضلاً كائناً منا.
ثانياً: قوله تعالى: {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ * أَنِ ٱعْمَلْ سَٰبِغَاتٍ} قال أبو البركات ابن الأنباري: (أنْ) فيها وجهان:
أحدهما: أن تكون مفسِّرة بمعنى أي، ولا موضع لها من الإعراب.
والثاني: أن تكون في موضع نصب بتقدير حذف حرف جر، وتقديره: لأن تعمل، أي ألنّا له الحديد لهذا الأمر، و{سَٰبِغَاتٍ} أي دروعاً سابغات فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه.
ثالثاً: قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ} أي بعضهم لأنّ {مِنَ} للتبعيض. والجار والمجرور {مِنَ ٱلْجِنِّ} في محل رفع خبر مقدم، و{مَن يَعْمَلُ} الجملة في محل رفع مبتدأ مؤخر، والتقدير: ومن الجن عمّال مسخرون له، وجوّز النحاة أن يكون قوله: {مَن يَعْمَلُ} في موضع نصب بفعل محذوف مقدر، والتقدير: سخّرنا من الجنّ من يعمل بين يديه.
أقول: وفيه تكلف والوجه الأول أوضح.
رابعاً: قوله تعالى: {وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} {مَنْ}: شرطية في موضع رفع على الابتداء، و{نُذِقْهُ} جواب الشرط والجملة في محل رفع خبر المبتدأ.
خامساً: قوله تعالى: {ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً}.. {شُكْراً} منصوب لأنه مفعول له أي اعملوا من أجل شكر الله، ويجوز أن تكون حالاً أي اعملوا شاكرين لله.
أقول: وهذا أرجح، قال ابن مالك:

ومصدرٌ منكرٌ حالاً يقع بكثرة كبغتةً زيد طلع

وجوّز بعض النحاة: أن تكون مفعولاً به أي اعملوا الشكر، وردّ ابن الأنباري هذا الوجه فقال: "ولا يكون منصوباً بـ(اعملوا) لأن (اشكروا) أفصح من (اعملوا الشكر) ا هـ، وهذا القول وجيه فتدبره.
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى: خصّ الله تعالى نبيه (داود) عليه السلام ببعض الخصوصيات فسخّر له الجبال والطير تسبح معه، وألان له الحديد، وجمع له بين (النبوة والملك) كما جمع ذلك لولده (سليمان) عليه السلام، وذلك من الفضل الذي أعطيه آل داود.
قال ابن عباس: كانت الطير تسبّح مع داود إذا سبّح، وكان إذا قرأ لم تبق دابة إلاّ استمعت لقراءته، وبكت لبكائه.
وقال وهب بن منبّه: كان يقول للجبال: سبّحي، وللطير: أجيبي ثمّ يأخذ في تلاوة الزبور بصوته الحسن، فلا يرى الناسُ منظراً أحسن من ذلك، ولا يسمعون شيئاً أطيب منه.
اللطيفة الثانية: التنكير في قوله تعالى: {فَضْلاً} للتفخيم أي فضلاً عظيماً خصصناه به من بين سائر الأنبياء، وقوله: {مِنَّا} فيه إشارة إلى أن هذا الفضل هائل، لأنه صادر من الله تعالى مباشرةً تكريماً لنبيه داود، كما قال تعالى عن العبد الصالح:
{ وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً } [الكهف: 65].
قال أبو السعود: وتقديم داود على المفعول الصريح للاهتمام بالمقدم، والتشويق إلى المؤخر، فإنّ ما حقه التقديم إذا أُخّر، تبقى النفس مترقبة له، فإذا ورد يتمكن عندها فَضْل تمكن.
اللطيفة الثالثة: ذكر سليمان عليه السلام في القرآن الكريم ست عشرة مرة، ولم يجئ ذكره لتوفية قصة بتمامها، وإنما هو لتعداد آلاء الله على سليمان، فمنها ذكاؤه وبصره النافذ في الحكم والقضاء
{ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ } [الأنبياء: 78] إلى قوله تعالى: { فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ } [الأنبياء: 79] ومنها تعليمه منطق الطير { وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ } [النمل: 16] ومنها تسخير الريح له تجري بأمره رُخاءً حيث أصاب {وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} ومنها إسالة عين القطر وهو النحاس المذاب، وفي القرآن إشارة إلى عملية صهر المعادن الصلبة {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ} ومنها تسخير الجن يعملون له ما يعجز عنه البشر { وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ } [صۤ: 37] وقوله: {وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ} وقد أعطاه الله الجاه الكبير، والسلطان الواسع، والملك العظيم الذي لم يُعطَه أحد بعده { قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ } [صۤ: 35].
وكلّ هذا من الفضل الذي خصّ الله تبارك وتعالى به آل داود عليه السلام.
اللطيفة الرابعة: قال العلامة أبو السعودرحمه الله : قوله تعالى: {يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ}. "في تنزيل الجبال والطير منزلة العقلاء المخاطبين، المطيعين لأمره تعالى، المذعنين لحكمه، المشعر بأنه ما من حيوان وجماد وصامت وناطق، إلاّ وهو منقاد لمشيئته تعالى غير ممتنع على إرادته، من الفخامة المعربة عن غاية عظمة شأنه تعالى، وكمال كبرياء سلطانه ما لا يخفى على أولى الألباب".
اللطيفة الخامسة: قوله تعالى: {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} فيه إيجاز بالحذف أي مسيرة شهر فهو على حذف مضاف والتقدير: غدوّها مسيرة شهر، ورواحها مسيرة شهر، وإنما وجب هذا التقدير لأنّ الغدوّ والرواح ليسا بالشهر، وإنما يكونان فيه، فتنبه له فإنه دقيق.
قال قتادة: "كانت الريح تغدو مسيرة شهر إلى نصف النهار، وتروح مسيرة شهر إلى آخر النهار، فهي تسير في اليوم الواحد مسيرة شهرين".
اللطيفة السادسة: قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ} الآية فإن قيل: إن الاجماع بالجن فيه مفسدة للإنسان ولهذا قال تعالى:
{ وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ } [المؤمنون: 97-98] فكيف سخّرت الشياطين لسليمان عليه السلام؟
فالجواب: أن ذلك الاجتماع والتسخير كان بأمر الله عز وجل وتسخيره بدليل قوله: {بِإِذْنِ رَبِّهِ} فلم يكن فيه مفسدة وإنما كان فيه مصلحة لسليمان عليه السلام، ولفظ الرب ينبئ عن التربية والحفظ والرعاية، فسليمان عليه السلام كان في حفظ الله ورعايته، فلذلك لم يصله ضرر من جهتهم.
اللطيفة السابعة: قوله تعالى: {وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} في الآية الكريمة إشارة دقيقة إلى أنّ الجن الذين كانوا مسخّرين لسليمان، لم يكونوا من المؤمنين وإنما كانوا من المردة الكافرين، لأنّ سليمان لا يعذِّب المؤمنين ولا يذيقهم أنواع العذاب، لأن كلّ رسول يكون رحيماً بأتباعه. ودلّ على هذا المعنى أيضاً قوله تعالى: {مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ} لأن المؤمن لا يكون في زمان النبي في العذاب المهين.
اللطيفة الثامنة: قوله تعالى: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} فيه إشارة إلى أن الشكر الوافر الكامل، بالقلب واللسان والجوارح لا يمكن أن يتحقق، لأن التوفيق لشكر الله تعالى نعمة من الله تستدعي شكراً آخر، لا إلى نهاية، ولذلك قيل: الشكور من يرى عجزه عن الشكر، وأما الشكر الذي يناسب نعم الله فلا قدرة عليه و
{ لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } [البقرة: 286]. ومع ذلك فإن الشكر بقدر الطاقة قليل في الناس، والكفرانَ لنعم الله أكثر ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الأحكام الشرعية
الحكم الأول: هل كانت التماثيل مباحة في شريعة سليمان عليه السلام؟
يدل ظاهر الآية الكريمة وهي قوله تعالى: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَٰرِيبَ وَتَمَٰثِيلَ} على حل اتخاذ التماثيل، وعلى أنها كانت مباحة في شريعة سليمان عليه السلام، فالقرآن الكريم صريح في امتنان الله تعالى على (سليمان) بأن سخّر له الجن لتعمل له ما يشاء من (محاريب، وتماثيل، وجفان كالجواب، وقدور راسيات) وتخصيصُ هذه الأشياء بالذكر في معرض الإمتنان دليل على جوازها، وإذنٌ من الله تعالى باتخاذها، وللعلماء في هذه الآية الكريمة أقوال نجملها فيما يلي:
أ- إن التماثيل التي أشار إليها القرآن كانت مباحة في شريعة سليمان، وقد نسخت في الشريعة الإسلامية، ومن المعلوم أن شريعة من قبلنا إنما تكون شريعة لنا إذا لم يرد ناسخ، وقد وجد هذا الناسخ فيكون اتخاذ التماثيل محرماً في شريعتنا قطعاً.
ب- إن التماثيل التي كانت في عهد نبي الله سليمان عليه السلام، لم تكن تماثيل لذي روح من إنسان أو طير أو حيوان، وإنما كانت تماثيل لما لا روح له كالأشجار والبحار والمناظر الطبيعية، فتكون شريعته عليه السلام موافقة لشريعتنا كما نبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى.
الحكم الثاني: ما هو حكم التماثيل والصور في الشريعة الإسلامية؟
نعى القرآن الكريم على التماثيل وشنّع على من كان يعكف عليها
{ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ } [الأنبياء: 52] وندّد بمن يتخذ الأصنام والأوثان آلٰهة { أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } [الصافات: 95-96]؟.
وفي القرآن الكريم من قصص إبراهيم عليه السلام في تحطيم الأصنام ما هو معروف، وقد ورد أنّ رسولنا الأعظم صلى الله عليه وسلم حطّم الأصنام التي كانت في جوف الكعبة، والتي كانت على الصفا والمروة.
والدين الإسلامي دين التوحيد، وعدوّ الشرك، وليس في الإسلام ذنب أعظم من الشرك، ولذلك فقد كانت حملته شديدة على الوثنية وعبادة الأصنام، وحرّمت الشريعة الإسلامية (التماثيل) لأنها تؤدي إلى ذلك المنكر الفاحش.
والسنَّةُ المطهّرة جاءت بالنعي على التصوير والمصورين، والنهي عن اتخاذ الصور والتنفير منها، ولذلك فإنّ من المقطوع به أن الإسلام حرّم التماثيل والتصاوير تحريماً قاطعاً جازماً.
وقد وردت أحاديث نبوية كثيرة تدل على التحريم، حتى كادت تبلغ حد التواتر، وسنعرض إلى ذكر بعض هذه النصوص فنقول ومن الله نستمد العون.
الأدلة القاطعة على تحريم التصوير
النص الأول: روى البخاري ومسلم عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله" .
النص الثاني: روى البخاري ومسلم وأصحاب السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم" .
النص الثالث: روى البخاري ومسلم وأحمد عن أبي زُرعة قال: دخلتُ مع أبي هريرة دار مروان بن الحكم، فرأى فيها تصاوير وهي تُبنى، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله عزّ وجلّ:
"ومن أظلم ممّن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرّة، أو فليخلقوا حبة، أو فليخلقوا شعيرة" .
النص الرابع: روى البخاري ومسلم والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً قال له: إني أصوّر هذه الصور فأفْتني فيها، فقال له: ادن مني فدنا، ثم قال: ادن مني فدنا، حتى وضع يده على رأسه وقال: أنبئك بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعته يقول: "كلّ مصوّر في النار، يُجعل له بكل صورة صوّرها نفس فيعذبه في جهنم" .
قال ابن عباس: فإن كنت لا بدّ فاعلاً فصوّر الشجر، وما لا روح فيه.
وفي رواية أخرى عنه: سمعته يقول:
"من صوّر صورة فإنّ الله يعذبه حتى ينفخ فيها الروح وليس بنافخ فيها أبداً" . ثم قال له ابن عباس: (إن أبيت إلاّ أن تصنع، فعليك بهذه الشجر، كل شيء ليس فيه روح).
النص الخامس: روى الشيخان وأصحاب السنن عن عائشة رضي الله عنها أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها النبي صلى الله عليه وسلم قام على الباب فلم يدخل، قالت: فعرفت في وجهه الكراهية، فقلت يا رسول الله: أتوب إلى الله ورسوله ماذا أذنبت؟ فقال: ما بال هذه النمرقة؟ قلت: اشتريتها لك لتقعد عليها وتَوَسّدها، فقال: إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، فيقال لهم: أحيوا ما خلقتم، وقال: إنّ البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة.
النص السادس: روى مسلم في صحيحه عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي عليّ رضي الله عنه: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ألاّ تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلاّ سويته".
النص السابع: (روى الستة عن عائشة رضي الله عنها قالت:
"خرج النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فأخذت نمطاً فسترته على الباب، فلما قدم ورأى النمط عرفت الكراهة في وجهه، فجذبه حتى هتكه وقال: إنّ الله لم يأمرنا أن نكسوا الحجارة والطين!!" قالت عائشة: فقطعت منه وسادتين وحشوتهما ليفاً، فلم يعب ذلك عليّ).
النص الثامن: روى الشيخان والنسائي عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم ذكر بعضُ نسائه كنيسةً يقال لها (مارية) وكانت أم سلمة، وأم حبيبة أتتا أرض الحبشة، فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، فرفع صلى الله عليه وسلم رأسه فقال:
"أولئك إذا مات فيهم الرجلُ الصالحُ، بنوا على قبره مسجداً، ثمّ صوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرارُ خلق الله" .
أقول: هذه النصوص وأمثَالها كثير، تدل دلالة قاطعة على حرمة التصوير، وكلُ من درس الإسلام علِمَ عِلْمَ اليقين أن النبي صلى الله عليه وسلم حرّم التصوير، واقتناء الصور وبيعها، وكان يحطّم ما يجده منها، وقد ورد تشديد الوعيد على المصوّرين، واتفق أئمة المذاهب على تحريم التصوير لم يخالف في ذلك أحد، ولبعض العلماء استثناء شيء منها، سنذكره فيما بعد، كما نذكر علة التحريم، ونعرّج بعد ذلك على حكم التصوير الشمسي (الفوتوغرافي) وننقل آراء العلماء فيه على ضوء النصوص الكريمة.
العلة في تحريم التصوير
يظهر لنا من النصوص النبوية السابقة، أنّ العلة في تحريم التماثيل والصور، هي (المضاهاة) والمشابهة لخلق الله تعالى، يدل على ذلك:
أ - حديث:
"أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله" .
ب - وحديث: "إن أصحاب هذه الصور يُعذّبون... يقال لهم: أحيوا ما خلقتم" .
جـ - وحديث: "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي... فليخلقوا حبة، أو فليخلقوا شعيرة" .
فالعلة هي إذاً: التشبه بخلق الله، والمضاهاة لصنعه جل وعلا.
كما أن الحكمة أيضاً في تحريم التصوير هي: البعد عن مظاهر الوثنية، وحماية العقيدة من الشرك، وعبادة الأصنام، فما دخلت الوثنيّة إلى الأمم الغابرة إلاّ عن طريق (الصور والتماثيل) كما دل عليه حديث أم سلمة وأم حبيبة السابق وفيه قوله عليه الصلاة والسلام:
"أولئك كان إذا مات فيهم الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجداً، ثمّ صوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار خلقِ الله يوم القيامة" .
وقد روي أن الأصنام التي عبدها قوم نوح (وَدّ، وسُوَاعٌ، ويغُوثُ، ويعُوقُ، ونسْرُ) التي ذكرت في القرآن الكريم، كانت أسماءً لأناسٍ صالحين من قوم نوح، فلما ماتوا اتخذ قومُهم لهم صوراً، تذكيراً بهم وبأعمالهم، ثمّ انتهى الحال آخر الأمر إلى عبادتهم.
ذكر الثعلبي عن ابن عباس: في قوله تعالى:
{ وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً } [نوح: 23] أنه قال: هذه الأصنام أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلمَّا هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم، أن انصبوا في مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً، وسموها بأسمائهم تذكروهم بها، ففعلوا، فلم تُعبد حتى إذا هلك أولئك، ونُسخ العلم عبدت من دون الله".
قال أبو بكر ابن العربي: "والذي أوجب النهي في شريعتنا - والله أعلم - ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان والأصنام، فكانوا يصوّرون ويعبدون، فقطعَ اللَّهُ الذريعة، وحَمَى الباب".
قال ابن العربي: "وقد شاهدت بثغر الإسكندرية، إذا مات ميّت صوّروه من خشب في أحسن صورة، وأجلسوه في موضعه من بيته وكسوه بزيّه إن كان رجلاً، وحليتها إن كانت امرأة، وأغلقوا عليه الباب، فإذا أصاب واحداً منهم كرب أو تجدّد له مكروه، فتح الباب عليه وجلس عنده يبكي ويناجيه، حتى يكسر سورة حزنه بإهراق دموعه، ثمّ يغلق الباب عليه وينصرف، وإن تمادى بهم الزمان تَعّبدوها من جملة الأصنام".
أنواع الصور
قسم العلماء الصّور إلى قسمين:
أ - الصور التي لها ظل وهي المصنوعة من جبس، أو نحاسٍ، أو حجر أو غير ذلك وهذه تسمى (التماثيل).
ب - الصور التي ليس لها ظل، وهي المرسومة على الورق، أو المنقوشة على الجدار، أو المصوَّرة على البساط والوسادة ونحوها وتسمى (الصور).
فالتمثال: ما كان له ظل، والصورة: ما لم يكن لها ظل، فكل تمثال صورة، وليس كل صورة تمثالاً.
قال في "لسان العرب": "والتمثال: الصورة، والجمع التماثيل، وظلّ كل شيء تمثاله، والتمثال: اسم للشيء المصنوع مشبّهاً بخلقٍ من خلق الله، وأصله: من مثّلت الشيء بالشيء إذا قدّرته على قدره، ويكون تمثيل الشيء بالشيء تشبيهاً به، واسم ذلك الممثّل تمثال".
وقال القرطبي: قوله تعالى: {وَتَمَٰثِيلَ} جمع تمثال، وهو كلّ ما صُوّر على مثل صورة من حيوان أو غير حيوان، وقيل: كانت من زجاج، ونحاس، ورخام، وذكر أنها صور الأنبياء والعلماء، وكانت تصوّر في المساجد ليراها الناس، فيزدادوا عبادة واجتهاداً.
فإن قيل: كيف استجاز الصور المنهيّ عنها؟
قلنا: كان ذلك جائزاً في شرعه، ونسخ ذلك بشرعنا.
ما يحرم من الصور والتماثيل
يحرم من الصور والتماثيل ما يأتي:
أولاً: التماثيل المجسّمة إذا كانت لذي روح من إنسان أو حيوان يحرم بالإجماع للحديث الشريف:
"إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب، ولا صورة، ولا تماثيل، ولا جنب" .
ثانياً: الصورة المصوّرة باليد لذي روح: حرام بالاتفاق لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم" . ولحديث: "من صوّر صورة أُمر أن ينفخ فيها الروح يوم القيامة وليس بنافخ" .
ثالثاً: الصورة إذا كانت كاملة الخلق بحيث لا ينقصها إلا نفخ الروح حرام كذلك بالاتفاق لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث السابق: "أُمِرَ أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ" .
ولحديث عائشة: (دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مستترة بقرامٍ فيه صورة، فتلوّن وجهه ثم تناول الستر فهتكه، ثم قال: "إنّ من أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يُشبّهون خلق الله" . قالت عائشة: فقطعته فجعلت منه وسادتين، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يرتفق بهما).
فهتْكُه عليه السلام للستر يدلُّ على التحريم، وتقطيع عائشة له وجعله وسادتين بحيث انفصلت أجزاء الصورة ولم تعد صورة كاملة يدل على الجواز، فمن هنا استنبط العلماء أن الصورة إذا لم تكن كاملة الأجزاء فلا حرمة فيها.
رابعاً: الصورة إذا كانت بارزة تشعر بالتعظيم، ومعلّقة بحيث يراها الداخل حرام أيضاً بلا خلاف لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: (كان له ستر فيه تمثال طائر، وكان الداخل إذا دخل استقبله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حوّلي عني هذا، فإني كلّما رأيته ذكرتُ الدنيا).
ولحديث أبي طلحة عن عائشة قالت: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فأخذت نَمَطاً فسترته على الباب، فلما قدم ورأى النّمَط عرفت الكراهية في وجهه، فجذبه حتى هتكه وقال: إنّ الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين، قالت: فقطعت منه وسادتين وحشوتهما ليفاً، فلم يعب ذلك عليَّ).
ما يباح من الصور والتماثيل
ويباح من الصور والتماثيل ما يأتي:
أ - كل صورة أو تمثال لما ليس بذي روح كتصوير الجمادات، والأنهار، والأشجار، والمناظر الطبيعية التي ليست بذات روح فلا حرمة في تصويرها لحديث ابن عباس السابق حين سأله الرجل إني أصوّر هذه الصور فأفتني فيها؟... فأخبره بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال له ابن عباس: (إن كنت لا بدَ فاعلاً فصوّر الشجر، وما لا روح له).
ب - كل صورة ليست متصلة الهيئة كصورة اليد وحدها مثلاً، أو العين، أو القدم، فإنها لا تحرم لأنها ليست كاملة الخلق، لحديث عائشة: (فقطعتها فجعلت منها وسادتين فلم يعب صلى الله عليه وسلم ذلك علي) وقد تقدم.
جـ - ويستثنى من التحريم (لعب البنات) لما ثبت عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بنت سبع سنين، وزُفّت إليه وهي بنت تسع ولُعَبُها معها، ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة سنة.
وروي عنها أنها قالت: "كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل ينقمعن منه فيسرّبُهنّ إليّ فيلعبن معي.
قال العلماء: وإنما أبيحت لعب البنات للضرورة إلى ذلك، وحاجة البنات حتى يتدربن على تربية أولادهنّ، ثم إنه لا بقاء لذلك، ومثله ما يصنع من الحلاوة أو العجين لا بقاء له، فرُخّص في ذلك والله أعلم.
أقوال العلماء في التصوير
قال القاضي ابن العربي: مقتضى الأحاديث يدل على أن الصور ممنوعة، ثم جاء: "إلاّ ما كان رقماً في ثوب" فخُص من جملة الصور، ثمّ ثبتت الكراهية فيه بقوله عليه السلام لعائشة في الثوب المصوّر،
"أخّريه عني فإني كلما رأيته ذكرت الدنيا" ، ثمّ بهتكه الثوب المصوّر على عائشة منع منه، ثمّ بقطعها له وسادتين تغيّرت الصورة وخرجت عن هيئتها، فإنّ جواز ذلك إذا لم تكن الصورة فيه متصلة الهيئة، ولو كانت متصلة الهيئة لم يجز، لقولها في النّمرقة المصورة: اشتريتها لك لتقعد عليها وتوَسّدها، فمنع منه وتوعّد عليه، وتبيّن بحديّث الصلاة إلى الصور أن ذلك جائز في الرقم في الثوب، ثم نسخه المنع منه، فهكذا استقرّ الأمر فيه.
وقال أبو حيان: "والتصوير حرام في شريعتنا، وقد ورد تشديد الوعيد على المصورين، ولبعض العلماء استثناء في شيء منها، وفي حديث (سهل بن حنيف): لعن الله المصورين، ولم يستثن عليه السلام، وحكي أن قوماً أجازوه، قال ابن عطية: وما أحفظ من أئمة العلم من يجوّزه".
وقال الألوسي: "الحقُّ أنَّ حرمة تصوير الحيوان كاملاً لم تكن في شريعة سليمان عليه السلام، وإنما هي في شرعنا، ولا فرق عندنا بين أن تكون الصورة ذات ظل، أو لا تكون كذلك كصورة الفرس المنقوشة على كاغد، أو جدارٍ مثلاً، وقد ورد في شرعنا من تشديد الوعيد على المصوّرين ما ورد، فلا يُلْتفت إلى غيره، ولا يصح الاحتجاج بالآية".
وقال القرطبي: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المصورين ولم يستثن، وقال:
"إن أصحاب هذه الصور يعذَّبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم" . وفي الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خرج عُنق من النار يوم القيامة، له عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق يقول: إني وكّلت بثلاث: بكلّ جبَّارٍ عنيد، وبكلّ من دعا مع الله إلٰهاً آخر، وبالمصورين" .
وفي البخاري "أشدُّ الناس عذاباً يوم القيامة المصوّرون" يدل على المنع من تصوير أيّ شيء كان.
وقال الإمام النووي: إنَّ جواز اتخاذ الصور إنما هو إذا كانت لا ظل لها، وهي مع ذلك مما يوطأ ويداس، أو يمتهن بالاستعمال كالوسائد.
وقال العلامة ابن حجر في شرحه للبخاري: "حاصل ما في اتخاذ الصور أنها إن كانت ذات أجسام حَرُمَ بالإجماع، وإن كانت رقماً في ثوب فأربعة أقول:
الأول: يجوز مطلقاً عملاً بحديث إلا رقماً في ثوب.
الثاني: المنع مطلقاً عملاً بالعموم.
الثالث: إن كانت الصورة باقية بالهيئة، قائمة الشكل حرم، وإن كانت مقطوعة الرأس، أو تفرقت الأجزاء جاز، قال: وهذا هو الأصح.
الرابع: إن كانت مما يمتهن جاز وإلاّ لم يجز، واستثني من ذلك لعب البنات. ا هـ.
حكم التصوير الفوتوغرافي
يرى بعض المتأخرين من الفقهاء أن التصوير الشمسي (الفوتوغرافي) لا يدخل في (دائرة التحريم) الذي يشمله التصوير باليد المحرّم، وأنه لا تتناوله النصوص النبوية الكريمة التي وردت في تحريم التصوير، إذ ليس فيه (مضاهاة) أو مشابهة لخلق الله، وأن حكمه حكم الرقم في الثوب المستثنى بالنص.
يقول فضيلة الشيخ السايس ما نصه: "ولعلك تريد أن تعرف حكم ما يسمى بالتصوير الشمسي فنقول: يمكنك أن تقول إنّ حكمها حكم الرقم في الثوب، وقد علمت استثناءه نصاً، ولك أن تقول: إنّ هذا ليس تصويراً، بل حبساً للصورة، وما مَثَلُه إلا كمثل الصورة في المرآة، لا يمكنك أن تقول إن ما في المرآة صورة، وإن أحداً صوّرها.
والذي تصنعه آلة التصوير هو صورة لما في المرآة، غايةُ الأمر أن المرآة (الفوتوغرافية) تثبت الظل الذي يقع عليها، والمرآة ليست كذلك، ثم توضع الصورة أو الخيال الثابت (العفريته) في حمض خاص فيخرج منها عدة صور، وليس هذا بالحقيقة تصويراً، فإنه إظهار واستدامة لصور موجودة، وحبس لها عن الزوال، فإنهم يقولون: إن صور جميع الأشياء موجودة غير أنها قابلة للانتقال بفعل الشمس والضوء، ما لم يمنع من انتقالها مانع، والحمض هو ذلك المانع، وما دام في الشريعة فسحة بإباحة هذه الصور، كاستثناء الرقم في الثوب فلا معنى لتحريمها خصوصاً وقد ظهر أن الناس قد يكونون في أشد الحاجة إليها" ا هـ.
أقول: إن التصوير الشمسي (الفوتوغرافي) لا يخرج عن كونه نوعاً من أنواع التصوير، فما يخرج بالآلة يسمّى (صورة)، والشخص الذي يحترف هذه الحرفة يسمى في اللغة والعرف (مصوّراً) فهو وإن كان لا يشمله النص الصريح، لأنه ليس تصويراً باليد، وليس فيه مضاهاة لخلق الله، إلاّ أنه لا يخرج عن كونه ضرباً من ضروب التصوير، فينبغي أن يقتصر في الإباحة على (حدّ الضرورة)، وما يتحقق به من المصلحة، قد يكون إلى جانبها مفسدة عظيمة، كما هو حال معظم المجلات اليوم، التي تنفث سمومها في شبابنا وقد تخصّصت للفتنة والإغراء، حيث تُصَوَّر فيها المرأةُ بشكل يندى له الجبين، بأوضاع وأشكال تفسد الدين والأخلاق.
فالصور العارية، والمناظر المخزية، والأشكال المثيرة للفتنة، التي تظهر بها المجلات الخليعة، وتملأ معظم صفحاتها بهذه الأنواع من المجون، مما لا يشك عاقل في حرمته، مع أنه ليس تصويراً باليد، ولكنه في الضرر والحرمة أشد من التصوير باليد.
ثمّ إن العلة في التحريم ليست هي (المضاهاة) والمشابهة لخلق الله فحسب، بل هناك نقطة جوهرية ينبغي التنبه لها وهي أن (الوثنية) ما دخلت إلى الأمم السابقة إلاّ عن طريق (الصور)، حيث كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح، صوّروه تخليداً لذكراه، واقتداءً به، ثمّ جاء مَنْ بعدَهم فعبدوا تلك الصورة من دون الله، فما يفعله بعض الناس من تعليق الصور الكبيرة المزخرفة في صدر البيت، ولو كانت للذكرى، وليست تصويراً باليد، مما لا تجيزه الشريعة الغراء، لأنه قد يجر في المستقبل إلى تعظيمها وعبادتها، كما فعل أهل الكتاب بأنبيائهم وصلحائهم.
فإطلاق الإباحة في التصوير الفوتوغرافي، وأنه ليس بتصوير وإنما هو حبس للظلّ، مما لا ينبغي أن يقال، بل يقتصر فيه على حد الضرورة، كإثبات الشخصية، وكلِّ ما فيه مصلحة دنيوية مما يحتاج الناس إليه والله تعالى أعلم.
الشبه الواردة على تحريم التصوير
يذهب بعض أدعياء العلم، ممن تأثروا بالثقافة الغربية، إلى إثارة بعض الشبه على تحريم التصوير، بقصد التزلف إلى الحضارة الغربية، والاندماج فيما خيّل لهم أنه فنّ راق، وذوق سليم، أو بقصد التقرب إلى المترفين ومسايرتهم على أهوائهم، لينالوا بعض المناصب.
الشبهة الأولى:
يزعمون أنّ ما ورد من نصوص في تحريم التصوير، إنما هو إجراء مؤقت اقتضته ظروف الدعوة الإسلامية، لمجابهة الشرك والوثنية، وأنّ الغاية هي قطع الطريق على الوثنية، فلمّا زال الخوف من عبادة الأوثان والأصنام زالت الحاجة إلى تحريم التصوير.
وللرد على هذه الشبهة سنكتفي بنقل كلام فضيلة الشيخ أحمد شاكررحمه الله في دحض هذه الشبهة، حيث جاء في تعليقه على الحديث (7166) من "المسند" ما نصه:
"وكان من حجة أولئك.. أن تأولوا النصوص بعلة لم يذكرها الشارع، ولم يجعلها مناط التحريم - في ما بلغنا - أن التحريم إنما كان أول الأمر لقرب عهد بالوثنية. أمّا الآن وقد مضى على ذلك دهر طويل، فقد ذهبت علة التحريم، ولا يخشى على الناس أن يعودوا لعبادة الأوثان.
وقد نسي هؤلاء ما هو بين أيديهم من مظاهر الوثنية الحقة، بالتقريب إلى القبور وأصحابها، واللجوء إليها عند الكروب والشدائد، وأن الوثنية عادت إلى التغلغل في القلوب دون أن يشعر بها أصحابها.
وكان من أثر هذه الفتاوى الجاهلة: أن ملئت بلادنا بمضاهر الوثنية الكاملة، فنصبت التماثيل وملئت بها البلاد، تكريماً لذكرى من نسبت إليه وتعظيماً، ثمّ يقولون لنا: إنها لم يقصد بها التعظيم، ثم صنعت الدولة - وهي تزعم أنها إسلامية في أمة إسلامية - معهداً للفنون الجميلة... معهداً للفجور الكامل الواضح، يدخله الشبان الماجنون، من الذكور والإناث، يقفن عرايا، ويجلسن عرايا ويضطجعن عرايا، وعلى كل وضع من الأوضاع الفاجرة، لا يسترون شيئاً، ثمّ يقولون لنا: هذا فن..!؟".
الشبهة الثانية:
يقولون: إن الأحاديث الدالة على التحريم، هي أحاديث آحاد ولا تفيد القطع، وإنه لا يمكن أن ننسب إلى الإسلام تحريم (فنّ) من الفنون ما لم يكن هناك نصٌ قطعيٌ بالحرمة.
وللرد على هذه الشبهة نقول:
"هذا جهل فاضح بأحكام الشريعة الغراء، فإن كل ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول، أو فعل، أو عمل، يجب الأخذ به سواء كان النقل بطريق التواتر، أو بطريق الآحاد، هذا متفق عليه بين العلماء، ومن المعلوم بالضرورة أن أكثر الأحكام الفقهية الشرعية إنما ثبتت بخبر الآحاد، فلو كانت أخبار الآحاد لا تفيد القطع - كما زعموا - لضاعت أكثر أحكام الشريعة، وهذا كلام لا يصدر عن فقيه عالم، إنما يصدر عن جاهل بأصول الشريعة الغراء، وطرق استنباط الأحكام.
ومن المفارقات العجيبة أنّ الذين يحتجون بأمثال هذه الحجج الواهية، يأخذون بأحاديث - لإثبات رأيهم - لا تصلح للاحتجاج لنكارتها، وضعف سندها، وجهل رواتها، ولكنها لما كانت موافقة لأهوائهم يتمسكون بها، ويجادلون بشـأنها، شأن أهل الأهواء.
وقد ردّ الأصوليون: وفي مقدمتهم الإمام الشافعيرحمه الله على هذه الشبهة رداً شافياً، وبيَّنوا أن خبر الآحاد يلزم العمل به إذا ثبت، ولم يزل العلماء المسلمون يعملون بأخبار الآحاد ويحتجون بها، لأن في إبطالها إبطالاً لأكثر أحكام الشريعة.
ومن جهة ثانية: فإنّ النصوص الواردة في تحريم التصوير بلغت حدّ التواتر، وتناقلها المسلمون جيلاً عن جيل، فلا مجال للمتشككين أن يدخلوا من هذا الباب، ونزيدك علماً بأن الشعوب الإسلامية لم يوجد فيها تصوير أو نحت بقدر كبير، وأنّ الفنّانين المسلمين انصرفوا عن التصوير، وصنع التماثيل، إلى استخدام النقش الهندسي، والتزيين العربي، والتشكيل النباتي وغيرها.. وكلّ ذلك بسبب ما يعلمون من تحريم الإسلام للتصوير، فلو لم يكن في اعتقادهم محرماً لما تركوه وانصرفوا إلى غيره، ويكفي هذا للرد على أولئك الزاعمين.
الشبهة الثالثة:
يستشهدون على إباحة التصوير بآيات من القرآن الكريم، لا يصح الاحتجاج بها لأنها ليست من شريعتنا، وإنما هي من الشرائع السابقة المنسوخة بشريعة الإسلام، منها الآية الكريمة التي هي موضوع بحثنا وهي قوله تعالى: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} [سبأ: 13].
فإن هذه الآية الكريمة ليس فيها ما يدل على حل التصوير، لأنها إخبار عمّا كان يعمله الجن لسليمان عليه السلام، وليس فيها ما يدل على أن التماثيل كانت لذي روح، ومع ذلك فإنها شريعة سابقة، وقد نصّ العلماء على أنّ (شريعة من قبلنا شريعة لنا ما لم يرد ناسخ)، وقد ورد الناسخ في الشريعة الإسلامية فلا حجة فيها.
وهذه القاعدة: متفق عليها علماء المسلمين، فالسجود بقصد التحية لغير الله تعالى كان جائزاً في شريعة يوسف عليه السلام، وقد حرّمه شرعنا فلا يصح الاحتجاج بما ذكره الله من سجود أخوة يوسف له على إباحة السجود لغير الله، وشريعتنا ناسخة لما قبلها من الشرائع وقد حرمت التماثيل فلا يصح الاحتجاج بهذه الآية الكريمة والله أعلم.
ما ترشد إليه الآيات الكريمة
أولاً: الفضل العظيم الذي خصّ الله تعالى به نبيه داود عليه السلام.
ثانياً: تسبيح الجبال والطير مع النبي (داود) كان معجزة له عليه السلام.
ثالثاً: الصناعات والحِرَف لا تحط من قدر الأنبياء، فداودُ عليه السلام علّمه الله صنعة الدروع.
رابعاً: سخّر الله لسليمان الريح تجري بأمره، كما سخر لأبيه الجبال والطير تكريماً له عليه السلام.
خامساً: الجن كانت تعمل لسليمان عليه السلام ما يعجز عنه البشر من الأعمال بأمر الله تعالى.
سادساً: صنعُ التماثيل كان مباحاً في شريعة النبي سليمان عليه السلام ثم نسخ في الشريعة الإسلامية.
سابعاً: منصب "النبوّة" أعلى من منصب "المُلْك" وقد جمع الله لسليمان بين النبوة والملك.
ثامناً: فضل الله عظيم على عباده وخاصة منهم الأنبياء فعليهم أن يشكروا الله على نعمه.
تاسعاً: الجن لا تعلم الغيب ولو كانت تعلمه لعرفت موت سليمان عليه السلام وما بقيت في الأعمال الشاقة.
خاتمة البحث:
حكمة التشريع
جاءت الشريعة الإسلامية الغراء، والناس في وثنيّة غارقة، قد تدهورت أحوالهم، وانحطت أوضاعهم، حتى وصلوا إلى درجة عبادة (الأوثان والأصنام)، وقد كان حول الكعبة المعظمة ثلاثمائة وستون صنماً - بعدد أيام السنة - كلُّها آلهة تُعْبد من دون الله، فلما فتح عليه الصلاة والسلام مكة حطَّمها بنفسه فلم يبق لها أثراً وهو يردّد قوله تعالى:
{ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً } [الإسراء: 81].
وقد دخلت هذه الوثنية إلى العرب، عن طريق أهل الكتاب، وبسبب التماثيل والتصاوير، وانتشرت بينهم انتشار النار في الهشيم، حتى غدت الجزيرة العربية مهداً للوثنيّة، ومركزاً لعبّاد الأوثان والأصنام، فلمّا جاء الإسلام حرّم الصور والتماثيل، وكل ما يدعو إلى (الوثنية) من قريب أو بعيد، وحمل حملة شعواء على المصورين، فمنع من تصوير كل ذي روح، حماية للعقيدة، وصيانة للأمة، وتطهيراً للمجتمع من لوثة الشرك وعبادة الأوثان، وبذلك اقتلع الإسلام الوثنية من جذورها، وقضى على الشرك في مهده، وطهّر الجزيرة من كل مظاهر الوثنية والإشراك.
وقد يقول قائل: إن الوثنية قد انقضى زمانها بالتقدم الفكري عند الإنسان، فلم يعد هناك من يعبد الأصنام والأوثان، فَلِمَ إذن تبقى حرمة التصوير؟!
والجواب: أنَّ العقل البشري معرّض للانتكاس في كل حين وزمان، ولا يستبعد أبداً أن يؤدي نصب التماثيل في الشوارع العامة، وانتشار الصور في المحلات والبيوت، إلى تعظيمها وعبادتها في المستقبل، كما فعل من سبقنا من الأمم حيث كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح صوّروه ونصبوا هذه الصور في أماكن بارزة ليتذكروا سيرته وأعماله، ثمّ جاء من بعدهم فعظَّموها ثمّ جاء من بعدهم فعبدوها من دون الله.
وإذا كنا نجد في هذا العصر بالذات من المتناقضات ما يطير له عقل الإنسان فرقاً، حيث طغت الرذائل على الفضائل، وتبدّلت المفاهيم والقيم الأخلاقية، وأصبحت مظاهر (الهمجية) من التكشف والعري، والخلاعة والمجون، تعتبر في هذا العصر من مظاهر (الرقي والتقدمية)، فأي إنسان لا يخاف على مستقبل البشرية وهو يرى هذه العجائب والغرائب، تتمثل لعينيه والصور المضحكة المبكية!!
ثمّ إننا لا نزال نرى في هذا العصر الذي يسمونه - عصر النور - من لا يزال يعبد البقر ويتبرّك بأرواثها، فكيف نطمئن على العقلية البشرية من التردي نحو الهاوية؟! إن الذي يعبد البقر لا يستبعد عليه أن يعبد الصور؟! لذلك فإن التحريم شريعة الله وسيظل هذا التشريع فوق عقول البشر لأنه شرع الله ودينه الخالد.