التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ
٣٣
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ
٣٤
فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ
٣٥
-محمد

تفسير آيات الأحكام

[2] ترك العمل بعد الشروع
التحليل اللفظي
{تُبْطِلُوۤاْ}: تضيعوا ثوابها من بَطَل الشيء يَبْطُل بُطْلاً وبطلاناً: ذهب ضياعاً وخسراً.
{وَصَدُّواْ}: أعرضوا من الصد: وهو الإعراض والصدوف، قال تعالى:
{ رَأَيْتَ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً } [النساء: 61]
{فَلاَ تَهِنُواْ}: أي لا تفْتُروا، ولا تضعُفُوا، ولا تجبُنوا عن قتال العدو من الوهن أي الضعف في النفس والعمل قال تعالى:
{ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } [آل عمران: 146].
{وَلَن يَتِرَكُمْ}: أي لن ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئاً، ولن يظلمكم من وتَرَه حقَّه وماله نقصه إياه وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم:
"من فاتته صلاة العصر فكأنما وُتِرَ أهله وماله" .
قال أبو عبيدة: وترتُ الرجل إذا قتلتَ له قتيلاً من ولدٍ أو أخ، أو حميم، أو قريب، أو ذهبتَ بماله.
قال الزمخشري: وحقيقته: أفردته من قريبه، أو ماله، من الوتر وهو الفرد، فشبه إضاعة عمل العامل وتعطيل ثوابه بوتر الواتر، وهو من فصيح الكلام.
المعنى الإجمالي
نادى الله سبحانه وتعالى المؤمنين مخاطباً إياهم بوصف الإيمان تذكيراً لهم بأن هذا الوصف يدعوهم إلى طاعة أوامر الله تعالى، الآتية بعد هذا النداء، ثم جاء الأمر بطاعة الله جل جلاله في أوامره ونواهيه، فطاعته هي السبيل إلى الفلاح في الدنيا والآخرة، وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم من طاعة المولى سبحانه فعلى المؤمن أن يتَّبعه في كل سُنَّة سنَّها.
ثم نهى الله المؤمن عن إبطال عمله، فقد يقدِّم أعمالاً كثيرة من الطاعة، ولكنه قد يضيع عمله بالمعاصي والرياء والعجب... إلى غير ما هنالك، فنهاه الله عن ذلك، فعلى المؤمن أن يحافظ على ما يقدم من الطاعات.
ثم بين الله تعالى أنه لا يغفر الشرك، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، حتى لا يظن الظان أن المؤمن إن أبطل عمله بالمعاصي فقد هلك، بل فضلُ الله باق يغفر له بفضله، وإن لم يغفر له بعمله.
وإذا كان أمر الكفار في الآخرة هذا، فأمرهم في الدنيا كذلك من الذلة والحقارة، فلا تضعفوا أيها المؤمنون في ملاقاتهم، ولا تجبنوا عن قتالهم، فالنصر لكم آجلاً أو عاجلاً، فلا تدعوا الكفار إلى الصلح خوراً، وإظهاراً للعجز فإن ذلك إعطاء للدنية، وأنتم الأعلون عزةً وقوةً ورفعة مكانة، وذلك لأن الله معكم يؤيدكم بنصره، ويؤيدكم بقوته، ولن ينقصكم من أعمالكم شيئاً بل يعطيكم ثوابها كاملاً خير منقوص.
فائدة
أولاً: أخرج عبد بن حميد ومحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه لا يضر مع (لا إلٰه إلا الله) ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل حتى نزلت: {أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَٰلَكُمْ} فخافوا أن يبطل الذنب العمل. ولفظ عبد بن حميد "فخافوا الكبائر أن تحبط أعمالهم".
ثانياً: وأخرج ابن نصر المروزي وابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:
كنا معاشر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبولاً حتى نزلت {أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَٰلَكُمْ} فلما نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر الموجبات، والفواحش، فكنا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها قلنا: قد هلك، حتى نزلت هذه الآية:
{ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ } [النساء: 48] فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك، وكنا إذا رأينا أحداً أصاب منها شيئاً خفنا عليه، وإن لم يصب منها شيئاً رجونا له.
وجوه القراءات
أولاً: قوله تعالى: {وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ} قرأ الأكثرون بفتح السين (السّلْم). وقرأ الحسن وحمزة وغيرهما بكسر السين (السِّلْم).
ثانياً: قوله تعالى: {تَدْعُوۤاْ} قرأ الجمهور تدعوا مضارع دعا. وقرأ السّلمي بتشديد الدال تدَّعوا: أي تفتروا.
وجوه الإعراب
1- قوله تعالى: {وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ} جملة حالية وكذا (والله معكم).
ويجوز أن يكونا جملتي استئناف أخبر أولاً بقوله أنتم الأعلون فهو إخبار بمغيب أبرزه الوجود، ثم ارتقى إلى رتبة أعلى من التي قبلها وهي كون الله تعالى معهم.
فلا تهنوا: الفاء فصيحة في جواب شرط مفهوم مما قبله أي إذا علمتم أن الله مبطل أعمالهم ومعاقبهم فهو خاذلهم في الدنيا والآخرة فلا تبالوا بهم، ولا تظهروا ضعفاً.
وقيل: هي لترتيب النهي على ما سبق من الأمر بالطاعة.
وتدعوا إلى السلم: عطف على تهنوا داخل في حيّز النهي.
وجُوِّز أن يكون منصوباً بإضمار أن فيعطف المصدر المسبوك على مصدر متصيّد مما قبله.
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى: قال الفخر الرازي: "قوله تعالى: {وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} العطف ها هنا من باب عطف المسبب على السبب يقال اجلس واسترح وقم وامش، لأن طاعة الله تَحْمل على طاعة الرسول".
وقال الألوسي: "وإعادة الفعل في قوله: {وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} للاهتمام بشأن إطاعته عليه الصلاة والسلام".
اللطيفة الثانية: قوله تعالى: {وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَٰلَكُمْ} الآية.
قال الفخر الرازي: يحتمل وجوهاً:
أحدها: دوموا على ما أنتم عليه ولا تشركوا فتبطل أعمالكم قال تعالى:
{ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } [الزمر: 65].
الوجه الثاني: لا تبطلوا أعمالكم بترك طاعة الرسول كما أبطل أهل الكتاب أعمالهم بتكذيب الرسول وعصيانه ويؤيده قوله تعالى:
{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } [الحجرات: 2].
الثالث: لا تبطلوا أعمالكم بالمنّ والأذى كما قال تعالى:
{ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ } [الحجرات: 17].
وقد اختلف فيما يبطل الأعمال على أقوال:
قال الحسن: المعاصي والكبائر.
وقال عطاء: الشك والنفاق ونقل عن ابن عباس.
وقال ابن عباس: الرياء والسمعة ونقل عن ابن جريج.
وقال مقاتل: المن.
وقيل: العُجْب فإنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
وقيل المراد بالأعمال الصدقات أن تعطلوها بالمن والأذى.
قال القرطبي: وكله متقارب وقول الحسن يجمعه.
اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: {وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ}: استعمال العلو في رفعة المنزلة مجاز مشهور، أي أنتم أعز منهم لأنكم مؤمنون والحجة لكم، وإن غلبوكم في بعض الأوقات وذلك كقوله تعالى:
{ وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } [المنافقون: 8].
وقيل {وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ}: أي أنتم أعلم بالله منهم.
وقال الجصاص: أي وأنتم أولى بالله منهم.
وكلها متقاربة فالإيمان يرفع منزلة أهله ويعزهم.
اللطيفة الرابعة: قال الفخر الرازي: قوله {وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَٰلَكُمْ} وعد لأن الله تعالى لما قال: {وَٱللَّهُ مَعَكُمْ} كان فيه أن النصر بالله لا بكم، فكأَن القائل يقول: لم يصدر مني عمل له اعتبار، فلا استحق تعظيماً، فقال: هو ينصركم ومع ذلك لا يَنْقُص من أعمالكم شيئاً، ويجعل كأن النُصرة جعلت بكم، ومنكم، فكأنكم مستقلون في ذلك، ويعطيكم أجر المستبد.
اللطيفة الخامسة: في الآية الكريمة دعوة إلى العزّة والكرامة، وتشجيع للمؤمنين للجهاد والنضال، لمجابهة أعدائهم دون وهن أو خور، لأن المؤمن لا يرضى بحياة الذل والهوان، وقد أحسن من قال:

عش عزيزاً أو مت وأنت كريم بين طعن القنا وخفق البنود

الأحكام الشرعية
الحكم الأول: قوله تعالى: {وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَٰلَكُمْ} يدل على أن كل من دخل في قُربة، لم يجز له الخروج منها قبل إتمامها.
واختلف العلماء في هذا الحكم على مذهبين.
فذهب (الشافعي وأحمد) إلى أن للمرء أن يترك النافلة إذا شرع فيها ولا شيء عليه ما عدا الحج فيجب عليه الإتمام، وأما في الصلاة والصوم فيستحب له الإتمام ولا يجب.
وذهب (أبو حنيفة ومالك) إلى أنه ليس له ذلك، فإذا أبطله وجب عليه القضاء.
أدلة المذهب الأول:
قالوا: هو تطوع، والمتطوع أمير نفسه، وإلزامه إياه مخرج عن وصف التطوع قال تعالى:
{ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ } [التوبة: 91].
وقالوا في جواب الاستدلال بالآية: المراد بذلك إبطال ثواب العمل المفروض. فنهي الرجل عن إحباط ثوابه، فأما ما كان نفلاً فلا، لأنه ليس واجباً عليه.
واللفظ في الآية وإن كان عاماً، فالعام يجوز تخصيصه، ووجه تخصيصه أن النفل تطوع والتطوع يقتضي تخييراً.
أدلة المذهب الثاني:
قوله تعالى: {وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَٰلَكُمْ} أفاد أن التحلل من التطوع بعد التلبس به لا يجوز لأن فيه إبطال العمل وقد نهى الله عنه.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أنا وحفصة صائمتين فأهدي لنا طعام، فأكلنا منه فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت حفصة وبدرتني، وكانت بنت أبيها: يا رسول الله، إني أصبحت أنا وعائشة صائمتين متطوعتين فأهدي لنا طعام فأفطرنا عليه فقال:
"اقضيا مكانه يوماً" .
وقالوا في جواب دليل المذهب الأول: المتطوع أمير نفسه، ولا سبيل عليه قبل أن يشرع أما إذا شرع فقد ألزم نفسه، وعقد عزمه على الفعل، فوجب أن يؤدي ما التزم وأن يوفي بما عقد قال تعالى: { يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ } [المائدة: 1].
ثم اللفظ عام في الآية يشمل التطوع وغيره.
الحكم الثاني: قوله تعالى: {فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ}.
فيه دلالة على أنه لا يجوز طلب الصلح من المشركين، فأما إذا كان في الكفار قوة، وكثرة بالنسبة إلى جمع المسلمين، ورأى الإمام المسلم في المهادنة، والمعاهدة مصلحة، فله أن يفعل ذلك، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صده كفار قريش عن مكة ودعوه إلى الصلح ووضع الحرب بينهم وبينه عشر سنين فأجابهم صلى الله عليه وسلم إلى ذلك.
فائدة:
دلّ قوله تعالى: {فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ...} الآية على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل مكة صلحاً، وإنما فتحها عَنوةً، لأن الله تعالى قد نهاه عن الصلح في هذه الآية.