التفاسير

< >
عرض

قَالَ يٰقَوْمِ أَرَهْطِيۤ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
٩٢
-هود

جامع البيان في تفسير القرآن

يقول تعالـى ذكره: قال شعيب لقومه: يا قوم أَعْزَزْتـم قومكم، فكانوا أعزّ علـيكم من الله، واستـخففتـم بربكم، فجعلتـموه خـلف ظهوركم، لا تأتـمرون لأمره ولا تـخافون عقابه، ولا تعظمونه حقّ عظمته. يقال للرجل إذا لـم يقض حاجة الرجل: نبذ حاجته وراء ظهره: أي تركها لا يـلتفت إلـيها، وإذا قضاها قـيـل: جعلها أمامه ونُصْب عينـيه ويقال: ظهرت بحاجتـي وجعلتها ظِهرِية: أي خـلف ظهرك، كما قال الشاعر:

وَجَدْنا بنـي البَرْصَاءِ مِنْ وَلَدِ الظَّهْرِ

بـمعنى: أنهم يظهرون بحوائج الناس فلا يـلتفتون إلـيها.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَـيْكُمْ مِنَ اللَّهِ واتـخَذْتُـمَوهُ وَرَاءَكُم ظهرِيًّا} وذلك أن قوم شعيب ورهطه كانوا أعزّ علـيهم من الله، وصَغُر شأن الله عندهم عزّ ربنا وجلّ ثناؤه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: {واتَّـخَذْتُـمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} قال: قـفـا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَـيْكُمْ مِنَ اللَّهِ واتـخَذْتُـمَوهُ وَرَاءَكُم ظِهْرِيًّا} يقول: عَزَّزتـم قومكم، وأظهرتـم بربكم.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وَاتَّـخَذْتُـمُوه وَرَاءكُمْ ظِهْرِيًّا} قال: لـم تراقبوه فـي شيء إنـما تراقبون قومي. {وَاتَّـخَذْتُـمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} يقول: عَزَّزتـم قومكم وأظهرتـم بربكم.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وَاتَّـخَذْتُـمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} قال: لـم تراقبوه فـي شيء، إنـما تراقبون قومي، واتـخذتـموه وراءكم ظِهْرِيًّا لا تـخافونه.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {أرَهْطِي أعَزُّ عَلَـيْكُمْ مِنَ اللَّهِ} قال: أعززتـم قومكم واغتررتـم بربكم، سمعت إسحاق بن أبـي إسرائيـل قال: قال سفـيان: {واتَّـخَذْتُـمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} كما يقول الرجل للرجل: خـلفت حاجتـي خـلف ظهرك، فـاتـخذتـموه وراءكم ظهريًّا: استـخففتـم بأمره، فإذا أراد الرجل قضاء حاجة صاحبه جعلها أمامه بـين يديه ولـم يستـخف بها.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {واتَّـخَذْتُـمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} قال: الظهري الفضل، مثل الـجمال يخرج معه بـابل ظهارية فضل لا يحمل علـيها شيئاً إلا أن يحتاج إلـيها، قال: فـيقول: إنـما ربكم عندكم مثل هذا إن احتـجتـم إلـيه، وإن لـم تـحتاجوا إلـيه فلـيس بشيء.

وقال آخرون: معنى ذلك: واتـخذتـم ما جاء به شعيب وراءكم ظهريًّا، فـالهاء فـي قوله: {واتَّـخَذْتُـمُوهُ} علـى هذا من ذكر ما جاء به شعيب علـيه السلام. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نـمير، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {واتَّـخَذْتُـمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} قال: تركتـم ما جاء به شعيب.

قال: ثنا جعفر بن عون، عن سفـيان، عن جابر، عن مـجاهد، قال: نبذوا أمره.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، عن سفـيان، عن جابر، عن مـجاهد: {واتَّـخَذْتُـمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} قال: نبذتـم أمره.

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {واتَّـخَذْتُـمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} قال: هم رهط شعيب تركهم ما جاء به وراء ظهورهم ظهريًّا.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد. قال: وحدثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {واتَّـخَذْتُـمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} قال: استثناؤهم رهط شعيب، وتركهم ما جاء به شعيب وراء ظهورهم ظهريًّا.

وإنـما اخترنا القول الذي اخترناه فـي تأويـل ذلك لقرب قوله: {واتَّـخَذْتُـمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} من قوله: أرَهْطِي أعَزُّ عَلَـيْكُمْ مِنَ اللَّهِ فكانت الهاء فـي قوله {واتَّـخَذْتُـمُوهُ} بأن تكون من ذكر الله لقرب جوارها منه أشبه وأولـى.

وقوله: {إنَّ رَبّـي بِـمَا تَعْمَلُونَ مُـحِيطٌ} يقول: إن ربـي مـحيط علـمه بعملكم، فلا يخفـى علـيه منه شيء، وهو مـجازيكم علـى جميعه عاجلاً وآجلاً.