التفاسير

< >
عرض

وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
١٩٦
-البقرة

جامع البيان في تفسير القرآن

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك أتـموا الـحج بـمناسكه وسننه، وأتـموا العمرة بحدودها وسننها. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي عبـيد بن إسماعيـل الهبـاري، قال: ثنا عبد الله بن نـمير، عن الأعمش، عن إبراهيـم، عن علقمة:{ وأتـمُّوا الـحَجَّ والعُمْرَةَ لِلّهِ } قال: هو فـي قراءة عبد الله: «وأقـيـموا الـحج والعمرة إلـى البـيت». قال: لا تـجاوزوا بـالعمرة البـيت. قال إبراهيـم: فذكرت ذلك لسعيد بن جبـير، فقال: كذلك قال ابن عبـاس.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن إبراهيـم أنه قرأ: «وأقِـيـمُوا الـحَج والعُمْرَةَ إلـى البَـيْتِ».

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن إبراهيـم، عن علقمة أنه قرأ: «وأقِـيـمُوا الـحَج والعُمْرَةَ إلـى البَـيْت».

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنا معاوية، عن علـي بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس:{ وأتـموا الـحَجَّ والعُمْرَةَ لِلّهِ} يقول: من أحرم بحج أو بعمرة فلـيس له أن يحلّ حتـى يتـمها تـمام الـحج يوم النـحر إذا رمى جمرة العقبة وزار البـيت فقد حل من إحرامه كله، وتـمام العمرة إذا طاف بـالبـيت وبـالصفـا والـمروة، فقد حل.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله:{ وأتـمُّوا الـحَجَّ والعُمْرَةَ لِلّهِ } قال: ما أمروا فـيهما.

حدثت عن عمار بن الـحسن، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع قوله:{ وأتـمُّوا الـحَجَّ والعُمْرَةَ لِلّهِ } قال: قال إبراهيـم عن علقمة بن قـيس قال: «الـحج»: مناسك الـحج، و«العمرة»: لا يجاوز بها البـيت.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيـم:{ وأتـمُّوا الـحَجَّ والعُمْرَةَ لِلّهِ} قال: قال تقضي مناسك الـحجّ عرفة والـمزدلفة ومواطنها، والعمرة للبـيت أن يطوف بـالبـيت وبـين الصفـا والـمروة ثم يحلُّ.

وقال آخرون: تـمامهما أن تـحرم بهما مفردين من دُوَيْرة أهلك. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله ابن سلـمة، عن علـيّ أنه قال: جاء رجل إلـى علـيّ فقال له فـي هذه الآية:{ وأتـمُّوا الـحَجَّ والعُمْرَةَ لِلّهِ } أن تـحرم من دويرة أهلك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون بن الـمغيرة، عن عنبسة، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلـمة، قال: جاء رجل إلـى علـيّ رضوان الله علـيه، فقال: أرأيت قول الله عز وجل:{ وأتـمُّوا الـحَجَّ والعُمْرَةَ لِلّهِ}؟ قال: أن تـحرم من دويرة أهلك.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفـيان، عن مـحمد بن سوقة، عن سعيد بن جبـير، قال: من تـمام العمرة أن تـحرم من دويرة أهلك.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن ثور بن يزيد، عن سلـيـمان بن موسى، عن طاوس، قال: تـمامهما: إفرادهما مؤتنفتـين من أهلك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سفـيان، عن ثور، عن سلـيـمان بن موسى، عن طاوس:{ وأتـمُّوا الـحَجَّ والعُمْرَةَ لِلّهِ} قال: تفردهما مؤقتتـين من أهلك، فذلك تـمامهما.

وقال آخرون: تـمام العمرة أن تعمل فـي غير أشهر الـحجّ، وتـمام الـحجّ أن يؤتـى بـمناسكه كلها حتـى لا يـلزم عامله دم بسبب قران ولا متعة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله:{ وأتـمُّوا الـحَجَّ والعُمْرَةَ لِلّهِ } قال: وتـمام العمرة ما كان فـي غير أشهر الـحجّ. وما كان فـي أشهر الـحجّ، ثم أقام حتـى يحجّ فهي متعة علـيه فـيها الهدي إن وجد، وإلا صام ثلاثة أيام فـي الـحجّ وسبعة إذا رجع.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله:{ وأتـمُّوا الـحَجَّ والعُمْرَةَ لِلّهِ} قال: ما كان فـي غير أشهر الـحجّ فهي عمرة تامة، وما كان فـي أشهر الـحجّ فهي متعة وعلـيه الهدي.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، عن ابن عون، قال: سمعت القاسم بن مـحمد يقول: إن العمرة فـي أشهر الـحج لـيست بتامة. قال: فقـيـل له: العمرة فـي الـمـحرَّم؟ قال: كانوا يرونها تامة.

وقال آخرون: إتـمامهما أن تـخرج من أهلك لا تريد غيرهما. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: حدثنـي رجل، عن سفـيان، قال: هو يعنـي تـمامهما أن تـخرج من أهلك لا تريد إلا الـحجّ والعمرة، وتهلّ من الـميقات لـيس أن تـخرج لتـجارة ولا لـحاجة، حتـى إذا كنت قريبـاً من مكة قلت: لو حججت أو اعتـمرت. وذلك يجزىء، ولكن التـمام أن تـخرج له لا تـخرج لغيره.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أتـموا الـحجّ والعمرة لله إذا دخـلتـم فـيهما. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: لـيست العمرة واجبة علـى أحد من الناس. قال: فقلت له: قول الله تعالـى:{ وأتـمُّوا الـحَجَّ والعُمْرَةَ لِلّهِ}؟ قال: لـيس من الـخـلق أحد ينبغي له إذا دخـل فـي أمر إلا أن يتـمه، فإذا دخـل فـيها لـم ينبغ له أن يهلّ يوماً أو يومين ثم يرجع، كما لو صام يوماً لـم ينبغ له أن يفطر فـي نصف النهار.

وكان الشعبـي يقرأ ذلك رفعاً.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال: حدثنـي سعيد بن أبـي بردة أن الشعبـي وأبـا بردة تذاكرا العمرة، قال: فقال الشعبـي: تطوّع{ وأتـمُّوا الـحَجَّ والعُمْرَةَ لِلّهِ } وقال أبو بردة: هي واجبة{ وأتـمُّوا الـحَجَّ والعُمْرَةَ لِلّهِ}.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا ابن عون، عن الشعبـي أنه كان يقرأ{ وأتـمُّوا الـحَجَّ والعُمْرَةَ لِلّهِ}.

وقد رُوي عن الشعبـي خلاف هذا القول، وإن كان الـمشهور عنه من القول هو هذا. وذلك ما:

حدثنـي به الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج بن الـمنهال، قال: ثنا أبو عوانة، عن الـمغيرة، عن الشعبـي، قال: العمرة واجبة.

فقراءة من قال: العمرة واجبة نَصْبها بـمعنى أقـيـموا فرض الـحج والعمرة. كما:

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: أخبرنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت أبـا إسحاق، يقول: سمعت مسروقاً يقول: أمرتـم فـي كتاب الله بأربع: بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والـحجّ، والعمرة قال: ثم تلا هذه الآية: { وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ } [آل عمران: 97] و{أتـمُّوا الـحَجَّ والعُمْرَةَ لِلّهِ}.

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت لـيثاً يروي عن الـحسن، عن مسروق، قال: أمرنا بإقامة أربعة: الصلاة، والزكاة، والعمرة، والـحجّ، فنزلت العمرة من الـحجّ منزلة الزكاة من الصلاة.

حدثنا ابن بشار، قال: أنبأنا مـحمد بن بكر، قال: ثنا ابن جريج، قال: قال علـيّ بن حسين وسعيد بن جبـير، وسئلا: أواجبة العمرة علـى الناس؟ فكلاهما قال: ما نعلـمها إلا واجبة، كما قال الله:{وأتـمُّوا الـحَجَّ والعُمْرَةَ لِلّهِ}.

حدثنا سوار بن عبد الله، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، عن عبد الـملك بن أبـي سلـيـمان، قال: سأل رجل سعيد بن جبـير عن العمرة فريضة هي أم تطوّع؟ قال: فريضة. قال: فإن الشعبـي يقول: هي تطوّع. قال: كذب الشعبـي وقرأ:{ وأتِـمُّوا الـحَجَّ والعُمْرَةَ لِلّهِ}.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة عمن سمع عطاء يقول فـي قوله:{ وأتِـمُّوا الـحَجَّ والعُمْرَةَ لِلّهِ } قال: هما واجبـان: الـحجّ، والعمرة.

فتأويـل هؤلاء فـي قوله تبـارك وتعالـى:{ وأتـمُّوا الـحَجَّ والعُمْرَةَ لِلّهِ} أنهما فرضان واجبـان من الله تبـارك وتعالـى (أمر) بإقامتهما، كما أمر بإقامة الصلاة، وأنهما فريضتان، وأَوجب العمرة وجوب الـحجّ. وهم عدد كثـير من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الـحالفـين كرهنا تطويـل الكتاب بذكرهم وذكر الروايات عنهم. وقالوا: معنى قوله:{ وأتِـمُّوا الـحَجَّ والعُمْرَةَ لِلّهِ } وأقـيـموا الـحجّ والعمرة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي قوله:{ وأتِـمُّوا الـحَجَّ والعُمْرَةَ لِلّهِ} يقول: أقـيـموا الـحجّ والعمرة.

حدثنا أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا إسرائيـل، عن ثوير، عن أبـيه، عن علـيّ: «وَأَقِـيـمُوا الـحجّ والعُمْرَةَ للبـيْتِ» ثم هي واجبة مثل الـحجّ.

حدثنا أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا إسرائيـل، قال: ثنا ثوير، عن أبـيه، عن عبد الله: «وَأَقِـيـمُوا الـحجّ وَالْعُمْرَةَ إلـى الْبَـيْتِ» ثم قال عبد الله: والله لولا التـحرّج وأنـي لـم أسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم فـيها شيئاً، لقلت إن العمرة واجبة مثل الـحجّ.

وكأنهم عنوا بقوله: أقـيـموا الـحجّ والعمرة: ائتوا بهما بحدودهما وأحكامهما علـى ما فرض علـيكم.

وقال آخرون مـمن قرأ قراءة هؤلاء بنصب العمرة: العمرة تطوّع. ورأوا أنه لا دلالة علـى وجوبها فـي نصبهم العمرة فـي القراءة، إذ كان من الأعمال ما قد يـلزم العبد عمله وإتـمامه بدخوله فـيه، ولـم يكن ابتداء الدخول فـيه فرضاً علـيه، وذلك كالـحجّ التطوّع لا خلاف بـين الـجميع فـيه أنه إذا أحرم به أن علـيه الـمضيّ فـيه وإتـمامه ولـم يكن فرضاً علـيه ابتداء الدخول فـيه. وقالوا: فكذلك العمرة غير فرض واجب الدخول فـيها ابتداء، غير أن علـى من دخـل فـيها وأوجبها علـى نفسه إتـمامها بعد الدخول فـيها.

قالوا: فلـيس فـي أمر الله بإتـمام الـحجّ والعمرة دلالة علـى وجوب فرضها.

قالوا: وإنـما أوجبنا فرض الـحجّ بقوله عزّ وجل:{ ولِلّهِ علـى النَّاسِ حِجُّ البَـيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَـيْهِ سَبِـيلاً}. ومـمن قال ذلك جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الـخالفـين. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت سعيد بن أبـي عروبة، عن أبـي معشر عن إبراهيـم، قال: قال عبد الله: الـحجّ فريضة، والعمرة تطوّع.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، عن ابن أبـي عروبة، عن أبـي معشر، عن النـخعي، عن ابن مسعود مثله.

وحدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن عثمة، قال: ثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن سعيد بن جبـير، قال: العمرة لـيست بواجبة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن سماك، قال: سألت إبراهيـم عن العمرة فقال: سنة حسنة.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، عن مغيرة، عن إبراهيـم، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا أبو عوانة، عن الـمغيرة، عن إبراهيـم، مثله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن الـمغيرة، عن إبراهيـم، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج، قال: ثنا حماد، قال: ثنا عبد الله بن عون، عن الشعبـي، قال: العمرة تطوّع.

فأما الذين قرءوا ذلك برفع العمرة فإنهم قالوا: لا وجه لنصبها، فـالعمرة إنـما هي زيارة البـيت، ولا يكون مستـحقاً اسم معتـمر إلا وهو له زائر قالوا: وإذا كان لا يستـحق اسم معتـمر إلا بزيارته، وهو متـى بلغه فطاف به وبـالصفـا والـمروة، فلا عمل يبقـى بعده يؤمر بإتـمامه بعد ذلك، كما يؤمر بإتـمامه الـحاج بعد بلوغه والطواف به وبـالصفـا والـمروة بإتـيان عرفة والـمزدلفة، والوقوف بـالـمواضع التـي أمر بـالوقوف بها وعمل سائر أعمال الـحجّ الذي هو من تـمامه بعد إتـيان البـيت لـم يكن لقول القائل للـمعتـمر أتـمّ عمرتك وجه مفهوم، وإذا لـم يكن له وجه مفهوم.. فـالصواب من القراءة فـي العمرة الرفع علـى أنه من أعمال البرّ لله، فتكون مرفوعة بخبرها الذي بعدها، وهو قوله: لله.

وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك عندنا، قراءة من قرأ بنصب العمرة علـى العطف بها علـى الـحج، بـمعنى الأمر بإتـمامهما له. ولا معنى لاعتلال من اعتلّ فـي رفعها بأن العمرة زيارة البـيت، فإن الـمعتـمر متـى بلغه، فلا عمل بقـي علـيه يؤمر بإتـمامه، وذلك أنه إذا بلغ البـيت فقد انقضت زيارته وبقـي علـيه تـمام العمل الذي أمره الله به فـي اعتـماره، وزيارته البـيت وذلك هو الطواف بـالبـيت، والسعي بـين الصفـا والـمروة، وتـجنب ما أمر الله بتـجنبه إلـى إتـمامه ذلك، وذلك عمل وإن كان مـما لزمه بإيجاب الزيارة علـى نفسه غير الزيارة. هذا مع إجماع الـحجة علـى قراءة العمرة بـالنصب، ومخالفة جميع قرّاء الأمصار قراءة من قرأ ذلك رفعا، ففـي ذلك مستغنى عن الاستشهاد علـى خطأ من قرأ ذلك رفعاً.

وأما أولـى القولـين اللذين ذكرنا بـالصواب فـي تأويـل قوله:{ والعُمْرَةَ لِلّهِ } علـى قراءة من قرأ ذلك نصبـاً فقول عبد الله بن مسعود، ومن قال بقوله من أن معنى ذلك: وأتـموا الـحجّ والعمرة لله إلـى البـيت بعد إيجابكم إياهما لا أن ذلك أمر من الله عزّ وجل بـابتداء عملهما والدخول فـيهما وأداء عملهما بتـمامه بهذه الآية، وذلك أن الآية مـحتـملة للـمعنـيـين اللذين وصفنا من أن يكون أمراً من الله عزّ وجل بإقامتهما ابتداء وإيجابـاً منه علـى العبـاد فرضهما، وأن يكون أمراً منه بإتـمامهما بعد الدخول فـيهما، وبعد إيجاب موجبهما علـى نفسه، فإذا كانت الآية مـحتـملة للـمعنـيـين اللذين وصفنا، فلا حجة فـيها لأحد الفريقـين علـى الآخر، إلا وللآخر علـيه فـيها مثلها. وإذا كان كذلك ولـم يكن بإيجاب فرض العمرة خبر عن الـحجة للعذر قاطعاً، وكانت الأمة فـي وجوبها متنازعة، لـم يكن لقول قائل هي فرض بغير برهان دالّ علـى صحة قوله معنى، إذ كانت الفروض لا تلزم العبـاد إلا بدلالة علـى لزومها إياهم واضحة.

فإن ظنّ ظانّ أنها واجبة وجوب الـحجّ، وأن تأويـل من تأوّل قوله:{ وأتِـمُّوا الـحَجَّ والعُمْرَةَ لِلّهِ} بـمعنى: أقـيـموا حدودهما وفروضهما أولـى من تأويـلنا بـما:

حدثنـي به حاتـم بن بكير الضبـي، قال: ثنا أشهل بن حاتـم الأرطبـائي، قال: ثنا ابن عون، عن مـحمد بن جحادة، عن رجل، عن زميـل له، عن أبـيه، وكان أبوه يكنى أبـا الـمنتفق، قال: أتـيت النبـيّ صلى الله عليه وسلم بعرفة، فدنوت منه، حتـى اختلفت عنق راحلتـي وعنق راحلته، فقلت: يا رسول الله أنبئنـي بعمل ينـجينـي من عذاب الله ويدخـلنـي جنته قال: "اعْبُدِ اللَّهَ وَلا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئَاً، وأقِمِ الصَّلاةَ الـمَكْتُوبَةَ، وأدّ الزكاةَ الـمَفُرُوضَةَ، وحُجَّ واعْتَـمِرْ" قال أشهل: وأظنه قال: «وصم رمضان، وانظر ماذا تـحبّ من الناس أن يأتوه إلـيك فـافعله بهم، وما تكره من الناس أن يأتوه إلـيك فذرهم منه».

وما حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن إبراهيـم، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ومـحمد بن أبـي عدي، عن شعبة، عن النعمان بن سالـم، عن عمرو بن أوس، عن أبـي رزين العقـيـلـي رجل من بنـي عامر قال: قلت يا رسول الله إن أبـي شيخ كبـير لا يستطيع الـحج ولا العمرة ولا الظعن، وقد أدركه الإسلام، أفأحج عنه؟ قال: "حُجَّ عَنْ أبِـيكَ واعْتَـمِرْ" .

وما حدثنـي به يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن أيوب، عن أبـي قلابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال: "اعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْركُوا بِهِ شَيْئاً، وأقِـيـمُوا الصَّلاةَ، وآتُوا الزَّكاةَ، وحُجّوا وَاعَتَـمِرُوا واسْتَقِـيـمُوا يَسْتَقِمْ لَكُمْ" . وما أشبه ذلك من الأخبـار، فإن هذه أخبـار لا يثبت بـمثلها فـي الدين حجة لوَهْيَ أسانـيدها، وأنها مع وهي أسانـيدها لها فـي الأخبـار أشكال تنبىء عن أن العمرة تطوع لا فرض واجب. وهو ما:

حدثنا به مـحمد بن حميد، ومـحمد بن عيسى الدامغانـي، قالا: ثنا عبد الله بن الـمبـارك، عن الـحجاج بن أرطاة، عن مـحمد بن الـمنكدر، عن جابر بن عبد الله، عن النبـي صلى الله عليه وسلم: أنه سئل عن العمرة أواجبة هي؟، فقال: "لا، وأنْ تَعْتَـمِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ" .

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، وحدثنـي يحيى بن طلـحة الـيربوعي، قال: ثنا شريك، عن معاوية بن إسحاق، عن أبـي صالـح الـحنفـي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الـحَجُّ جِهادٌ والعُمْرَةُ تَطَوّعٌ" .

وقد زعم بعض أهل الغبـاء أنه قد صح عنده أن العمرة واجبة بأنه لـم يجد تطوعاً إلا وله إمام من الـمكتوبة فلـما صح أن العمرة تطوع وجب أن يكون لها فرض، لأن الفرض إمام التطوّع فـي جميع الأعمال.

فـيقال لقائل ذلك: فقد جعل الاعتكاف تطوعا، فما الفرض الذي هو إمام متطوَّعه؟ ثم يسئل عن الاعتكاف أواجب هو أم غير واجب؟ فإن قال: واجب، خرج من قول جميع الأمة، وإن قال: تطوع، قـيـل: فما الذي أوجب أن يكون الاعتكاف تطوعاً والعمرة فرضاً من الوجه الذي يجب التسلـيـم له؟ فلن يقول فـي أحدهما شيئاً إلا ألزم فـي الآخر مثله.

وبـما استشهدنا من الأدلة، فإن أولـى القراءتـين بـالصواب فـي العمرة قراءة من قرأها نصبـاً. وإن أولـى التأويـلـين فـي قوله {وأتـمُّوا الـحَجَّ والعُمْرَةَ لِلّهِ } تأويـل ابن عبـاس الذي ذكرنا عنه من رواية علـي بن أبـي طلـحة عنه من أنه أمر من الله بإتـمام أعمالهما بعد الدخول فـيهما وإيجابهما علـى ما أمر به من حدودهما وسننهما.

وإن أولـى القولـين فـي العمرة بـالصواب قول من قال: هي تطوّع لا فرض. وإن معنى الآية: وأتـموا أيها الـمؤمنون الـحجّ والعمرة لله بعد دخولكم فـيهما وإيجابكموهما علـى أنفسكم علـى ما أمركم الله من حدودهما. وإنـما أنزل الله تبـارك وتعالـى هذه الآية علـى نبـيه علـيه الصلاة والسلام فـي عمرة الـحديبـية التـي صدّ فـيها عن البـيت معرفه الـمؤمنـين فـيها ما علـيهم فـي إحرامهم إن خـلـى بـينهم وبـين البـيت ومبـيناً لهم فـيها ما الـمخرج لهم من إحرامهم إن أحرموا، فصدّوا عن البـيت وبذكر اللازم لهم من الأعمال فـي عمرتهم التـي اعتـمروها عام الـحديبـية وما يـلزمهم فـيها بعد ذلك فـي عمرتهم وحجهم، افتتـح بقوله: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ } [البقرة: 189]. وقد دللنا فـيـما مضى علـى معنى الـحجّ والعمرة بشواهد، فكرهنا تطويـل الكتاب بإعادته.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{ فإنْ أُحْصِرتُـمْ فَمَا اسْتَـيْسَرَ مِنَ الهَدْي}.

اختلف أهل التأويـل فـي الإحصار الذي جعل الله علـى من ابتلـي به فـي حجه وعمرته ما استـيسر من الهدي، فقال بعضهم: هو كل مانع أو حابس منع الـمـحرم وحبسه عن العمل الذي فرضه الله علـيه فـي إحرامه ووصوله إلـى البـيت الـحرام. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد أنه كان يقول: الـحصر: الـحبس كله. يقول: أيـما رجل اعترض له فـي حجته أو عمرته فإنه يبعث بهديه من حيث يحبس. قال: وقال مـجاهد فـي قوله:{ فإنْ أُحْصِرْتُـمْ } فإن أحصرتـم: يـمرض إنسان أو يكسر أو يحبسه أمر فغلبه كائناً ما كان، فلـيرسل بـما استـيسر من الهدي، ولا يحلق رأسه، ولايحل حتـى يوم النـحر.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا الـمثنى، قال: حدثنا أبو نعيـم، قال: ثنا سفـيان، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: الإحصار كل شيء يحبسه.

وحدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، عن سعيد، عن قتادة أنه قال: فـي الـمـحصر: هو الـخوف والـمرض والـحابس إذا أصابه ذلك بعث بهديه، فإذا بلغ الهدي مـحله حل.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة قوله:{ فإنْ أُحْصِرْتُـمْ فَمَا اسْتَـيسَرَ مِنَ الهَدْيِ } قال: هذا رجل أصابه خوف أو مرض أو حابس حبسه عن البـيت يبعث بهديه، فإذا بلغ مـحله صار حلالاً.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق،قال: ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبـيه، قال: كل شيء حبس الـمـحرم فهو إحصار.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن إبراهيـم، قال أبو جعفر: أحسبه عن شريك، عن إبراهيـم بن الـمهاجر، عن إبراهيـم:{ فإنْ أُحْصِرْتُـمْ} قال: مرض أو كسر أو خوف.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: حدثنـي معاوية، عن علـيّ عن ابن عبـاس قوله:{ فإنْ أُحْصِرْتُـمْ فَمَا اسْتَـيسَرَ مِنَ الهَدْي} يقول: من أحرم بحجّ أو بعمرة، ثم حبس عن البـيت بـمرض يجهده، أو عذر يحبسه فعلـيه قضاؤها.

وعلة من قال بهذه الـمقالة أن الإحصار معناه فـي كلام العرب: منع العلة من الـمرض وأشبـاهه غير القهر والغلبة من قاهر أو غالب إلا غلبة علة من مرض أو لدغ أو جراحة، أو ذهاب نفقة، أو كسر راحلة. فأما منع العدوّ، وحبس حابس فـي سجن، وغلبة غالب حائل بـين الـمـحرم والوصول إلـى البـيت من سلطان، أو إنسان قاهر مانع، فإن ذلك إنـما تسميه العرب حصراً لا إحصاراً.

قالوا: ومـما يدل علـى ذلك قول الله جل ثناؤه: { وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً } [الإسراء: 8] يعنـي به: حاصراً: أي حابساً.

قالوا: ولو كان حبس القاهر الغالب من غير العلل التـي وصفنا يسمى إحصاراً لوجب أن يقال: قد أحصر العدوّ. قالوا: وفـي اجتـماع لغات العرب علـى «حوصر العدوّ» و«العدوّ مـحاصر»، دون «أحصر العدوّ» و«هم مـحصرون»، و«أحصر الرجل» بـالعلة من الـمرض والـخوف، أكبر الدلالة علـى أن الله جل ثناؤه إنـما عنى بقوله:{ فإنْ أُحْصِرْتُـمْ } بـمرض أو خوف أو علة مانعة.

قالوا: وإنـما جعلنا حبس العدوّ ومنعه الـمـحرم من الوصول إلـى البـيت بـمعنى حصر الـمرض قـياساً علـى ما جعل الله جل ثناؤه من ذلك للـمريض الذي منعه الـمرض من الوصول إلـى البـيت، لا بدلالة ظاهر قوله:{ فإنْ أُحْصِرْتُـمْ فَمَا اسْتَـيسَرَ مِنَ الهَدْيِ} إذ كان حبس العدوّ والسلطان والقاهر علة مانعة، نظيرة العلة الـمانعة من الـمرض والكسر.

وقال آخرون: معنى قوله: {فإنْ أُحْصِرْتُـمْ فَمَا اسْتَـيسَرَ مِنَ الهَدْيِ } فإن حبسكم عدوّ عن الوصول إلـى البـيت، أو حابس قاهر من بنـي آدم. قالوا: فأما العلل العارضة فـي الأبدان كالـمرض والـجراح وما أشبهها، فإن ذلك غير داخـل فـي قوله:{ فإنْ أُحْصِرْتُـمْ}. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد وعطاء، عن ابن عبـاس أنه قال: الـحصر: حصر العدوّ، فـيبعث الرجل بهديته، فإن كان لا يستطيع أن يصل إلـى البـيت من العدو، فإن وجد من يبلغها عنه إلـى مكة، فإنه يبعث بها ويحرم قال مـحمد بن عمرو، قال أبو عاصم: لا ندري قال يحرم أو يحلّ من يوم يواعد فـيه صاحب الهدي إذا اشترى، فإذا أمن فعلـيه أن يحجّ أو يعتـمر، فإذا أصابه مرض يحبسه ولـيس معه هدي، فإنه يحلّ حيث يحبس، فإن كان معه هدي فلا يحلّ حتـى يبلغ الهدي مـحله، فإذا بعث به فلـيس علـيه أن يحجّ قابلاً، ولا يعتـمر إلا أن يشاء.

حُدثت عن أبـي عبـيد القاسم بن سلام، قال: ثنـي يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قال: لا حصر إلا من حبس عدوّ.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد وعطاء، عن ابن عبـاس مثل حديث مـحمد بن عمرو، عن أبـي عاصم، إلا أنه قال: فإنه يبعث بها ويحرم من يوم واعد فـيه صاحب الهدية إذا اشترى. ثم ذكر سائر الـحديث مثل حديث مـحمد بن عمرو، عن أبـي عاصم.

وقال مالك بن أنس:« بلغنـي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلّ وأصحابه بـالـحديبـية، فنـحروا الهدي، وحلقوا رؤوسهم، وحلوا من كل شيء قبل أن يطوفوا بـالبـيت، وقبل أن يصل إلـيه الهدي، ثم لـم نعلـم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أحداً من أصحابه ولا مـمن كان معه أن يقضوا شيئاً ولا أن يعودوا لشيء».

حدثنـي بذلك يونس، قال: أخبرنا ابن وهب عنه. قال: وسئل مالك عمن أحصر بعدوّ وحيـل بـينه وبـين البـيت؟ فقال: يحلّ من كلّ شيء، وينـحر هديه، ويحلق رأسه حيث يحبس، ولـيس علـيه قضاء إلا أن يكون لـم يحجّ قط، فعلـيه أن يحجّ حجة الإسلام. قال: والأمر عندنا فـيـمن أحصر بغير عدوّ بـمرض أو ما أشبهه، أن يبدأ بـما لا بدّ منه، ويفتدي، ثم يجعلها عمرة، ويحجّ عاماً قابلاً ويهدي.

وعلة من قال هذه الـمقالة أعنـي من قال قولَ مالك أن هذه الآية نزلت فـي حصر الـمشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البـيت، فأمر الله نبـيه ومن معه بنـحر هداياهم والإحلال. قالوا: فإنـما أنزل الله هذه الآية فـي حصر العدوّ، فلا يجوز أن يصرف حكمها إلـى غير الـمعنى الذي نزلت فـيه.

قالوا: وأما الـمريض، فإنه إذا لـم يطق لـمرضه السير حتـى فـاتته عرفة، فإنـما هو رجل فـاته الـحجّ، علـيه الـخروج من إحرامه بـما يخرج به من فـاته الـحج، ولـيس من معنى الـمـحصر الذي نزلت هذه الآية فـي شأنه.

وأولـى التأويـلـين بـالصواب فـي قوله:{ فإنْ أُحْصِرْتُـمْ } تأويـل من تأوله بـمعنى: فإن أحصركم خوف عدوّ أو مرض أو علة عن الوصول إلـى البـيت، أي صيركم خوفكم أو مرضكم تـحصرون أنفسكم، فتـحبسونها عن النفوذ لـما أوجبتـموه علـى أنفسكم من عمل الـحجّ والعمرة. فلذا قـيـل «أحصرتـم»، لـما أسقط ذكر الـخوف والـمرض. يقال منه: أحصرنـي خوفـي من فلان عن لقائك، ومرضي عن فلان، يراد به: جعلنـي أحبس نفسي عن ذلك. فأما إذا كان الـحابس الرجل والإنسان، قـيـل: حصرنـي فلان عن لقائك، بـمعنى حبسنـي عنه.

فلو كان معنى الآية ما ظنه الـمتأوّل من قوله:{ فإنْ أُحْصِرْتُـمْ } فإن حبسكم حابس من العدوّ عن الوصول إلـى البـيت، لوجب أن يكون: فإن حُصِرتـم.

ومـما يبـين صحة ما قلناه من أن تأويـل الآية مراد بها إحصار غير العدوّ وأنه إنـما يراد بها الـخوف من العدوّ، قوله:{ فإنْ أمِنْتُـمْ فمَنْ تَـمَتّعَ بـالعُمْرَةِ إلـى الـحَج} والأمن إنـما يكون بزوال الـخوف. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الإحصار الذي عنى الله فـي هذه الآية هو الـخوف الذي يكون بزواله الأمن.

وإذا كان ذلك كذلك، لـم يكن حبس الـحابس الذي لـيس مع حبسه خوف علـى النفس من حبسه داخلاً فـي حكم الآية بظاهرها الـمتلّو، وإن كان قد يـلـحق حكمه عندنا بحكمه من وجه القـياس من أجل أن حبس من لا خوف علـى النفس من حبسه، كالسلطان غير الـمخوفة عقوبته، والوالد وزوج الـمرأة، وإن كان منهم أو من بعضهم حبس، ومنع عن الشخوص لعمل الـحجّ، أو الوصول إلـى البـيت بعد إيجاب الـمـمنوع الإحرام، غير داخـل فـي ظاهر قوله:{ فإنْ أُحْصِرْتُـمْ } لـما وصفنا من أن معناه: فـان أحصركم خوف عدوّ، بدلالة قوله:{ فإذَا أمِنْتُـمْ فَمَنْ تَـمَتَّعَ بـالعُمْرَةِ إلـى الـحجّ}. وقد بـين الـخبر الذي ذكرنا آنفـاً عن ابن عبـاس أنه قال: الـحصر: حصر العدوّ.

وإذ كان ذلك أولـى التأويـلـين بـالآية لـما وصفنا، وكان ذلك منعاً من الوصول إلـى البـيت، فكل مانع عرض للـمـحرم فصدّه عن الوصول إلـى البـيت، فهو له نظير فـي الـحكم.

ثم اختلف أهل العلـم فـي تأويـل قوله:{ فَمَا اسْتَـيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ} فقال بعضهم: هو شاة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا عبد الـحميد بن بـيان القناد، قال: أخبرنا إسحاق الأزرق، عن يونس بن أبـي إسحاق السبـيعي، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس، قال:{ مَا اسْتَـيسَرَ مِنَ الهَدْيِ} شاة.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، وحدثنا عبد الـحميد، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا سفـيان، عن حبـيب، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال:{ مَا اسْتَـيسَرَ مِنَ الهَدْيِ } شاة.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن يزيد بن أبـي زياد، عن مـجاهد عن ابن عبـاس، مثله.

حدثنـي ابن الـمثنى، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن أبـي إسحاق، عن النعمان بن مالك، قال: تـمتعت فسألت ابن عبـاس فقال:{ مَا اسْتَـيسَرَ مِنَ الهَدْيِ } قال: قلت شاة؟ قال: شاة.

حدثنا عبد الـحميد بن بـيان، قال: ثنا إسحاق، عن شريك، عن أبـي إسحاق. عن النعمان بن مالك، قال: سألت ابن عبـاس عما استـيسر من الهدي؟ قال: من الأزواج الثمانـية من الإبل والبقر والـمعز والضأن.

حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيـم، قالا: ثنا هشيـم، قال الزهري: أخبرنا وسئل عن قول الله جل ثناؤه:{ فَمَا اسْتَـيسَرَ مِنَ الهَدْيِ } قال: كان ابن عبـاس يقول: من الغنـم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا يونس بن أبـي إسحاق، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس قال: ما استـيسر من الهدي: من الأزواج الثمانـية.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا خالد، قال: قـيـل للأشعث: ما قول الـحسن:{ فَمَا اسْتَـيسَرَ مِنَ الهَدْيِ}؟ قال: شاة.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن قتادة:{ فَمَا اسْتَـيسَرَ مِنَ الهَدْيِ}؟ قال: شاة.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن قتادة:{ فَمَا اسْتَـيسَرَ مِنَ الهَدْيِ} قال: أعلاه بدنة، وأوسطه بقرة، وأخسه شاة.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، مثله، إلا أنه كان يقال: أعلاه بدنة، وذكر سائر الـحديث مثله.

حدثنا ابن بشار قال: ثنا مسلـم بن إبراهيـم، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن زرارة، عن ابن عبـاس، قال:{ فَمَا اسْتَـيسَرَ مِنَ الهَدْيِ } شاة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا أيوب، عن أبـي جمرة، عن ابن عبـاس، مثله.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يـمان، عن ابن جريج، عن عطاء:{ فَمَا اسْتَـيسَرَ مِنَ الهَدْيِ } شاة.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يـمان، قال: ثنا مـحمد بن نَفِـيع، عن عطاء، مثله.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي، قال: الـمـحصر يبعث بهدي شاة فما فوقها.

حدثنـي عبـيد بن إسماعيـل الهبـاري، قال: ثنا ابن نـمير، عن الأعمش، عن إبراهيـم، عن علقمة قال: إذا أهلّ الرجل بـالـحج فأحصر، بعث بـما استـيسر من الهدى شاة. قال: فذكرت ذلك لسعيد بن جبـير، فقال: كذلك قال ابن عبـاس.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس: ما استـيسر من الهدي: شاة فما فوقها.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، وحدثنا الـمثنى، قال: ثنا آدم العسقلانـي عن شعبة، قال: ثنا أبو جمرة، عن ابن عبـاس، قال: ما استـيسر من الهدي: جزور أو بقرة أو شاة، أو شرك فـي دم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: سمعت يحيى بن سعيد، قال: سمعت القاسم بن مـحمد يقول: إن ابن عبـاس كان يرى أن الشاة ما استـيسر من الهدي.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الوهاب، عن خالد الـحذاء، عن عكرمة، عن ابن عبـاس أنه قال: ما استـيسر من الهدي: شاة.

حدثنا يعقوب، قال: ثنا هشيـم، عن مغيرة، عن إبراهيـم، قال: ما استـيسر من الهدي: شاة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سهل بن يوسف قال: ثنا حميد، عن عبد الله بن عبـيد بن عمير، قال: قال ابن عبـاس: الهدي: شاة، فقـيـل له: أيكون دون بقرة؟ قال: فأنا أقرأ علـيكم من كتاب الله ما تدرون به أن الهدي شاة ما فـي الظبـي؟ قالوا: شاة، قال: هَدْياً بـاِلغَ الكَعْبَةِ.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج، قال: ثنا حماد، عن قـيس بن سعد، عن عطاء بن أبـي ربـاح، عن ابن عبـاس، قال: شاة.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن دلهم بن صالـح، قال: سألت أبـا جعفر، عن قوله ما استـيسر من الهدي: فقال: شاة.

حدثني يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، أن مالك بن أنس حدثه عن جعفر بن مـحمد عن أبـيه: أن علـيّ بن أبـي طالب رضي الله عنه كان يقول: ما استـيسر من الهدي: شاة.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا مطرّف بن عبد الله، قال: ثنا مالك، عن جعفر بن مـحمد، عن أبـيه، عن علـيّ رضي الله عنه، مثله.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عبـاس كان يقول: ما استـيسر من الهدي: شاة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال مالك: وذلك أحبّ إلـيّ.

حدثنـي مـحمد بن سعد قال: حدثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قال:{ فَمَا اسْتَـيسَرَ مِنَ الهَدْيِ} قال: علـيه، يعنـي الـمـحصر هدي إن كان موسراً فمن الإبل، وإلا فمن البقر وإلا فمن الغنـم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا آدم العسقلانـي، قال: ثنا ابن أبـي ذئب، عن شعبة مولـى ابن عبـاس، عن ابن عبـاس، قال: ما استـيسر من الهدي: شاة، وما عظمت شعائر الله، فهو أفضل.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا أشهب، قال: أخبرنا ابن لهيعة أن عطاء بن أبـي ربـاح حدثه أن ما استـيسر من الهدي: شاة.

وقال آخرون: «ما استـيسر من الهدي»: من الإبل والبقر، سنّ دون سنّ. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا معتـمر، قال: سمعت عبـيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: «ما استـيسر من الهدي»: البقرة دون البقرة، والبعير دون البعير.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مـحمد بن بكر، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أبـي مـجلز، قال: سأل رجل ابن عمر: ما استـيسر من الهدي؟ قال: أترضى شاة؟ كأنه لا يرضاه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا أيوب، عن القاسم بن مـحمد ونافع، عن ابن عمر قال: ما استـيسر من الهدي: ناقة أو بقرة، فقـيـل له: ما استـيسر من الهدي؟ قال: الناقة دون الناقة، والبقرة دون البقرة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن يزيد بن أبـي زياد، عن مـجاهد، عن ابن عمر أنه قال:{ فَمَا اسْتَـيسَرَ مِنَ الهَدْيِ} قال: جزور، أو بقرة.

حدثنا أبو كريب ويعقوب، قالا: ثنا هشيـم، قال الزهري أخبرنا، وسئل عن قول الله: {فَمَا اسْتَـيسَرَ مِنَ الهَدْيِ} قال: قال ابن عمر: من الإبل والبقر.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، قال: أخبرنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر فـي قوله جل ثناؤه:{ فَمَا اسْتَـيسَرَ مِنَ الهَدْيِ} قال: الناقة دون الناقة، والبقرة دون البقرة.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن أيوب، عن القاسم، عن ابن عمر فـي قوله:{ فَمَا اسْتَـيسَرَ مِنَ الهَدْيِ} قال: الإبل والبقر.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: سمعت يحيى بن سعيد، قال: سمعت القاسم بن مـحمد يقول: كان عبد الله بن عمر وعائشة يقولان: «ما استـيسر من الهدي»: من الإبل والبقر.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، قال: ثنا الولـيد بن أبـي هشام، عن زياد بن جبـير، عن أخيه عبد الله أو عبـيد الله بن جبـير، قال: سألت ابن عمر عن الـمتعة فـي الهدي؟ فقال: ناقة، قلت: ما تقول فـي الشاة؟ قال: أكلكم شاة أكلكم شاة.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن لـيث، عن مـجاهد وطاوس، قالا: ما استـيسر من الهدي: بقرة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة:{ فَمَا اسْتَـيسَرَ مِنَ الهَدْيِ } قال فـي قول ابن عمر: بقرة فما فوقها.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي أبو معشر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: «ما استـيسر من الهدي»: قال: بدنة أو بقرة، فأما شاة فإنها هي نسك.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج، قال: ثنا حماد، عن هشام بن عروة، عن أبـيه، قال: البدنة دون البدنة، والبقرة دون البقرة، وإنـما الشاة نسك، قال: تكون البقرة بأربعين وبخمسين.

حدثنا الربـيع، قال: ثنا ابن وهب، قال: ثنـي أسامة، عن نافع، عن ابن عمر، كان يقول: ما استـيسر من الهدي: بقرة.

وحدثنا الربـيع، قال: ثنا ابن وهب، قال: ثنـي أسامة بن زيد أن سعيداً حدثه، قال: رأيت ابن عمر وأهل الـيـمن يأتونه فـيسألونه عما استـيسر من الهدي ويقولون: الشاة الشاة قال: فـيردّ علـيهم: الشاة الشاة يحضهم إلا أن الـجزور دون الـجزور، والبقرة دون البقرة، ولكن ما استـيسر من الهدي: بقرة.

وأولـى القولـين بـالصواب قول من قال: ما استـيسر من الهدي شاة لأن الله جل ثناؤه إنـما أوجب ما استـيسر من الهدي، وذلك علـى كل ما تـيسر للـمهدي أن يهديه كائناً ما كان ذلك الذي يهدي. إلا أن يكون الله جل ثناؤه خصّ من ذلك شيئاً، فـيكون ما خصّ من ذلك خارجاً من جملة ما احتـمله ظاهر التنزيـل، ويكون سائر الأشياء غيره مـجزئاً إذا أهداه الـمهدي بعد أن يستـحقّ اسم هدي.

فإن قال قائل: فإن الذين أبوا أن تكون الشاة مـما استـيسر من الهدي بأنه لا يستـحقّ اسم هدي كما أنه لو أهدى دجاجة أو بـيضة لـم يكن مهدياً هدياً مـجزئاً؟ قـيـل: لو كان فـي الـمهدي الدجاجة والبـيضة من الاختلاف نـحو الذي فـي الـمهدي الشاة لكان سبـيـلهما واحدة فـي أن كل واحد منهما قد أدّى ما علـيه بظاهر التنزيـل إذا لـم يكن أحد الهَدْيَـيْن يخرجه من أن يكون مؤدياً بإهدائه ما أهدى من ذلك مـما أوجبه الله علـيه فـي إحصاره. ولكن لـما أخرج الـمهدي ما دون الـجذع من الضأن والثنـي من الـمعز والإبل والبقر فصاعداً من الأسنان من أن يكون مهدياً ما أوجبه الله علـيه فـي إحصاره أو متعته بـالـحجة القاطعة العذر، نقلاً عن نبـينا صلى الله عليه وسلم وراثة، كان ذلك خارجاً من أن يكون مراداً بقوله:{ فمَا اسْتَـيسَرَ مِنَ الهَدْيِ } وإن كان مـما استـيسر لنا من الهدايا.

ولـما اختلف فـي الـجذع من الضأن والثنـيّ من الـمعز، كان مـجزئا ذلك عن مهديه لظاهر التنزيـل، لأنه مـما استـيسر من الهدي.

فإن قال قائل: فما مـحلّ «ما» التـي فـي قوله جل وعز:{ فَمَا اسْتَـيسَرَ مِنَ الهَدْيِ}؟ قـيـل: رفع.

فإن قال: بـماذا؟ قـيـل: بـمتروك، وذلك «فعلـيه» لأن تأويـل الكلام: وأتـموا الـحجّ والعمرة أيها الـمؤمنون لله، فإن حبسكم عن إتـمام ذلك حابس من مرض أو كسر أو خوف عدوّ فعلـيكم لإحلالكم إن أردتـم الإحلال من إحرامكم ما استـيسر من الهدي.

وإنـما اخترنا الرفع فـي ذلك، لأن أكثر القرآن جاء برفع نظائره، وذلك كقوله:{ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضا أوْ بِهِ أذًى مِنْ رأسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صيامٍ} وكقوله: { فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ } [المائدة: 89] وما أشبه ذلك مـما يطول بإحصائه الكتاب، تركنا ذكره استغناء بـما ذكرنا عنه. ولو قـيـل موضع «ما» نصب بـمعنى: فإن أحصرتـم فأهدوا ما استـيسر من الهدي، لكان غير مخطىء قائله.

وأما الهدي فإنه جمع واحدها هَدِيَّة، علـى تقدير جَدِيَّة السرج، والـجمع الـجَدْي مخفف.

حدثت عن أبـي عبـيدة معمر بن الـمثنى، عن يونس، قال: كان أبو عمرو بن العلاء يقول: لا أعلـم فـي الكلام حرفـاً يشبهه.

وبتـخفـيف الـياء وتسكين الدال من «الهدي» قرأه القراء فـي كل مصر، إلا ما ذكر عن الأعرج، فإن.

أبـا هشام الرفـاعي، حدثنا، قال: ثنا يعقوب، عن بشار، عن أسد، عن الأعرج أنه قرأ: «هَدِيًّا بـالِغَ الكَعْبَةِ» بكسر الدال مثقلاً، وقرأ: «حتَّـى يَبْلُغَ الهَدِيُّ مَـحِلَّه» بكسر الدال مثقلة.

واختلف فـي ذلك عن عاصم، فرُوي عنه موافقة الأعرج ومخالفته إلـى قراءة سائر القراء. والهدي عندي إنـما سمي هديا لأنه تقرّب به إلـى الله جل وعزّ مهديه بـمنزلة الهدية يهديها الرجل إلـى غيره متقرّبـاً بها إلـيه، يقال منه: أهديت الهدي إلـى بـيت الله فأنا أهديه إهداء، كما يقال فـي الهدية يهديها الرجل إلـى غيره: أهديت إلـى فلان هدية وأنا أهديها. ويقال للبدنة هدية، ومنه قول زهير بن أبـي سلـمى يذكر رجلاً أسر يشبهه فـي حرمته بـالبدنة التـي تُهْدَى:

فَلَـمْ أرَ مَعْشَراً أسَرُوا هَدِيًّاولَـمْ أرَ جارَ بَـيْتٍ يُسْتَبـاءُ

القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{ وَلاَ تَـحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حتَّـى يَبْلُغَ الهَدْىُ مَـحِلَّه}.

يعنـي بذلك جل ثناؤه: فإن أحصرتـم فأردتـم الإحلال من إحرامكم، فعلـيكم ما استـيسر من الهدي، ولا تـحلوا من إحرامكم إذا أحصرتـم حتـى يبلغ الهدي الذي أوجبته علـيكم لإحلالكم من إحرامكم الذي أحصرتـم فـيه قبل تـمامه وانقضاء مشاعره ومناسكه مـحله وذلك أن حلق الرأس إحلال من الإحرام الذي كان الـمـحرم قد أوجبه علـى نفسه، فنهاه الله عن الإحلال من إحرامه بحلاقه، حتـى يبلغ الهدي الذي أبـاح الله له الإحلال جل ثناؤه بإهدائه مـحله.

ثم اختلف أهل العلـم فـي مـحل الهدي الذي عناه الله جل اسمه الذي متـى بلغه كان للـمـحصر الإحلال من إحرامه الذي أحصر فـيه. فقال بعضهم: مـحلّ هدي الـمـحصر الذي يحلّ به ويجوز له ببلوغه إياه حلق رأسه، إذا كان إحصاره من خوف عدوّ منعه ذبحه إن كان مـما يذبح، أو نـحره إن كان مـما ينـحر، فـي الـحلّ ذبح أو نـحر أو فـي الـحرم [حيث حبس]، وإن كان من غير خوف عدوّ فلا يحلّ حتـى يطوف بـالبـيت ويسعى بـين الصفـا والـمروة. وهذا قول من قال: الإحصار إحصار العدوّ دون غيره. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، أخبرنـي مالك بن أنس أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلّ هو وأصحابه بـالـحديبـية، فنـحروا الهدي وحلقوا رؤوسهم، وحلّوا من كل شيء قبل أن يطوفوا بـالبـيت، وقبل أن يصل إلـيه الهدي. ثم لـم نعلـم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أحداً من أصحابه ولا مـمن كان معه أن يقضوا شيئاً، ولا أن يعودوا لشيء.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي مالك، عن نافع: أن عبد الله بن عمر خرج إلـى مكة معتـمراً فـي الفتنة، فقال: إن صددت عن البـيت صنعناً كما صنعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأهلّ بعمرة من أجل أن النبـيّ كان أهلّ بعمرة عام الـحديبـية. ثم إن عبد الله بن عمر نظر فـي أمره فقال: ما أمرهما إلا واحد. قال: فـالتفت إلـى أصحابه فقال: ما أمرهما إلا واحد، أشهدكم أنـي قد أوجبت الـحجّ مع العمرة. قال: ثم طاف طوافـاً واحداً، ورأى أن ذلك مُـجْز عنه وأهدى. قال يونس: قال ابن وهب: قال مالك: وعلـى هذا الأمر عندنا فـيـمن أحصر بعدوّ كما أحصر نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. فأما من أحصر بغير عدوّ فإنه لا يحلّ دون البـيت. قال: وسئل مالك عمن أحصر بعدوّ وحيـل بـينه وبـين البـيت، فقال: يحلّ من كل شيء، وينـحر هديه، ويحلق رأسه حيث حبس، ولـيس علـيه قضاء إلا أن يكون لـم يحجّ قط، فعلـيه أن يحجّ حِجة الإسلام.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا مالك، قال: ثنـي يحيى بن سعيد، عن سلـيـمان بن يسار: أن عبد الله بن عمر ومروان بن الـحكم وعبد الله بن الزبـير أفتوا ابن حزابة الـمخزومي، وصُرع فـي الـحج ببعض الطريق، أن يبدأ بـما لا بد منه ويفتدي، ثم يجعلها عمرة، ويحجّ عاماً قابلاً ويهدي. قال يونس: قال ابن وهب: قال مالك: وذلك الأمر عندنا فـيـمن أحصر بغير عدوّ. قال: وقال مالك: وكل من حبس عن الـحجّ بعد ما يحرم إما بـمرض، أو خطأ فـي العدد، أو خفـي علـيه الهلال، فهو مـحصر، علـيه ما علـى الـمـحصر يعنـي من الـمقام علـى إحرامه حتـى يطوف أو يسعى، ثم الـحجّ من قابل والهدي.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: سمعت يحيى بن سعيد، يقول: أخبرنـي أيوب بن موسى أن داود بن أبـي عاصم أخبره: أنه حجّ مرة فـاشتكى، فرجع إلـى الطائف ولـم يطف بـين الصفـا والـمروة، فكتب إلـى عطاء بن أبـي ربـاح يسأله عن ذلك، وأن عطاء كتب إلـيه: أن أهرق دماً

وعلة من قال بقول مالك فـي أن مـحل الهدي فـي الإحصار بـالعدوّ نـحره حيث حبس صاحبه، ما:

حدثنا به أبو كريب ومـحمد بن عمارة الأسدي، قالا: ثنا عبـيد الله بن موسى، قال: أخبرنا موسى بن عبـيدة، قال: أخبرنـي أبو مرّة مولـى أم هانىء، عن ابن عمر، قال: لـما كان الهدي دون الـجبـال التـي تطلع علـى وادي الثنـية عرض له الـمشركون فردّوا وجهه. قال: فنـحر النبـيّ صلى الله عليه وسلم الهدي حيث حبسوه، وهي الـحديبـية، وحلق، وتأسَّى به أناس فحلقوا حين رأوه حلق، وتربص آخرون فقالوا: لعلنا نطوف بـالبـيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رَحِمَ اللَّهُ الـمُـحَلِّقِـين" . قـيـل: والـمقصرين قال: "رَحِمَ اللَّهُ الـمُـحَلِّقِـينَ" قـيـل: والـمقصرين قال: "والـمُقَصِّرِين" .

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: ثنا عبد الله بن الـمبـارك، قال: أخبرنا معمر عن الزهري، عن عروة، عن الـمسور بن مخرمة ومروان بن الـحكم، قالا: لـما كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم القضية بـينه وبـين مشركي قريش، وذلك بـالـحديبـية عام الـحديبـية، قال لأصحابه: "قُومُوا فـانْـحَرُوا وَاحْلِقُوا" . قال: فوالله ما قام منهم رجل حتـى قال ذلك ثلاث مرات. فلـما لـم يقم منهم أحد، قام فدخـل علـى أم سلـمة، فذكر ذلك لها، فقالت أم سلـمة: يا نبـيّ الله اخرج ثم لا تكلـم أحداً منهم بكلـمة حتـى تنـحر بدنك وتدعو حلاّقك فتـحلق فقام فخرج فلـم يكلـم منهم أحداً حتـى فعل ذلك. فلـما رأوا ذلك قاموا فنـحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً حتـى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً.

قالوا: فنـحر النبـيّ صلى الله عليه وسلم هديه حين صدّه الـمشركون عن البـيت بـالـحديبـية، وحل هو وأصحابه. قالوا: والـحديبـية لـيست من الـحرم، قالوا، ففـي مثل ذلك دلـيـل واضح علـى أن معنى قوله:{ حتَّـى يَبْلُغَ الهَدْىُ مَـحِلَّهُ} حتـى يبلغ بـالذبح أو النـحر مـحل أكله، والانتفـاع به فـي مـحل ذبحه ونـحره، كما رُوي عن نبـي الله علـيه الصلاة والسلام فـي نظيره إذ أتـي بلـحم أتته بريرة من صدقة كان تصدّق به علـيها، فقال: "قَرِّبُوهُ فَقَدْ بَلَغَ مَـحِلَّهُ" يعنـي: فقد بلغ مـحل طيبه وحلاله له بـالهدية إلـيه بعد أن كان صدقة علـى بريرة.

وقال بعضهم: مـحل هدي الـمـحصر الـحرم لا مـحلّ له غيره. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد: أن عمرو بن سعيد النـخعي أهلّ بعمرة، فلـما بلغ ذات الشقوق لدغ بها، فخرج أصحابه إلـى الطريق يتشرّفون الناس، فإذا هم بـابن مسعود، فذكروا ذلك له، فقال: لـيبعث بهدي، واجعلوا بـينكم يوم أمارة، فإذا ذبح الهدي فلـيحل، وعلـيه قضاء عمرته.

حدثنا تـميـم بن الـمنتصر، قال: ثنا إسحاق، عن شريك، عن سلـيـمان بن مهران، عن عمارة بن عمير وإبراهيـم، عن عبد الرحمن بن يزيد أنه قال: خرجنا مهلّـين بعمرة فـينا الأسود بن يزيد، حتـى نزلنا ذات الشقوق، فلدغ صاحب لنا، فشقّ ذلك علـيه مشقة شديدة، فلـم ندر كيف نصنع به، فخرج بعضنا إلـى الطريق، فإذا نـحن بركب فـيه عبد الله بن مسعود، فقلنا له: يا أبـا عبد الرحمن رجل منا لدغ، فكيف نصنع به؟ قال: يبعث معكم بثمن هدي، فتـجعلون بـينكم وبـينه يوما أمارة، فإذا نـحر الهدي فلـيحل، وعلـيه عمرة فـي قابل.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: بـينا نـحن بذات الشقوق فلبى رجل منا بعمرة فلدغ، فمرّ علـينا عبد الله فسألناه، فقال: اجعلوا بـينكم وبـينه يوم أمار، فـيبعث بثمن الهدي، فإذا نـحر حلّ وعلـيه العمرة.

حدثنـي مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الـحكم، قال: سمعت إبراهيـم النـخعي يحدّث عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: أهلّ رجل منا بعمرة، فلدغ، فطلع ركب فـيهم عبد الله بن مسعود، فسألوه، فقال: يبعث بهدى، واجعلوا بـينكم وبـينه يوماً أماراً، فإذا كان ذلك الـيوم فلـيحلّ. وقال عمارة بن عمير: فكان حسبك به عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله: وعلـيه العمرة من قابل.

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: خرجنا عماراً، فلـما كنا بذات الشقوق لدغ صاحب لنا، فـاعترضنا للطريق نسأل عما نصنع به، فإذا عبد الله بن مسعود فـي ركب، فقلنا له: لدغ صاحب لنا، فقال: اجعلوا بـينكم وبـين صاحبكم يوماً. ولـيرسل بـالهدي، فإذا نـحر الهدي فلـيحلل، ثم علـيه العمرة.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، عن الـحجاج، قال: حدثنـي عبد الرحمن بن الأسود، عن أبـيه، عن ابن مسعود: أن عمرو بن سعيد النـخعي أهلّ بعمرة، فلـما بلغ ذات الشقوق لدغ بها، فخرج أصحابه إلـى الطريق يتشوّفون الناس، فإذا هم بـابن مسعود، فذكروا ذلك له، فقال: لـيبعث بهدي، واجعلوا بـينكم وبـينه يوم أمار، فإذا ذبح الهدي فلـيحلّ، وعلـيه قضاء عمرته.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس:{ فإنْ أُحْصِرْتُـمْ فَمَا اسْتَـيسَرَ مِنَ الهَدْيِ} يقول: من أحرم بحج أو عمرة، ثم حبس عن البـيت بـمرض يجهده أو عذر يحبسه، فعلـيه ذبح ما استـيسر من الهدي، شاة فما فوقها يذبح عنه. فإن كانت حجة الإسلام، فعلـيه قضاؤها، وإن كانت حجة بعد حجة الفريضة أو عمرة فلا قضاء علـيه. ثم قال:{ وَلا تَـحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حتـى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَـحِلَّهُ} فإن كان أحرم بـالـحجّ فمـحله يوم النـحر، وإن كان أحرم بعمرة فمـحل هديه إذا أتـى البـيت.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: حدثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله:{ فإنْ أُحْصِرْتُـمْ فَمَا اسْتَـيسَرَ مِنَ الهَدْيِ} فهو الرجل من أصحاب مـحمد صلى الله عليه وسلم كان يحبس عن البـيت فـيهدي إلـى البـيت، ويـمكث علـى إحرامه حتـى يبلغ الهدي مـحله، فإذا بلغ الهدي مـحله حلق رأسه، فأتـمّ الله له حجه. والاحصار أيضاً: أن يحال بـينه وبـين الـحجّ، فعلـيه هدي إن كان موسراً من الإبل، وإلا فمن البقر، وإلا فمن الغنـم. ويجعل حجه عمرة، ويبعث بهديه إلـى البـيت، فإذا نـحر الهدي فقد حلّ، وعلـيه الـحجّ من قابل.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، ثنا بشر بن السري، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلـمة، قال: سئل علـيّ رضي الله عنه عن قول الله عزّ وجل:{ فإنْ أُحْصِرْتُـمْ فَمَا اسْتَـيسَرَ مِنَ الهَدْيِ } فإذا أحصر الـحاج بعث بـالهدي، فإذا نحر عنه حلّ، ولا يحلّ حتـى ينـحر هديه.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، قال: سمعت عطاء يقول: من حبس فـي عمرته، فبعث بهدية فـاعترض لها فإنه يتصدّق بشيء أو يصوم، ومن اعترض لهديته، وهو حاجّ، فإن مـحلّ الهدي والإحرام يوم النـحر، ولـيس علـيه شيء.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن عطاء، مثله.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي قوله:{ فإنْ أُحْصِرْتُـمْ فَمَا اسْتَـيسَرَ مِنَ الهَدْيِ وَلا تَـحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حتَّـى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَـحِلَّهُ } الرجل يحرم ثمَّ يخرج فـيحصر، إما بلدغ أو مرض فلا يطيق السير، وإما تنكسر راحلته، فإنه يقـيـم، ثم يبعث بهدي شاة فما فوقها. فإن هو صحّ فسار فأدرك فلـيس علـيه هدي، وإن فـاته الـحجّ فإنها تكون عمرة، وعلـيه من قابل حجة. وإن هو رجع لـم يزل مـحرما حتـى ينـحر عنه يوم النـحر. فإن هو بلغه أن صاحبه لـم ينـحر عنه عاد مـحرماً وبعث بهدي آخر، فواعد صاحبه يوم ينـحر عنه بـمكة، فنـحر عنه بـمكة ويحلّ، وعلـيه من قابل حجة وعمرة. ومن الناس من يقول عمرتان. وإن كان أحرم بعمرة ثم رجع وبعث بهديه، فعلـيه من قابل عمرتان، وأناس يقولون: لا بل ثلاث عُمَرٍ نـحو مـما صنعوا فـي الـحج حين صنعوا، علـيه حجة وعمرتان.

حدثنا عبد الـحميد بن بـيان القناد، قال: أخبرنا إسحاق الأزرق، عن أبـي بشر، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد وعطاء، عن ابن عبـاس، قال: إذا أحصر الرجل بعث بهديه إذا كان لا يستطيع أن يصل إلـى البـيت من العدو، فإن وجد من يبلغها عنه إلـى مكة، فإنه يبعث بها مكانه، ويواعد صاحب الهدي. فإذا أمن فعلـيه أن يحج ويعتـمر. فإن أصابه مرض يحبسه ولـيس معه هدي، فإنه يحل حيث يحبس، وإن كان معه هدي فلا يحل حتـى يبلغ الهدي مـحله إذا بعث به، ولـيس علـيه أن يحج قابلاً ولا يعتـمر إلا أن يشاء.

وعلة من قال هذه الـمقالة، أن مـحل الهدايا والبدن الـحرم أن الله عز وجل ذكر البدن والهدايا فقال: { وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ * لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ } [الحج: 32-33]، فجعل مـحلها الـحرم، ولا مـحلّ للهدي دونه.

قالوا: وأما ما ادّعاه الـمـحتـجون بنـحر النبـيّ صلى الله عليه وسلم هداياه بـالـحديبـية حين صدّ عن البـيت فلـيس ذلك بـالقول الـمـجتـمع علـيه، وذلك أن:

الفضل بن سهل حدثنـي، قال: ثنا مخوّل بن إبراهيـم، قال: ثنا إسرائيـل، عن مـجزأة بن زاهر الأسلـمي، عن أبـيه، عن ناجية بن جندب الأسلـمي، قال: أتـيت النبـيّ صلى الله عليه وسلم حين صدّ عن الهدي، فقلت: يا رسول الله ابعث معي بـالهدي فلننـحره بـالـحرم قال: «كَيْفَ تصْنَعُ بهِ»؟ قلت: آخذ به أودية فلا يقدرون علـيه. فـانطلقت به حتـى نـحرته بـالـحرم.

قالوا: فقد بـين هذا الـخبر أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم نـحر هداياه فـي الـحرم، فلا حجة لـمـحتـجّ بنـحره بـالـحديبـية فـي غير الـحرم.

وقال آخرون: معنى هذه الآية وتأويـلها علـى غير هذين الوجهين اللذين وصفنا من قول الفريقـين اللذين ذكرنا اختلافهم علـى ما ذكرنا. وقالوا: إنـما معنى ذلك: فإن أحصرتـم أيها الـمؤمنون عن حجكم فمنعتـم من الـمضيّ لإحرامه لعائق مرض أو خوف عدوّ وأداء اللازم لكم وحجكم حتـى فـاتكم الوقوف بعرفة، فإن علـيكم ما استـيسر من الهدي لـما فـاتكم من حجكم مع قضاء الـحجّ الذي فـاتكم. فقال أهل هذه الـمقالة: لـيس للـمـحصر فـي الـحجّ بـالـمرض والعلل غيره الإحلال إلا بـالطواف بـالبـيت والسعي بـين الصفـا والـمروة إن فـاته الـحجّ. قالوا: فأما إن أطاق شهود الـمشاهد فإنه غير مـحصر. قالوا: وأما العمرة فلا إحصار فـيها، لأن وقتها موجود أبدا. قالوا: والـمعتـمر لا يحلّ إلا بعمل آخر ما يـلزمه فـي إحرامه. قالوا: ولـم يدخـل الـمعتـمر فـي هذه الآية، وإنـما عنى بها الـحاج.

ثم اختلف أهل هذه الـمقالة، فقال بعضهم: لا إحصار الـيوم بعدوّ كما لا إحصار بـمرض يجوّز لـمن فـاته أن يحلّ من إحرامه قبل الطواف بـالبـيت والسعي بـين الصفـا والـمروة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب بن إبر اهيـم، قال: ثنا ابن علـية، عن لـيث، عن مـجاهد، عن طاوس، قال: قال ابن عبـاس: لا إحصار الـيوم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب، قال سمعت يحيى بن سعيد يقول: أخبرنـي عبد الرحمن بن القاسم أن عائشة قالت: لا أعلـم الـمـحرم يحل بشيء دون البـيت.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قال: لا حصر إلا من حبسه عدو، فـيحل بعمرة، ولـيس علـيه حج ولا عمرة.

وقال آخرون منهم: حصار العدو ثابت الـيوم وبعد الـيوم، علـى نـحو ما ذكرنا من أقوالهم الثلاثة التـي حكينا عنهم. ذكر من قال ذلك: وقال: ومعنى الآية: فإن أحصرتـم عن الـحج حتـى فـاتكم، فعلـيكم ما استـيسر من الهدي لفوته إياكم:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبري يونس، عن ابن شهاب، عن سالـم، قال: كان عبد الله بن عمر ينكر الاشتراط فـي الـحج، ويقول: ألـيس حسبكم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إن حبس أحدكم عن الـحج طاف بـالبـيت والصفـا والـمروة ثم حل من كل شيء حتـى يحج عاماً قابلاً، ويهدي أو يصوم إن لـم يجد هدياً.

حدثنـي مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا عبـيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: الـمـحصر لا يحل من شيء حتـى يبلغ البـيت ويقـيـم علـى إحرامه كما هو إلا أن تصيبه جراحة أو جرح، فـيتداوى بـما يصلـحه ويفتدي. فإذا وصل إلـى البـيت، فإن كانت عمرة قضاها، وإن كانت حجة فسخها بعمرة، وعلـيه الـحج من قابل والهدي، فإن لـم يجد فصيام ثلاثة أيام فـي الـحج وسبعة إذا رجع.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن عبـيد الله، قال: أخبرنـي نافع: أن ابن عمر مر علـى ابن حزابة وهو بـالسقـيا، فرأى به كسراً فـاستفتاه، فأمره أن يقـف كما هو لا يحلّ من شيء حتـى يأتـي البـيت إلا أن يصيبه أذى فـيتداوى وعلـيه ما استـيسر من الهدي. وكان أهلّ بـالـحج.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي اللـيث، قال: ثنـي عقـيـل، عن ابن شهاب، قال: أخبرنـي سالـم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر، قال: من أحصر بعد أن يهلّ بحجّ، فحبسه خوف أو مرض أو خلا له ظهر يحمله أو شيء من الأمور كلها، فإنه يتعالـج لـحبسه ذلك بكل شيء لا بدّ له منه، غير أنه لا يحلّ من النساء والطيب، ويفتدي بـالفدية التـي أمر الله بها صيامٍ أو صدقة أو نسك. فإن فـاته الـحجّ وهو بـمـحبسه ذلك، أو فـاته أن يقـف فـي مواقـف عرفة قبل الفجر من لـيـلة الـمزدلفة، فقد فـاته الـحجّ، وصارت حجته عمرة يقدم مكة فـيطوف بـالبـيت وبـالصفـا والـمروة. فإن كان معه هدي نـحره بـمكة قريبـاً من الـمسجد الـحرام، ثم حلق رأسه، أو قصر، ثم حلّ من النساء والطيب وغير ذلك. ثم علـيه أن يحجّ قابلاً ويهدي ما تـيسر من الهدي.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثنـي مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن سالـم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر أنه قال: الـمـحصر لا يحلّ حتـى يطوف بـالبـيت وبـين الصفـا والـمروة. وإن اضطّر إلـى شيء من لبس الثـياب التـي لا بدّ له منها أو الدواء صنع ذلك وافتدى.

فهذا ما رُوي عن ابن عمر فـي الإحصار بـالـمرض وما أشبهه، وأما فـي الـمـحصر بـالعدوّ فإنه كان يقول فـيه بنـحو القول الذي ذكرناه قبل عن مالك بن أنس أنه كان يقوله.

حدثنـي تـميـم بن الـمنتصر، قال: ثنا عبد الله بن نـمير، قال: أخبرنا عبـيد الله، عن نافع: أن ابن عمر أراد الـحجّ حين نزل الـحجاج بـابن الزبـير فكلـمه ابناه سالـم وعبـيد الله، فقالا: لا يضرّك أن لا تـحجّ العام، إنا نـخاف أن يكون بـين الناس قتال فـيحال بـينك وبـين البـيت. قال: إن حيـل بـينـي وبـين البـيت فعلت كما فعلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حال كفـار قريش بـينه وبـين البـيت فحلق ورجع.

وأما ما ذكرناه عنهم فـي العمرة من قولهم إنه لا إحصار فـيها ولا حصر، فإنه:

حدثنـي به يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنـي هشيـم، عن أبـي بشر، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير أنه أهلّ بعمرة فأحصر، قال: فكتب إلـى ابن عبـاس وابن عمر، فكتبـا إلـيه أن يبعث بـالهدي، ثم يقـيـم حتـى يحلّ من عمرته. قال: فأقام ستة أشهر أو سبعة أشهر.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، قال: أخبرنا يعقوب، عن أبـي العلاء بن الشخير، قال: خرجت معتـمراً فصرعت عن بعيري فكسرت رجلـي. فأرسلنا إلـى ابن عبـاس وابن عمر نسألهما، فقالا: إن العمرة لـيس لها وقت كوقت الـحجّ، لاتـحلّ حتـى تطوف بـالبـيت، قال: فأقمت بـالدَّثِـينَةِ أو قريبـاً منه سبعة أشهر أو ثمانـية أشهر.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثنـي مالك، عن أيوب بن أبـي تـميـمة السختـيانـي عن رجل من أهل البصرة كان قديـماً أنه قال: خرجت إلـى مكة، حتـى إذا كنت ببعض الطريق كسرت فخذي، فأرسلت إلـى مكة إلـى عبد الله بن عبـاس، وبها عبد الله بن عبـاس وعبد الله بن عمر والناس، فلـم يرخص لـي أحد أن أحلّ، فأقمت علـى ذلك إلـى سبعة أشهر حتـى أحللت بعمرة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن معمر، عن ابن شهاب فـي رجل أصابه كسر وهو معتـمر، قال: يـمكث علـى إحرامه حتـى يأتـي البـيت ويطوف به وبـالصفـا والـمروة، ويحلق أو يقصر، ولـيس علـيه شيء.

وأولـى هذه الأقوال بـالصواب فـي تأويـل هذه الآية قول من قال: إن الله عزّ وجل عنى بقوله:{ فإنْ أُحْصِرْتُـمْ فَمَا اسْتَـيسَرَ مِنَ الهَدْيِ وَلا تَـحْلِقُوا رُءُؤُسَكُمْ حتَّـى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَـحِلَّهُ} كل مـحصر فـي إحرام بعمرة كان إحرام الـمـحصر أو بحجّ، وجعل مـحل هديه الـموضع الذي أحصر فـيه، وجعل له الإحلال من إحرامه ببلوغ هديه مـحله. وتأول بـالـمـحل الـمنـحر أو الـمذبح، وذلك حين حلّ نـحرُه أو ذبحُه فـي حرم كان أو فـي حلّ، وألزمه قضاء ما حلّ منه من إحرامه قبل إتـمامه إذا وجد إلـيه سبـيلاً، وذلك لتواتر الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صدّ عام الـحديبـية عن البـيت وهو مـحرم وأصحابه بعمرة، فنـحر هو وأصحابه بأمره الهديَ، وحلوا من إحرامهم قبل وصولهم إلـى البـيت، ثم قضوا إحرامهم الذي حلوا منه فـي العام الذي بعده. ولـم يدّع أحد من أهل العلـم بـالسير ولا غيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحداً من أصحابه أقام علـى إحرامه انتظارا للوصول إلـى البـيت والإحلال بـالطواف به وبـالسعي بـين الصفـا والـمروة، ولا يَخفَـى وصول هديه إلـى الـحرم.

فأولـى الأفعال أن يقتدى به، فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لـم يأت بحظره خبر، ولـم تقم بـالـمنع منه حجة. فإذ كان ذلك كذلك، وكان أهل العلـم مختلفـين فـيـما اخترنا من القول فـي ذلك، فمن متأوّل معنى الآية تأويـلنا، ومن مخالف ذلك، ثم كان ثابتاً بـما قلنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم النقل كان الذي نقل عنه أولـى الأمور بتأويـل الآية، إذ كانت هذه الآية لا يتدافع أهل العلـم أنها يومئذٍ نزلت وفـي حكم صدّ الـمشركين إياه عن البـيت أوحيت.

وقد رُوي بنـحو الذي قلنا فـي ذلك خبر.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، قال: ثنـي الـحجاج بن أبـي عثمان، قال: حدثنـي يحيى بن أبـي كثـير، أن عكرمة مولـى ابن عبـاس حدثه، قال: حدثنـي الـحجاج بن عمرو الأنصاري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَن كُسِرَ أوْ عُرِجَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَـيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى" قال: فحدثت ابن عبـاس وأبـا هريرة بذلك، فقالا: صدق.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا مروان، قال: ثنا حجاج الصوّاف، وحدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا سفـيان بن حبـيب، عن الـحجاج الصوّاف، عن يحيى بن أبـي كثـير، عن عكرمة، عن الـحجاج بن عمرو، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم نـحوه، وعن ابن عبـاس وأبـي هريرة.

ومعنى هذا الـخبر الأمر بقضاء الـحجة التـي حلّ منها نظير فعل النبـيّ علـيه الصلاة والسلام وأصحابه فـي قضائهم عمرتهم التـي حلوا منها عام الـحديبـية من القابل فـي عام عمرة القضية.

ويقال لـمن زعم أن الذي حصره عدوّ إذا حلّ من إحرامه التطوّع فلا قضاء علـيه، وأن الـمـحصر بـالعلل علـيه القضاء ما العلة التـي أوجبت علـى أحدهما القضاء وأسقطت عن الآخر، وكلاهما قد حلّ من إحرام كان علـيه إتـمامه لولا العلة العائقة؟

فإن قال: لأن الآية إنـما نزلت فـي الذي حصره العدو، فلا يجوز لنا نقل حكمها إلـى غير ما نزلت فـيه قـيـل له: قد دافعك عن ذلك جماعة من أهل العلـم، غير أنا نسلـم لك ما قلت فـي ذلك، فهلا كان حكم الـمنع بـالـمرض والإحصار له حكم الـمنع بـالعدو إذ هما متفقان فـي الـمنع من الوصول إلـى البـيت وإتـمام عمل إحرامهما، وإن اختلفت أسبـاب منعهما، فكان أحدهما مـمنوعاً بعلة فـي بدنه، والآخر بـمنع مانع؟ ثم يسئل الفرق بـين ذلك من أصل أو قـياس، فلن يقول فـي أحدهما شيئاً إلا ألزم فـي الآخر مثله.

وأما الذين قالوا: لا إحصار فـي العمرة، فإنه يقال لهم: قد علـمتـم أن النبـي صلى الله عليه وسلم إنـما صد عن البـيت، وهو مـحرم بـالعمرة، فحل من إحرامه؟ فما برهانكم علـى عدم الإحصار فـيها؟ أو رأيتـم إن قال قائل: لا إحصار فـي حج، وإنـما فـيه فوت، وعلـى الفـائت الـحج الـمقام علـى إحرامه حتـى يطوف بـالبـيت، ويسعى بـين الصفـا والـمروة، لأنه لـم يصح عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه سن فـي الإحصار فـي الـحجّ سنة؟ فقد قال ذلك جماعة من أئمة الدين. فأما العمرة فإن النبـيّ صلى الله عليه وسلم سنّ فـيها ما سنّ، وأنزل الله تبـارك وتعالـى فـي حكمها ما بـين من الإحلال والقضاء الذي فعله صلى الله عليه وسلم، ففـيها الإحصار دون الـحجّ هل بـينها وبـينه فرق؟ ثم يعكس علـيه القول فـي ذلك، فلن يقول فـي أحدهما شيئاً إلا ألزم فـي الآخر مثله.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أوْ بِهِ أذَىً مِنْ رأسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ}.

يعنـي بذلك جل ثناؤه فإنْ أُحْصِرْتُـمْ فَمَا اسْتَـيسَرَ مِنَ الهَدْيِ، وَلاَ تَـحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حتَّـى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَـحِلَّهُ إلا أن يضطرّ إلـى حلقه منكم مضطرّ، إما لـمرض، وإما لأذى برأسه، من هوامّ أو غيرها، فـيحلق هنالك للضرورة النازلة به، وإن لـم يبلغ الهدي مـحلّه، فـيـلزمه بحلاق رأسه وهو كذلك، فدية من صيام، أو صدقة، أو نسك.

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا ابن جريج، قال: قلت لعطاء: ما أذًى من رأسه؟ قال: القمل وغيره، والصداع، وما كان فـي رأسه.

وقال آخرون: لا يحلق إن أراد أن يفتدي الـحجّ بـالنسك أو الإطعام إلا بعد التكفـير، وإن أراد أن يفتدي بـالصوم حلق ثم صام. ذكر من قال ذلك:

حدثنا عبـيد الله بن معاذ، عن أبـيه، عن أشعث، عن الـحسن، قال: إذا كان بـالـمـحرم أذى من رأسه فإنه يحلق حين يبعث بـالشاة، أو يطعم الـمساكين، وإن كان صوم حلق ثم صام بعد ذلك. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي عبـيد بن إسماعيـل الهبـاري، قال: ثنا عبد الله بن نـمير، عن الأعمش، عن إبراهيـم، عن علقمة، قال: إذا أهلّ الرجل بـالـحجّ فأحصر بعث بـما استـيسر من الهدي شاة، فإن عجل قبل أن يبلغ الهدي مـحلَّه، فحلق رأسه، أو مسّ طيبـاً أو تداوى، كان علـيه فدية من صيام، أو صدقة، أو نسك. قال إبراهيـم: فذكرت ذلك لسعيد بن جبـير، فقال: كذلك قال ابن عبـاس.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{ فإنْ أُحْصِرْتُـمْ فَمَا اسْتَـيسَرَ مِنَ الهَدْيِ} قال: من أحصر بـمرض أو كسر فلـيرسل بـما استـيسر من الهدي، ولا يحلق رأسه، ولايحلّ حتـى يوم النـحر. فمن كان مريضاً، أو اكتـحل، أو ادّهن، أو تداوى، أو كان به أذى من رأسه، فحلق، ففدية من صيام، أو صدقة، أو نسك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله:{ وَلا تَـحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حتـى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَـحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أوْ بِهِ أذًى مِنْ رأسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صيَامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ } هذا إذا كان قد بعث بهديه، ثم احتاج إلـى حلق رأسه من مرض، وإلـى طيب، وإلـى ثوب يـلبسه، قميص أو غير ذلك، فعلـيه الفدية.

وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح كاتب اللـيث، قال: حدثنـي اللـيث، عن عقـيـل، عن ابن شهاب قال: من أحصر عن الـحجّ فأصابه فـي حبسه ذلك مرض أو أذى برأسه، فحلق رأسه فـي مـحبسه ذلك، فعلـيه فدية من صيام، أو صدقة، أو نسك.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي اللـيث، قال: ثنا عقـيـل، عن ابن شهاب، قال: أخبرنـي سالـم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر قال: من أحصر بعد أن يهلّ بحجّ، فحبسه مرض أو خوف، فإنه يتعالـج فـي حبسه ذلك بكل شيء لا بد له منه، غير أنه لا يحلّ له النساء والطيب، ويفتدي بـالفدية التـي أمر الله بها: صيامٍ، أو صدقة، أو نسك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنـي بشر بن السريّ، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلـمة، قال: سئل علـيّ رضي الله عنه عن قول الله جل ثناؤه: {فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أوْ بِهِ أذًى مِنْ رأسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صَيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ } قال: هذا قبل أن ينـحر الهدي، إن أصابه شيء فعلـيه الكفـارة.

وقال آخرون: معنى ذلك: فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه، فعلـيه فدية من صيام أو صدقة أو نسك قبل الـحِلاق إذا أراد حلاقه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله:{ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أوْ بِهِ أذًى مِنْ رأسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ} فمن اشتدَّ مرضه أو آذاه رأسه وهو مـحرم، فعلـيه صيام أو إطعام أو نسك، ولا يحلق رأسه حتـى يقدم فديته قبل ذلك. وعلة من قال هذه الـمقالة ما.

حدثنا به الـمثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن يعقوب، قال: سألت عطاء، عن قوله:{ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أوْ بِهِ أذًى مِنْ رأسِه فَفِدْيَةٌ مِنْ صَيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ } فقال: إن كعب بن عجرة مرّ بـالنبـيّ صلى الله عليه وسلم وبرأسه من الصئبـان والقمل كثـير، فقال له النبـيّ علـيه الصلاة والسلام: "هَلْ عِنْدَكَ شاةٌ" ؟ فقال كعب: ما أجدها. فقال له النبـيّ صلى الله عليه وسلم: "إنْ شِئْتَ فأطْعِمْ سِتّةَ مَساكِين، وإنْ شِئْتَ فَصُمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ، ثُم احْلِقْ رأسَكَ" .

فأما الـمرض الذي أبـيح معه العلاج بـالطيب وحلق الرأس، فكل مرض كان صلاحه بحلقه كالبرسام الذي يكون من صلاح صاحبه حلق رأسه، وما أشبه ذلك، والـجراحات التـي تكون بجسد الإنسان التـي يحتاج معها إلـى العلاج بـالدواء الذي فـيه الطيب ونـحو ذلك من القروح والعلل العارضة للأبدان.

وأما الأذى الذي يكون إذا كان برأس الإنسان خاصة له حلقه، فنـحو الصداع والشقـيقة، وما أشبه ذلك، وأن يكثر صئبـان الرأس، وكل ما كان للرأس مؤذياً مـما فـي حلقه صلاحه ودفع الـمضرّة الـحالّة به، فـيكون ذلك له بعموم قول الله جل وعزّ {أوْ بِهِ أذًى مِنْ رأسِهِ}. وقد تظاهرت الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذه الآية نزلت علـيه بسبب كعب بن عجرة، إذ شكا كثرة أذى برأسه من صئبـانه، وذلك عام الـحديبـية. ذكر الأخبـار التـي رويت فـي ذلك:

حدثنا مـحمد بن عبد الـملك بن أبـي الشوارب وحميد بن مسعدة قالا: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا داود، عن الشعبـي، عن كعب بن عجرة، قال: مرّ بـي رسول الله صلى الله عليه وسلم بـالـحديبـية ولـي وفرة فـيها هوام ما بـين أصل كل شعرة إلـى فرعها قمل وصئبـان، فقال: "إن هَذَا لأذًى" ، قلت: أجل يا رسول الله شديد، قال: "أمَعَكَ دَمٌ" ؟ قلت: لا. قال: "فإنْ شِئْتَ فَصُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، وَإنْ شِئْتَ فَتصَدَّقْ بِثَلاثَةِ آصُعٍ مِنْ تَـمْرٍ علـى سِتَّةِ مَساكِين، علـى كُلّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاع" حدثنـي إسحاق بن شاهين الواسطي، قال: ثنا خالد الطحان، عن داود، عن عامر، عن كعب بن عجرة، عن النبـيّ بنـحوه.

حدثنا مـحمد بن عبـيد الـمـحاربـي، قال: ثنا أسد بن عمرو، عن أشعث، عن عامر، عن عبد الله بن معقل عن كعب بن عجرة، قال: خرجت مع النبـيّ صلى الله عليه وسلم زمن الـحديبـية ولـي وفرة من شعر، قد قملت وأكلنـي الصئبـان. فرآنـي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "احْلِقْ" ففعلت، فقال: "هَلْ لَكَ هَدْيٌ؟" فقلت: ما أجد. فقال: "إنَّهُ ما اسْتَـيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ" ، فقلت: ما أجد. فقال: "صُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِين كُلُّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ" . قال: ففـيّ نزلت هذه الآية:{ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أوْ بِهِ أذًى مِنْ رأسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صَيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ } إلـى آخر الآية.

وهذا الـخبر ينبىء عن أن الصحيح من القول أن الفدية إنـما تـجب علـى الـحالق بعد الـحلق، وفساد قول من قال: يفتدي ثم يحلق لأن كعبـاً يخبر أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم أمره بـالفدية بعد ما أمره بـالـحلق فحلق.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، ثنا سفـيان، عن عبد الرحمن بن الأصبهانـي، عن عبد الله بن معقل، عن كعب بن عجرة أنه قال: أمرنـي رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيام ثلاثة أيام، أو فَرّق من طعام بـين ستة مساكين.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن الأصبهانـي، عن عبد الله بن معقل، قال: قعدت إلـى كعب وهو فـي الـمسجد، فسألته عن هذه الآية: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أوْ صَدَقةٍ أوْ نُسُكٍ } فقال كعب: نزلت فـيّ كان بـي أذى من رأسي، فحمُلت إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر علـى وجهي، فقال: "ما كُنْتُ أرَى أنَّ الـجَهْدَ بَلَغَ مِنْكَ ما أرَى، أتـجِدُ شاةً؟" فقلت: لا فنزلت هذه الآية:{ فَفِدْيَةٌ مِنْ صَيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ}. قال: فنزلت فـيَّ خاصة، وهي لكم عامة.

حدثنـي تـميـم، قال: أخبرنا إسحاق الأزرق، عن شريك، عن عبد الرحمن بن الأصبهانـي، قال: سمعت عبد الله بن معقل الـمري، يقول: سمعت كعب بن عجرة يقول: حججت مع النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقمل رأسي ولـحيتـي وشاربـي وحاجبـي، فذكر ذلك للنبـيّ صلى الله عليه وسلم، فأرسل إلـيّ فقال: "ما كُنْتُ أرَى هَذَا أصَابَكَ" ، ثم قال: "ادْعُوا لـي حَلاَّقاً" فدعوه، فحلقنـي. ثم قال: "أعِنْدَكَ شَيْء تَنْسُكُهُ عَنْكَ؟" قال: قلت لا. قال: "فَصُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِين كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ طَعامٍ" . قال كعب: فنزلت هذه الآية فـيّ خاصة:{ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أوْ بِهِ أذًى مِنْ رأسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صَيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُك} ثم كانت للناس عامَّة.

حدثنـي نصر بن علـيّ الـجهضمي، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنـي أيوب، عن مـجاهد، عن عبد الرحمن بن أبـي لـيـلـى، عن كعب بن عجرة، قال: مرَّ بـي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أوقد تـحت قدر والقمل يتناثر علـى وجهي، فقال: "أتُؤْذِيكَ هَوَامُّ رأسِكَ؟" قال: قلت نعم قال: "احْلِقْهُ وَصم ثَلاثَةَ أيَّامٍ، أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِين، أوِ اذْبَحْ شاةً" .

حدثنا يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، قال: ثنا أيوب بإسناده عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم مثله، إلا أنه قال: والقمل يتناثر علـيّ، أو قال: علـى حاجبـيّ. وقال أيضاً: "أو انسك نسيكة" . قال أيوب: لا أدري بأيتهن بدأ.

حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا عبد الله بن عون، عن مـجاهد، عن عبد الرحمن بن أبـي لـيـلـى، عن كعب، قال: فـيّ أنزلت هذه الآية، قال: فقال لـي: «ادْنُه» فدنوت، فقال: «أيؤذِيكَ هوامُّك؟ قال: أظنه قال نعم. قال: فأمرنـي بصيام، أو صدقة، أو نسك ما تـيسر.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا مـحمد بن بكر، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن صالـح بن أبـي الـخـلـيـل عن مـجاهد، عن كعب بن عجرة: أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم أتـى علـيه زمن الـحديبـية وهو يوقد تـحت قدر له وهوامّ رأسه تتناثر علـى وجهه، فقال: «أتُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟» قال: نعم. قال: "احْلِقْ رأسْكَ وَعَلَـيْكَ فِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ، تذبَحُ ذَبـيحَةً أوْ تَصُومُ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، أوْ تُطْعِمُ سِتَّةَ مَساكِينَ" .

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن ابن أبـي الـخـلـيـل، عن عبد الرحمن بن أبـي لـيـلـى، قال: ذكر لنا أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم أتـى علـى كعب بن عجرة زمن الـحديبـية، ثم ذكر نـحوه.

حدثنـي موسى بن عبد الرحمن الـمسروقـيّ، قال: حدثنا زيد بن الـحبـاب، قال: وأخبرنـي سيف، عن مـجاهد، عن عبد الرحمن بن أبـي لـيـلـى، عن كعب بن عجرة، قال: مرّ بـي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا بـالـحديبـية ورأسي يتهافت قملاً، فقال: "أيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟" قال قلت: نعم. قال: "فـاحْلِقْ" قال: ففـيّ نزلت هذه الآية:{ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أوْ صدَقَةِ أوْ نُسُك}.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن آدم، قال: ثنا ابن عيـينة، عن ابن أبـي نـجيح وأيوب السختـيانـي، عن مـجاهد، عن عبد الرحمن بن أبـي لـيـلـى، عن كعب بن عجرة، قال: مرّ بـي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الـحديبـية، وأنا أوقد تـحت قدر والقمل يتهافت علـيّ، فقال: "أتُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ" ؟ قال: قلت: نعم قال: "فـاحْلِق، وَانْسُكْ نَسِيكَةٍ، أوْ صُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، أوْ أطْعِمْ فَرَقاً بَـيْنَ سِتَّة مَساكِين" . قال أيوب: انسك نسيكة. وقال ابن أبـي نـجيح: اذبح شاة. قال سفـيان: والفرق ثلاثة آصع.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: حدثنـي عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: حدثنـي عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه وقمله يسقط علـى وجهه، فقال: «أيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟» قال: نعم. فأمره أن يحلق وهو بـالـحديبـية لـم يتبـين لهم أنهم يحلون بها، وهم علـى طمع أن يدخـلوا مكة. فأنزل الله الفدية، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطعم فرقاً بـين ستة مساكين، أو يهدي شاة، أو يصوم ثلاثة أيام.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، عن أبـي بشر، عن مـجاهد، عن عبد الرحمن بن أبـي لـيـلـى، عن كعب بن عجرة، قال: كنا مع النبـيّ صلى الله عليه وسلم بـالـحديبـية، ونـحن مـحرمون، وقد حصرنا الـمشركون. قال: وكانت لـي وفرة، فجعلت الهوامّ تساقط علـى وجهي. فمرّ بـي النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: «أيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رأسِكَ؟» قال: قلت نعم. ونزلت هذه الآية:{ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أوْ بِهِ أذًى مِنْ رأسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صَيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُك}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن مـجاهد، عن كعب بن عجرة، قال: لفـيّ نزلت وإياي عنى بها:{ فَمَنْ كانَ منكُمْ مَريضاً أوْ بِهِ أذًى مِنْ رأسِه فَفِدْيَةٌ مِنْ صَيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُك} قال: قال النبـيّ صلى الله عليه وسلم وهو بـالـحديبـية، وهو عند الشجرة، وأنا مـحرم: «أيُؤْذِيكَ هَوَامَّهُ؟» قلت: نعم، أو كلـمة لا أحفظها عنى بها ذاك. فأنزل الله جل وعز: {فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أوْ بِهِ أذًى مِنْ رأسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُك} والنسك. شاة.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، عن مغيرة، عن مـجاهد، قال: قال كعب بن عجرة: والذي نفسي بـيده، لفيّ نزلت هذه الآية، وإياي عنى بها، ثم ذكر نـحوه، قال: وأمره أن يحلق رأسه.

حدثني يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك بن أنس، عن عبد الكريـم بن مالك الجزري، عن مـجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة: أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فآذاه القمل فـي رأسه، فأمره رسول الله علـيه الصلاة والسلام أن يحلق رأسه وقال: "صُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِينُ مُدَّيْنِ مُدَّيْن لِكلِّ إنْسانٍ، أوِ أنْسُكْ بِشاةٍ، أيّ ذلك فعلت أجزأك" .

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب أن مالك بن أنس حدثه عن حميد بن قـيس، عن مـجاهد، (عن ابن أبـي لـيـلـى) عن كعب بن عجرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "لَعَلَّهُ آذَاكَ هَوَامُّكَ؟" يعنـي القمل، قال: فقلت: نعم يا رسول الله. فقال رسول الله: "احْلِقْ رأسَكَ، وَصُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِينَ، أوِ أنْسُكْ بِشاة" .

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، أن مالك بن أنس حدّثه، عن عطاء بن عبد الله الـخراسانـي أنه قال: أخبرنـي شيخ بسوق البرم بـالكوفة، عن كعب بن عجرة أنه قال: جاءنـي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أنفخ تـحت قدر لأصحابـي، قد امتلأ رأسي ولـحيتـي قملاً، فأخذ بجبهتـي، ثم قال: "احْلِقْ هَذَا، وَصُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكيِن" ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم علـم أنه لـيس عندي ما أنسك به.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن نافع، قال: حدثنـي أسامة بن زيد، عن مـحمد بن كعب القرظي، عن كعب بن عجرة، قال كعب: أمرنـي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين آذانـي القمل أن أحلق رأسي، ثم أصوم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين وقد علـم أنه لـيس عندي ما أنسك به.

حدثنا إبراهيـم بن سعيد الـجوهري، قال: ثنا روح، عن أسامة بن زيد، عن مـحمد بن كعب، قال: سمعت كعب بن عجرة يقول: أمرنـي، يعنـي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن أحلق وأفتدي بشاة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون بن الـمغيرة، عن عنبسة، عن الزبـير بن عدي، عن أبـي وائل شقـيق ابن سلـمة قال: لقـيت كعب بن عجرة فـي هذه السوق، فسألته عن حلق رأسه؟ فقال: أحرمتُ فآذانـي القمل. فبلغ ذلك النبـي صلى الله عليه وسلم، فأتانـي وأنا أطبخ قدراً لأصحابـي، فحك بأصبعه رأسي فـانتثر منه القمل، فقال النبـي صلى الله عليه وسلم: "احْلِقْهُ وأطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِين" .

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا ابن جريح، قال: أخبرنـي عطاء أن النبـي صلى الله عليه وسلم كان بـالـحديبـية عام حبسوا بها، وقمل رأس رجل من أصحابه يقال له كعب بن عجرة، فقال له النبـي صلى الله عليه وسلم: "أتُؤْذِيكَ هَذِهِ الهَوَامُّ؟" قال: نعم. قال: "فـاحْلِقْ وَاجْزُزْ ثُمَّ صُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِينَ مُدَّيْنِ مُدّيْنِ" . قال: قلت أسمى النبـي صلى الله عليه وسلم مدّين مدّين؟ قال: نعم، كذلك بلغنا أن النبـي صلى الله عليه وسلم سمى ذلك لكعب، ولـم يسمّ النسك. قال: وأخبرنـي أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم أخبر كعبـاً بذلك بـالـحديبـية قبل أن يؤذن للنبـيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه بـالـحلق والنـحر، لا يدري عطاء كم بـين الـحلق والنـحر.

حدثنـي أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: ثنـي عمي عبد الله بن وهب، قال: ثنـي اللـيث، عن ابن مسافر، عن ابن شهاب، عن فضالة بن مـحمد الأنصاري، أنه أخبره عمن لا يتهم من قومه: أن كعب بن عجرة أصابه أذى فـي رأسه، فحلق قبل أن يبلغ الهدي مـحله، فأمره النبـيّ صلى الله عليه وسلم بصيام ثلاثة أيام.

حدثنـي الـمثنى قال: ثنا أبو الأسود، قال: أخبرنا ابن لهيعة، عن مخرمة، عن أبـيه، قال: سمعت عمرو بن شعيب يقول: سمعت شعيبـاً يحدّث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة: "أيُؤْذِيَكَ دَوَابُّ رأسِكَ؟" قال: نعم، قال: "فـاحْلِقْهُ وَافْتَدِ إمَّا بِصَوْم ثَلاثَةِ أيَّامٍ، وإمَّا أنْ تُطْعِمَ سِتَّةَ مَساكِين، أوْ نُسُكِ شاةٍ" ففعل.

وقد بـينا قبل معنى الفدية، وأنها بـمعنى الـجزاء والبدل.

واختلف أهل العلـم فـي مبلغ الصيام والطعام اللذين أوجبهما الله علـى من حلق شعره من الـمـحرمين فـي حال مرضه أو من أذى برأسه، فقال بعضهم: الواجب علـيه من الصيام ثلاثة أيام، ومن الطعام ثلاثة آصع بـين ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع. واعتلّوا بـالأخبـار التـي ذكرناها قبل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يـمان، عن سفـيان، عن السدي، عن أبـي مالك:{ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُك} قال: الصيام: ثلاثة أيام، والطعام: إطعام ستة مساكين، والنسك: شاة.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يـمان، قال: حدثنا عبد الـملك بن أبـي سلـيـمان، عن عطاء، مثله.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يـمان، عن عثمان بن الأسود، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، عن مغيرة، عن إبراهيـم ومـجاهد أنهما قالا فـي قوله:{ فَفِدّيَةٌ مِنْ صَيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُك} قالا: الصيام ثلاثة أيام، والطعام: إطعام ستة مساكين، والنسك: شاة فصاعداً.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، عن أشعث، عن الشعبـي، عن عبد الله بن معقل، عن كعب بن عجرة أنه قال فـي قوله:{ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُك } قال: الصيام ثلاثة أيام، والطعام: إطعام ستة مساكين، والنسك: شاة فصاعداً إلا أنه قال فـي إطعام الـمساكين: ثلاثة آصع من تـمر بـين ستة مساكين.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي:{ فمَنْ كانَ مِنكُمْ مَرِيضاً أوْ بِهِ أذًى مِنْ رأسِه فَفِدْيَةٌ مِنْ صَيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُك} إن صنع واحدا فعلـيه فدية، وإن صنع اثنـين فعلـيه فديتان، وهو مخير أن يصنع أيّ الثلاثة شاء. أما الصيام فثلاثة أيام. وأما الصدقة فستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، وأما النسك فشاة فما فوقها. نزلت هذه الآية فـي كعب بن عجرة الأنصاري كان أحصر فقمل رأسه، فحلقه.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: فمن كان مريضا أو اكتـحل، أو ادّهن، أو تداوى، أو كان به أذى من رأسه من قمل فحلق، ففدية من صيام ثلاثة أيام، أو صدقة فرق بـين ستة مساكين، أو نسك، والنسك: شاة.

حدثت عن عمار بن الـحسن، عن عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {وَلا تَـحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَّتـى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَـحِلَّهُ} قال: فإن عجل قبل أن يبلغ الهدي مـحله فحلق، ففدية من صيام أو صدقة، أو نسك. قال: فـالصيام ثلاثة أيام، والصدقة: إطعام ستة مساكين، بـين كل مسكينـين صاع. والنسك: شاة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن عبد الكريـم، عن سعيد بن جبـير، قال: يصوم صاحب الفدية مكان كل مدين يوماً، قال: مدّا لطعامه، ومدّا لإدامه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون، عن عنبسة بإسناده مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا بشر بن السري، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلـمة، قال: سئل علـيّ رضي الله عن قول الله:{ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أوْ بِهِ أذىً مِنْ رأسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صَيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُك} قال: الصيام ثلاثة أيام، والصدقة: ثلاثة آصع علـى ستة مساكين، والنسك: شاة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي اللـيث، قال: ثنـي يزيد بن أبـي حبـيب، عن حرب بن قـيس مولـى يحيى بن أبـي طلـحة أنه سمع مـحمد بن كعب، وهو يذكر الرجل الذي نزل فـيه:{ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أوْ بِهِ أذىً مِنْ رأسِهِ } قال: فأفتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما الصيام: فثلاثة أيام، وأما الـمساكين فستة، وأما النسك فشاة.

حدثنـي عبـيد بن إسماعيـل الهبـاري، قال: ثنا عبد الله بن نـمير، عن الأعمش، عن إبراهيـم، عن علقمة، قال: إذا أهلّ الرجل بـالـحجّ فأحصر بعث بـما استـيسر من الهدي شاة، فإن عجل قبل أن يبلغ الهدي مـحله حلق رأسه، أو مسّ طيبـاً، أو تداوى، كان علـيه فدية من صيام، أو صدقة، أو نسك. والصيام: ثلاثة أيام، والصدقة: ثلاثة آصع علـى ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، والنسك: شاة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيـم ومـجاهد قوله:{ فَفِدْيَةٌ مِنْ صَيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُك} قالا: الصيام ثلاثة أيام، والصدقة: ثلاثة آصع علـى ستة مساكين، والنسك: شاة.

وقال آخرون: الواجب علـيه إذا حلق رأسه من أذى، أو تطيب لعلة من مرض، أو فعل ما لـم يكن له فعله فـي حال صحته وهو مـحرم من الصوم: صيام عشرة أيام، ومن الصدقة: إطعام عشرة مساكين. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن أبـي عمران، قال: ثنا عبـيد الله بن معاذ، عن أبـيه، عن أشعث، عن الـحسن فـي قوله:{ فَفِدْيَةٌ مِنْ صَيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُك} قال: إذا كان بـالـمـحرم أذى من رأسه، حلق وافتدى بأيّ هذه الثلاثة شاء فـالصيام: عشرة أيام، والصدقة علـى عشرة مساكين، كل مسكين مكُّوكين، مكوكاً من تـمر، ومكوكاً من برّ، والنسك: شاة.

حدثنـي عبد الـملك بن مـحمد الرقاشي، قال: ثنا بشر بن عمرو، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن الـحسن وعكرمة:{ فَفِدْيَةٌ مِنْ صَيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُك} قال: إطعام عشرة مساكين.

وقاس قائلو هذا القول كل صيام وجب علـى مـحرم أو صدقة جزاء من نقص دخـل فـي إحرامه، أو فعل ما لـم يكن له فعله بدلاً من دم علـى ما أوجب الله علـى الـمتـمتع من الصوم إذا لـم يجد الهدي. وقالوا: جعل الله علـى الـمتـمتع صيام عشرة أيام مكان الهدي إذا لـم يجده، قالوا: فكل صوم وجب مكان دم فمثله، قالوا: فإذا لـم يصم وأراد الإطعام فإن الله جل وعز أقام إطعام مسكين مكان صوم يوم لـمن عجز عن الصوم فـي رمضان. قالوا: فكل من جعل الإطعام له مكان صوم لزمه فهو نظيره، فلذلك أوجبوا إطعام عشرة مساكين فـي فدية الـحلق.

وقال آخرون: بل الواجب علـى الـحالق النسك شاة إن كانت عنده، فإن لـم تكن عنده قوّمت الشاة دراهم والدراهم طعاما، فتصدّق به، وإلا صام لكل نصف صاع يوماً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، قال: ذكر الأعمش، قال: سأل إبراهيـم سعيد بن جبـير عن هذه الآية:{ فَفِدْيَةٌ مِنْ صَيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُك} فأجابه بقوله: يحكم علـيه إطعام، فإن كان عنده اشترى شاة، فإن لـم تكن قوّمت الشاة دراهم فجعل مكانه طعاماً فتصدّق، وإلا صام لكل نصف صاع يوما. فقال إبراهيـم: كذلك سمعت علقمة يذكر. قال: لـما قال لـي سعيد بن جبـير: هذا ما أظرفه قال: قلت: هذا إبراهيـم قال: ما أظرفه كان يجالسنا. قال: فذكرت ذلك لإبراهيـم، قال: فلـما قلت «يجالسنا»، انتفض منها.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون، عن عنبسة، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: يحكم علـى الرجل فـي الصيد، فإن لـم يجد جزاءه قوم طعاماً، فإن لـم يكن طعام صام مكان كل مدين يوماً، وكذلك الفدية.

وقال آخرون: بل هو مخير بـين الـخلال الثلاث يفتدي بأيها شاء. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن سيف بن سلـيـمان، عن مـجاهد، قال: كل شيء فـي القرآن «أو أو»، فهو بـالـخيار، مثل الـجراب فـيه الـخيط الأبـيض والأسود، فأيهما خرج أخذته.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن مهدي، قال: ثنا سفـيان، عن لـيث، عن مـجاهد، قال: كل شيء فـي القرآن «أو أو» فصاحبه بـالـخيار، يأخذ الأولـى فـالأولـى.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت لـيثاً، عن مـجاهد، قال: كل ما كان فـي القرآن «كذا فمن لـم يجد فكذا» فـالأول فـالأول، وكل ما كان فـي القرآن «أو كذا أو كذا»، فهو فـيه بـالـخيار.

حدثنـي نصر بن عبد الرحمن الأودي، قال: ثنا الـمـحاربـي عن يحيى بن أبـي أنـيسة، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، وسئل عن قوله:{ فَفِدْيَةٌ مِنْ صَيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُك } فقال مـجاهد: إذا قال الله تبـارك وتعالـى لشيء «أو أو»، فإن شئت فخذ بـالأول، وإن شئت فخذ بـالآخر.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا ابن جريج، قال: قال لـي عطاء وعمرو بن دينار فـي قوله:{ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أوْ بِهِ أذًى مِنْ رأسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صَيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُك} قالا: له أيتهنّ شاء.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال عطاء: كل شيء فـي القرآن «أو أو»، فلصاحبه أن يختار أيه شاء.

قال ابن جريج: قال لـي عمرو بن دينار: كل شيء فـي القرآن أو أو، فلصاحبه أن يأخذ بـما شاء.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا لـيث عن عطاء ومـجاهد أنهما قالا: ما كان فـي القرآن «أو كذا أو كذا»، فصاحبه بـالـخيار، أيّ ذلك شاء فعل.

حدثنا علـيّ بن سهل، قال: ثنا يزيد، عن سفـيان، عن لـيث ومـجاهد، عن ابن عبـاس، قال: كلّ شيء فـي القرآن «أو أو»، فهو مخير فـيه، فإن كان «فمن فمن»، فـالأولَ فـالأولَ.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا أسبـاط بن مـحمد، قال: ثنا داود، عن عكرمة، قال: كل شيء فـي القرآن «أو أو»، فلـيتـخير أيّ الكفـارات شاء، فإذا كان «فمن لـم يجد»، فـالأول فـالأول.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو النعمان عارم، قال: قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، قال: قال: حدثت عن عطاء، قال: كل شيء فـي القرآن «أو أو» فهو خيار.

والصواب من القول فـي ذلك عندنا ما ثبت به الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتظاهرت به عنه الرواية أنه أمر كعب بن عجرة بحلق رأسه من الأذى الذي كان برأسه ويفتدي إن شاء بنسك شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام فرق من طعام بـين ستة مساكين كل مسكين نصف صاع. وللـمفتدي الـخيار بـين أيّ ذلك شاء لأن الله لـم يحصره علـى واحدة منهن بعينها، فلا يجوز له أن يعدوها إلـى غيرها، بل جعل إلـيه فعل أيّ الثلاث شاء. ومن أبى ما قلنا من ذلك قـيـل له: ما قلت فـي الـمكفر عن يـمينه أمخير إذا كان موسراً فـي أن يكفر بأيّ الكفـارات الثلاث شاء؟ فإن قال: لا، خرج من قول جميع الأمة، وإن قال بلـى، سئل الفرق بـينه وبـين الـمفتدي من حلق رأسه وهو مـحرم من أذى به، ثم لن يقول فـي أحدهما شيئاً إلا ألزم فـي الآخر مثله. علـى أن ما قلنا فـي ذلك إجماع من الـحجة، ففـي ذلك مستغنى عن الاستشهاد علـى صحته بغيره.

وأما الزاعمون أن كفـارة الـحلق قبل الـحلق، فإنه يقال لهم: أخبرونا عن الكفـارة للـمتـمتع قبل التـمتع أو بعده؟ فإن زعموا أنها قبله قـيـل لهم: وكذلك الكفـارة عن الـيـمين قبل الـيـمين. فإن زعموا أن ذلك كذلك، خرجوا من قول الأمة. وإن قالوا: ذلك غير جائز. قـيـل: وما الوجه الذي من قبله وجب أن تكون كفـارة الـحلق قبل الـحلق وهدي الـمتعة قبل التـمتع ولـم يجب أن تكون كفـارة الـيـمين قبل الـيـمين؟ وهل بـينكم وبـين من عكس علـيكم الأمر فـي ذلك فأوجب كفـارة الـيـمين قبل الـيـمين وأبطل أن تكون كفـارة الـحلق كفـارة له إلا بعد الـحلق فرق من أصل أو نظير؟ فلن يقول فـي أحدهما شيئاً إلا ألزم فـي الآخر مثله.

فإن اعتلّ فـي كفـارة الـيـمين قبل الـيـمين أنها غير مـجزئة قبل الـحلف بإجماع الأمة، قـيـل له فردّ الأخرى قـياساً علـيها إذْ كان فـيها اختلاف.

وأما القائلون إن الواجب علـى الـحالق رأسه من أذى من الصيام: عشرة أيام، ومن الإطعام: عشرة مساكين فمخالفون نصّ الـخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فـيقال لهم: أرأيتـم من أصاب صيداً فـاختار الإطعام أو الصيام، أتسوّون بـين جميع ذلك بقتله الصيد صغيره وكبـيره من الإطعام والصيام، أم تفرّقون بـين ذلك علـى قدر افتراق الـمقتول من الصيد فـي الصغر والكبر؟ فإن زعموا أنهم يسوون بـين جميع ذلك سوّوا بـين ما يجب علـى من قتل بقرة وحشية وبـين ما يجب علـى من قتل ولد ظبـية من الإطعام والصيام وذلك قول إن قالوه لقول الأمة مخالف. وإن قالوا: بل نـخالف بـين ذلك، فنوجب ذلك علـيه علـى قدر قـيـمة الـمصاب من الطعام والصيام. قـيـل: فكيف رددتـم الواجب علـى الـحالق رأسه من أذى من الكفـارة علـى الواجب علـى الـمتـمتع من الصوم، وقد علـمتـم أن الـمتـمتع غير مخير بـين الصيام والإطعام والهدي، ولا هو متلف شيئاً وجبت علـيه منه الكفـارة، وإنـما هو تارك عملاً من الأعمال، وتركتـم ردّ الواجب علـيه وهو متلف بحلق رأسه ما كان مـمنوعاً من إتلافه، ومخير بـين الكفـارات الثلاث، نظير مصيب الصيد، الذي هو بإصابته إياه له متلف ومخير فـي تكفـيره بـين الكفـارات الثلاث؟ وهل بـينكم وبـين من خالفكم فـي ذلك وجعل الـحالق قـياساً لـمصيب الصيد، وجمع بـين حكميهما لاتفـاقهما فـي الـمعانـي التـي وصفنا، وخالف بـين حكمه وحكم الـمتـمتع فـي ذلك لاختلاف أمرهما فـيـما وصفنا فرق من أصل أو نظير؟ فلن يقولوا فـي ذلك قولاً إلا ألزموا فـي الآخر مثله، مع أن اتفـاق الـحجة علـى تـخطئة قائل هذا القول فـي قوله هذا كفـاية عن الاستشهاد علـى فساده بغيره، فكيف وهو مع ذلك خلاف ما جاءت به الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقـياس علـيه بـالفساد شاهد؟

واختلف أهل العلـم فـي الـموضع الذي أمر الله أن ينسك نسك الـحلق ويطعم فديته، فقال بعضهم: النسك والإطعام بـمكة لا يجزىء بغيرها من البلدان. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يحيى بن طلـحة، قال: ثنا فضيـل بن عياض، عن هشام، عن الـحسن، قال: ما كان من دم أو صدقة فبـمكة، وما سوى ذلك حيث شاء.

حدثنـي يحيى بن طلـحة، ثنا فضيـل، عن لـيث، عن طاوس، قال: كل شيء من الـحجّ فبـمكة، إلا الصوم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: سألت عطاء عن النسك، قال: النسك بـمكة لا بد.

حدثنا ابن حميد قال: ثنا هارون، عن عنبسة، عن ابن أبـي نـجيح، عن عطاء، قال: الصدقة والنسك فـي الفدية بـمكة، والصيام حيث شئت.

حدثنـي يعقوب قال: ثنا هشيـم، قال: ثنا لـيث، عن طاوس أنه كان يقول: ما كان من دم أو طعام فبـمكة، وما كان من صيام فحيث شاء.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا شبل، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: النسك بـمكة أو بـمنى.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: النسك بـمكة أو بـمنى، والطعام بـمكة.

وقال آخرون: النسك فـي الـحلق والإطعام والصوم حيث شاء الـمفتدي. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن يعقوب بن خالد، قال: أخبرنـي أبو أسماء مولـى ابن جعفر، قال: حجّ عثمان ومعه علـيّ والـحسين بن علـي رضوان الله علـيهم، فـارتـحل عثمان قال أبو أسماء: وكنت مع ابن جعفر قال: فإذا نـحن برجل نائم وناقته عند رأسه، قال: فقلنا له: أيها النائم فـاستـيقظ، فإذا الـحسين بن علـيّ. قال: فحمله ابن جعفر حتـى أتـى به السُّقْـيا. قال: فأرسل إلـى علـيّ، فجاء ومعه أسماء بنت عميس. قال: فمرّضناه نـحوا من عشرين لـيـلة. قال: فقال علـيّ للـحسين: ما الذي تـجد؟ قال: فأومأ إلـى رأسه. قال: فأمر به علـيّ فحلق رأسه، ثم دعا ببدنة فنـحرها.

حدثنا مـجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن يعقوب بن خالد بن عبد الله بن الـمسيب الـمخزومي أخبره أنه سمع أبـا أسماء مولـى عبد الله بن جعفر، يحدث: أنه خرج مع عبد الله بن جعفر يريد مكة مع عثمان، حتـى إذا كنا بـين السقـيا والعرج اشتكى الـحسين بن علـيّ، فأصبح فـي مقـيـله الذي قال فـيه بـالأمس. قال أبو أسماء: فصحبته أنا وعبد الله بن جعفر، فإذا راحلة حسين قائمة وحسين مضطجع، فقال عبد الله بن جعفر: إن هذه لراحلة حسين. فلـما دنا منه قال له: أيها النائم وهو يظنّ أنه نائم فلـما دنا منه وجده يشتكي، فحمله إلـى السقـيا، ثم كتب إلـى علـيّ فقدم إلـيه إلـى السقـيا فمرضه قريبـاً من أربعين لـيـلة. ثم إن علـياً قـيـل له: هذا حسين يشير إلـى رأسه، فدعا علـيّ بجزور فنـحرها، ثم حلق رأسه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مـحمد بن بكر، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرنـي يحيى بن سعيد، قال: أقبل حسين بن علـيّ مع عثمان حراما، حسبت أنه اشتكى بـالسقـيا. فذكر ذلك لعلـيّ، فجاء هو وأسماء بنت عميس، فمرّضوه عشرين لـيـلة، فأشار حسين إلـى رأسه، فحلقه ونـحر عنه جزوراً. قلت: فرجع به؟ قال: لا أدري.

وهذا الـخبر يحتـمل أن يكون ما ذكر فـيه من نـحر علـيّ عن الـحسين الناقة قبل حلقه رأسه، ثم حلقه رأسه بعد النـحر إن كان علـى ما رواه مـجاهد عن يزيد كان علـى وجه الإحلال من الـحسين من إحرامه للإحصار عن الـحجّ بـالـمرض الذي أصابه، وإن كان علـى ما رواه يعقوب عن هشيـم من نـحر علـيّ عنه الناقة بعد حلقه رأسه أن يكون علـى وجه الافتداء من الـحلق، وأن يكون كان يرى أن نسك الفدية يجزىء نـحره دون مكة والـحرم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد، قال: الفدية حيث شئت.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا حجاج، عن الـحكم، عن إبراهيـم فـي الفدية فـي الصدقة والصوم والدم: حيث شاء.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا عبـيدة، عن إبراهيـم أنه كان يقول، فذكر مثله.

وقال آخرون: ما كان من دم نسك فبـمكة، وما كان من إطعام وصيام فحيث شاء الـمفتدي. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا حجاج، وعبد الـملك وغيرهما، عن عطاء أنه كان يقول: ما كان من دم فبـمكة، وما كان من طعام وصيام فحيث شاء.

وعلة من قال: الدم والإطعام بـمكة، القـياس علـى هدي جزاء الصيد وذلك أن الله شرط فـي هديه بلوغ الكعبة فقال: { يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ } [المائدة: 95]. قالوا: فكل هدي وجب من جزاء أو فدية فـي إحرام، فسبـيـله سبـيـل جزاء الصيد فـي وجوب بلوغه الكعبة. قالوا: وإذا كان ذلك حكم الهدي كان حكم الصدقة مثله، لأنها واجبة لـمن وجب علـيه الهدي، وذلك أن الإطعام فدية وجزاء كالدم، فحكمهما واحد.

وأما علة من زعم أن للـمفتدي أن ينسك حيث شاء ويتصدّق ويصوم أن الله لـم يشترط علـى الـحالق رأسه من أذى هدياً، وإنـما أوجب علـيه نسكاً أو إطعاماً أو صياماً، وحيثما نسك أو أطعم أو صام فهو ناسك ومطعم وصائم، وإذا دخـل فـي عداد من يستـحقّ ذلك الاسم كان مؤدّياً ما كلفه الله، لأن الله لو أراد من إلزام الـحالق رأسه فـي نسكه بلوغ الكعبة لشرط ذلك علـيه، كما شرط فـي جزاء الصيد، وفـي ترك اشتراط ذلك علـيه دلـيـل واضح، أنه حيث نسك أو أطعم أجزأ.

وأما علة من قال: النسك بـمكة والصيام والإطعام حيث شاء، فـالنسك دم كدم الهدي، فسبـيـله سبـيـل هدي قاتل الصيد.

وأما الإطعام فلـم يشترط الله فـيه أن يصرف إلـى أهل مسكنة مكان دون مكان، كما شرط فـي هدي الـجزاء بلوغ الكعبة، فلـيس لأحد أن يدّعي أن ذلك لأهل مكان دون مكان، إذْ لـم يكن الله شرط ذلك لأهل مكان بعينه، كما لـيس لأحد أن يدّعى أن ما جعله الله من الهدي لساكنـي الـحرم لغيرهم، إذ كان الله قد خصّ أن ذلك لـمن به من أهل الـمسكنة.

والصواب من القول فـي ذلك، أن الله أوجب علـى حالق رأسه من أذى من الـمـحرمين فدية من صيام أو صدقة أو نسك، ولـم يشترط أن ذلك علـيه بـمكان دون مكان، بل أبهم ذلك وأطلقه، ففـي أي مكان نسك أو أطعم أو صام فـيجزي عن الـمفتدي وذلك لقـيام الـحجة علـى أن الله إذ حرم أمهات نسائنا فلـم يحصرهن علـى أنهن أمهات النساء الـمدخول بهن لـم يجب أن يكنّ مردودات الأحكام علـى الربـائب الـمـحصورات علـى أن الـمـحرمة منهن الـمدخول بأمها، فكذلك كل مبهمة فـي القرآن غير جائز ردّ حكمها علـى الـمفسرة قـياساً، ولكن الواجب أن يحكم لكل واحدة منهما بـما احتـمله ظاهر التنزيـل إلا أن يأتـي فـي بعض ذلك خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم بإحالة حكم ظاهره إلـى بـاطنه، فـيجب التسلـيـم حينئذ لـحكم الرسول، إذ كان هو الـمبـين عن مراد الله. وأجمعوا علـى أن الصيام مـجزىء عن الـحالق رأسه من أذى حيث صام من البلاد.

واختلفوا فـيـما يجب أن يفعل بنسك الفدية من الـحلق، وهل يجوز للـمفتدي الأكل منه أم لا؟ فقال بعضهم لـيس للـمفتدي أن يأكل منه، ولكن علـيه أن يتصدّق بجميعه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت عبد الـملك، عن عطاء، قال: ثلاث لا يؤكل منهنّ: جزاء الصيد، وجزاء النسك، ونذر الـمساكين.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام وهارون، عن عنبسة، عن سالـم، عن عطاء قال: لا تأكل من فدية، ولا من جزاء، ولا من نذر، وكل من الـمتعة، ومن الهدي التطوّع.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام وهارون، عن عنبسة، عن سالـم، عن مـجاهد، قال: جزاء الصيد والفدية والنذر لا يأكل منها صاحبها، ويأكل من التطوّع والتـمتع.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون، عن عمرو، عن الـحجاج، عن عطاء، قال: لا تأكل من جزاء، ولا من فدية، وتصدّق به.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا ابن جريج، قال: قال عطاء: لا يأكل من بدنته الذي يصيب أهله حراماً والكفـارات كذلك.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: ثنا عبد الـملك والـحجاج وغيرهما، عن عطاء أنه كان يقول: لا يؤكل من جزاء الصيد، ولا من النذر، ولا من الفدية، ويؤكل مـما سوى ذلك.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن لـيث، عن عطاء وطاوس ومـجاهد أنهم قالوا: لا يؤكل من الفدية. وقال مرة: من هدي الكفـارة، ولا من جزاء الصيد.

وقال بعضهم: له أن يأكل منه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا يحيى، عن عبـيد الله، قال: أخبرنـي نافع، عن ابن عمر قال: لا يؤكل من جزاء الصيد والنذر، ويؤكل مـما سوى ذلك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون، عن عنبسة، عن ابن أبـي لـيـلـى، قال: من الفدية وجزاء الصيد والنذر.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن حماد، قال: الشاة بـين ستة مساكين يأكل منه إن شاء، ويتصدّق علـى ستة مساكين.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنـي عبد الـملك، قال: ثنـي من سمع الـحسن، يقول: كل من ذلك كله، يعنـي من جزاء الصيد والنذر والفدية.

حدثنـي مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا خالد بن الـحرث، قال: ثنا الأشعث عن الـحسن أنه كان لا يرى بأساً بـالأكل من جزاء الصيد ونذر الـمساكين.

وعلة من حظر علـى الـمفتدي الأكل من فدية حلاقه وفدية ما لزمته منه الفدية، أن الله أوجب علـى الـحالق والـمتطيب ومن كان بـمثل حالهم فدية من صيام أو صدقة أو نسك، فلن يخـلو ذلك الذي أوجبه علـيه من الإطعام والنسك من أحد أمرين: إما أن يكون أوجبه علـيه لنفسه أو لغيره أو له ولغيره، فإن كان أوجبه لغيره فغير جائز له أن يأكل منه، لأن ما لزمه لغيره فلا يجزيه فـيه إلا الـخروج منه إلـى من وجب له أو يكون له وحده، وما وجب له فلـيس علـيه لأنه غير مفهوم فـي لغة أن يقال: وجب علـى فلان لنفسه دينار أو درهم أو شاة، وإنـما يجب له علـى غيره، فأما علـى نفسه فغير مفهوم وجوبه. أو يكون وجب علـيه له ولغيره، فنصيبه الذي وجب له من ذلك غير جائز أن يكون علـيه لـما وصفنا. وإذا كان ذلك كذلك كان الواجب علـيه ما هو لغيره وما هو لغيره بعض النسك، وإذا كان ذلك كذلك فإنـما وجب علـيه بعض النسك لا النسك كله.

قالوا: وفـي إلزام الله إياه النسك تاما ما يبـين عن فساد هذا القول.

وعلة من قال له أن يأكل من ذلك أن الله أوجب علـى الـمفتدي نسكاً، والنسك فـي معانـي الأضاحي وذلك هو ذبح ما يجزي فـي الأضاحي من الأزواج الثمانـية.

قالوا: ولـم يأمر الله بدفعه إلـى الـمساكين. قالوا: فإذا ذبح فقد نسك، وفعل ما أمره الله، وله حينئذ الأكل منه، والصدقة منه بـما شاء، وإطعام ما أحبّ منه من أحب، كما له ذلك فـي أضحيته.

والذي نقول به فـي ذلك: أن الله أوجب علـى الـمفتدي نسكا إن اختار التكفـير بـالنسك، ولن يخـلو الواجب علـيه فـي ذلك من أن يكون ذبحه دون غيره، أو ذبحه والتصدّق به. فإن كان الواجب علـيه فـي ذلك ذبحه، فـالواجب أن يكون إذا ذبح نسكاً فقد أدى ما علـيه، وإن أكل جميعه ولـم يطعم مسكيناً منه شيئاً، وذلك ما لا نعلـم أحداً من أهل العلـم قاله، أو يكون الواجب علـيه ذبحه والصدقة به فإن كان ذلك علـيه، فغير جائز له أكل ما علـيه أن يتصدّق به، كما لو لزمته زكاة فـي ماله لـم يكن له أن يأكل منها، بل كان علـيه أن يعطيها أهلها الذين جعلها الله لهم. ففـي إجماعهم علـى أن ما ألزمه الله من ذلك فإنـما ألزمه لغيره، دلالة واضحة علـى حكم ما اختلفوا فـيه من غيره.

ومعنى النسك: الذبح لله فـي لغة العرب، يقال: نسك فلان لله نسيكة، بـمعنى: ذبح لله ذبـيحة يَنْسكها نَسكاً. كما:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: حدثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قال: النسك: أن يذبح شاة.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{ فإذَا أمِنْتُـمْ}.

اختلف أهل التأويـل فـي معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: فإذا برأتـم من مرضكم الذي أحصركم عن حجكم أو عمرتكم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي عبـيد بن إسماعيـل الهبـاري، قال: ثنا عبد الله بن نـمير، عن الأعمش، عن إبراهيـم، عن علقمة: {فإذَا أمِنْتُـمْ} فإذا برأتـم.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن هشام بن عروة، عن أبـيه فـي قوله:{ فإذَا أمِنْتُـمْ فَمَنْ تَـمَتَّعَ بـالعُمْرَةِ إلـى الـحَجِّ} يقول: فإذا أمنت حين تـحصر إذا أمنت من كسرك من وجعك، فعلـيك أن تأتـي البـيت فـيكون لك متعة، فلا تـحل حتـى تأتـي البـيت.

وقال آخرون: معنى ذلك: فإذا أمنتـم من وجع خوفكم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله:{ فإذَا أمِنْتُـمْ} لتعلـموا أن القوم كانوا خائفـين يومئذ.

حدثت عن عمار بن الـحسن، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع:{ فإذَا أمِنْتُـمْ} قال: إذا أمن من خوفه، وبرأ من مرضه.

وهذا القول أشبه بتأويـل الآية، لأن الأمن هو خلاف الـخوف، لا خلاف الـمرض، إلا أن يكون مرضاً مخوفـاً منه الهلاك، فـيقال: فإذا أمنتـم الهلاك من خوف الـمرض وشدته، وذلك معنى بعيد.

وإنـما قلنا: إن معناه الـخوف من العدو لأن هذه الآيات نزلت علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الـحديبـية وأصحابه من العدو خائفون، فعرفهم الله بها ما علـيهم إذا أحصرهم خوف عدوهم عن الـحج، وما الذي علـيهم إذا هم أمنوا من ذلك، فزال عنهم خوفهم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{ فَمَنْ تَـمَتَّعَ بـالعُمْرَةِ إلـى الـحَجِّ فَمَا اسْتَـيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ}.

يعنـي بذلك جل ثناؤه: فإن أحصرتـم أيها الـمؤمنون، فما استـيسر من الهدي، فإذا أمنتـم فزال عنكم خوفكم من عدوكم أو هلاككم من مرضكم فتـمتعتـم بعمرتكم إلـى حجكم، فعلـيكم ما استـيسر من الهدي.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي صفة التـمتع الذي عنى الله بهذه الآية، فقال بعضهم: هو أن يحصره خوف العدو، وهو مـحرم بـالـحج أو مرض أو عائق، من العلل حتـى يفوته الـحج، فـيقدم مكة، فـيخرج من إحرامه بعمل عمرة، ثم يحل فـيستـمتع بإحلاله من إحرامه ذلك إلـى السنة الـمستقبلة، ثم يحج ويهدي، فـيكون متـمتعاً بـالإحلال من لدن يحل من إحرامه الأوّل إلـى إحرامه الثانـي من القابل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا عمران بن موسى البصري، قال: ثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: ثنا إسحاق بن سويد، قال: سمعت ابن الزبـير وهو يخطب، وهو يقول: يا أيها الناس، والله ما التـمتع بـالعمرة إلـى الـحجّ كما تصنعون، إنـما التـمتع أن يهلّ الرجل بـالـحجّ فـيحصره عدوّ أو مرض أو كسر أو يحبسه أمر حتـى تذهب أيام الـحجّ فـيقدم فـيجعلها عمرة، فـيتـمتع بحله إلـى العام القابل ثم يحجّ ويهدي هدياً، فهذا التـمتع بـالعمرة إلـى الـحجّ.

حدثنا الـحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبـي نـجيح، عن عطاء قال: كان ابن الزبـير يقول: الـمتعة لـمن أحصر. قال: وقال ابن عبـاس: هي لـمن أحصر ومن خـلـيت سبـيـله.

حدثنـي ابن البرقـي، قال: ثنا ابن أبـي مريـم، قال: أخبرنا نافع بن يزيد، قال: أخبرنـي ابن جريج قال: قال عطاء: كان ابن الزبـير يقول: إنـما الـمتعة للـحصر ولـيست لـمن خـلـي سبـيـله.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فإن أحصرتـم فـي حجكم فما استـيسر من الهدي، فإذا أمنتـم وقد حللتـم من إحرامكم ولـم تقضوا عمرة تـخرجون بها من إحرامكم بحجكم ولكن حللتـم حين أحصرتـم بـالهدي وأخرتـم العمرة إلـى السنة القابلة فـاعتـمرتـم فـي أشهر الـحج ثم حللتـم فـاستـمتعتـم بإحلالكم إلـى حجكم، فعلـيكم ما استـيسر من الهدي. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي عبـيد بن إسماعيـل الهبـاري، قال: ثنا عبد الله بن نـمير، عن الأعمش، عن إبراهيـم عن علقمة:{ فإنْ أُحْصِرْتُـمْ } قال: إذا أهلّ الرجل بـالـحجّ فأحصر. قال: يبعث بـما استـيسر من الهدي شاة. قال: فإن عجل قبل أن يبلغ الهدي مـحله، وحلق رأسه، أو مسّ طيبـاً، أو تداوى، كان علـيه فدية من صيام، أو صدقة، أو نسك.{ فإذَا أمِنْتُـمْ } فإذا برأ فمضى من وجهه ذلك حتـى أتـى البـيت حلّ من حجه بعمرة وكان علـيه الـحجّ من قابل. وإن هو رجع ولـم يتـمّ إلـى البـيت من وجهه ذلك، فإنّ علـيه حجة وعمرة ودماً لتأخيره العمرة. فإن هو رجع متـمتعاً فـي أشهر الـحجّ، فإن علـيه ما استـيسر من الهدي شاة، فمن لـم يجد فصيام ثلاثة أيام فـي الـحجّ وسبعة إذا رجع. قال إبراهيـم: فذكرت ذلك لسعيد بن جبـير، فقال: كذلك قال ابن عبـاس فـي ذلك كله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله:{ فإنْ أُحْصِرْتُـمْ فَمَا اسْتَـيْسَرَ مِنَ الهَدْي} قال: هذا رجل أصابه خوف أو مرض أو حابس حبسه حتـى يبعث بهديه، فإذا بلغت مـحلها صار حلالاً. فإن أمن أو برأ ووصل إلـى البـيت فهي له عمرة وأحل وعلـيه الـحجّ عاماً قابلاً. وإن هو لـم يصل إلـى البـيت حتـى يرجع إلـى أهله، فعلـيه عمرة وحجة وهدي. قال قتادة: والـمتعة التـي لا يتعاجم الناس فـيها أن أصلها كان هكذا.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيـم فـي قوله:{ فإذَا أمِنْتُـمْ فَمَنْ تَـمَتَّعَ بـالعُمْرَةِ إلـى الـحَجّ } إلـى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ} قال: هذا الـمـحصر إذا أمن فعلـيه الـمتعة فـي الـحجّ وهدي الـمتـمتع، فإن لـم يجد فـالصيام، فإن عجل العمرة قبل أشهر الـحجّ فعلـيه فـيها هدي.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا بشر بن السريّ، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلـمة، عن علـيّ:{ فإذَا أمِنْتُـمْ فَمَنْ تَـمَتَّعَ بـالعُمْرَةِ إلـى الـحَجّ} فإن أخر العمرة حتـى يجمعها مع الـحجّ فعلـيه الهدي.

وقال آخرون: عَنَى بذلك الـمـحصر وغير الـمـحصر. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي ابن البرقـي، قال: ثنا ابن أبـي مريـم، قال: أخبرنا نافع بن يزيد، قال: أخبرنـي ابن جريج، قال: أخبرنـي عطاء أن ابن عبـاس كان يقول: الـمتعة لـمن أحصر، ولـمن خـلـي سبـيـله. وكان ابن عبـاس يقول: أصابت هذه الآية الـمـحصر ومن خـلـيت سبـيـله.

وقال آخرون: معنى ذلك: فمن فسخ حجه بعمرة، فجعله عمرة، واستـمتع بعمرته إلـى حجه، فعلـيه ما استـيسر من الهدي. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي قوله:{ فإذَا أمِنْتُـمْ فَمَنْ تَـمَتَّعَ بـالعُمْرَةِ إلـى الـحَجّ فَمَا اسْتَـيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ} أما الـمتعة فـالرجل يحرم بحجة، ثم يهدمها بعمرة. وقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي الـمسلـمين حاجاً، حتـى إذا أتوا مكة قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أحَبَّ مِنْكمْ أنْ يَحِلَّ فَلْـيَحِلَّ" ، قالوا: فما لك يا رسول الله؟ قال: "أنَا مَعِي هَدْيٌ" .

وقال آخرون: بل ذلك الرجل يقدم معتـمراً من أفق من الآفـاق فـي أشهر الـحج، فإذا قضى عمرته أقام حلالاً بـمكة حتـى ينشىء منها الـحج، فـيحج من عامه ذلك، فـيكون مستـمتعاً بإحلال إلـى إحرامه بـالـحج. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله عز وجل:{ فَمَنْ تَـمَتَّعَ بـالعُمْرَةِ إلـى الـحَجّ} من يوم الفطر إلـى يوم عرفة، فعلـيه ما استـيسر من الهدي.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: ثنا أيوب، وحدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، قال: أخبرنا أيوب، عن نافع، قال: قدم ابن عمر مرة فـي شوال، فأقمنا حتـى حججنا، فقال: إنكم قد استـمتعتـم إلـى حجكم بعمرة، فمن وجد منكم أن يهدي فلـيهد، ومن لا فلـيصم ثلاثة أيام وسبعة إذا رجع إلـى أهله.

حدثنا ابن بشار، وعبد الـحميد بن بـيان قال ابن بشار: حدثنا، وقال عبد الـحميد: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن نافع، أنه أخبره أنه خرج مع ابن عمر معتـمرين فـي شوال، فأدركهما الـحج وهما بـمكة، فقال ابن عمر: من اعتـمر معنا فـي شوال ثم حج، فهو متـمتع علـيه ما استـيسر من الهدي، فمن لـم يجد فصيام ثلاثة أيام فـي الـحجّ وسبعة إذا رجع.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون، عن عنبسة، عن لـيث، عن عطاء فـي رجل اعتـمر فـي غير أشهر الـحجّ، فساق هدياً تطوّعاً، فقدم مكة فـي أشهر الـحجّ، قال: إن لـم يكن يريد الـحجّ، فلـينـحر هديه ثم لـيرجع إن شاء، فإن هو نـحر الهدي وحلّ، ثم بدا له أن يقـيـم حتـى يحجّ، فلـينـحر هدياً آخر لتـمتعه، فإن لـم يجد فلـيصم.

حدثنا ابن حميد، ثنا هارون، عن عنبسة، عن ابن أبـي لـيـلـى، مثل ذلك.

حدثنا عبد الـحميد بن بـيان، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن الـمسيب بأنه كان يقول: من اعتـمر فـي شوّال أو فـي ذي القعدة ثم أقام بـمكة حتـى يحجّ، فهو متـمتع، علـيه ما علـى الـمتـمتع.

حدثنا يعقوب، قال: ثنا هشيـم، عن حجاج، عن عطاء مثل ذلك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: حدثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس قوله:{ فَمَنْ تَـمَتَّعَ بـالعُمْرَةِ إلـى الـحَجّ فَمَا اسْتَـيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ } يقول: من أحرم بـالعمرة فـي أشهر الـحجّ، فما استـيسر من الهدي.

حدثنا ابن البرقـي، قال: ثنا ابن أبـي مريـم، قال: أخبرنا نافع، قال: أخبرنـي ابن جريج، قال: كان عطاء يقول: الـمتعة لـخـلق الله أجمعين، الرجل، والـمرأة، والـحرّ، والعبد، هي لكل إنسان اعتـمر فـي أشهر الـحجّ ثم أقام ولـم يبرح حتـى يحجّ، ساق هدياً مقلداً أو لـم يسق إنـما سميت الـمتعة من أجل أنه اعتـمر فـي شهور الـحجّ فتـمتع بعمرة إلـى الـحجّ، ولـم تسمّ الـمتعة من أجل أنه يحلّ بتـمتع النساء.

وأولـى هذه الأقوال بتأويـل الآية قول من قال: عَنَى بها: فإن أحصرتـم أيها الـمؤمنون فـي حجكم فما استـيسر من الهدي، فإذا أمنتـم فمن تـمتع مـمن حلّ من إحرامه بـالـحجّ بسبب الإحصار بعمرة اعتـمرها لفوته الـحجّ فـي السنة القابلة فـي أشهر الـحجّ إلـى قضاء الـحجة التـي فـاتته حين أحصر عنها، ثم دخـل فـي عمرته فـاستـمتع بإحلاله من عمرته إلـى أن يحجّ، فعلـيه ما استـيسر من الهدي، وإن كان قد يكون متـمتعاً من أنشأ عمرة فـي أشهر الـحجّ وقضاها ثم حلّ من عمرته وأقام حلالاً حتـى يحجّ من عامه غير أن الذي هو أولـى بـالذي ذكره الله فـي قوله:{ فَمَنْ تَـمَتَّعَ بـالعُمْرَةِ إلـى الـحَجّ } هو ما وصفنا من أجل أن الله جل وعز أخبر عما علـى الـمـحصر عن الـحجّ والعمرة من الأحكام فـي إحصاره، فكان مـما أخبر تعالـى ذكره أنه علـيه إذا أمن من إحصاره فتـمتع بـالعمرة إلـى الـحجّ ما استـيسر من الهدي، فإن لـم يجد فصيام ثلاثة أيام كان معلوماً بذلك أنه معنـيّ به اللازم له عند أمنه من إحصاره من العمل بسبب الإحلال الذي كان منه فـي حجه الذي أحصر فـيه دون الـمتـمتع الذي لـم يتقدم عمرته ولا حجه إحصار مرض ولا خوف.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{ فَمَنْ لَـمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيَّامٍ فِـي الـحَجّ}.

يعنـي بذلك جل ثناؤه: فما استـيسر من الهدي، فهَدْيه جزاء لاستـمتاعه بإحلاله من إحرامه الذي حلّ منه حين عاد لقضاء حجته التـي أحصر فـيها وعمرته التـي كانت لزمته بفوت حجته، فإن لـم يجد هدياً فعلـيه صيام ثلاثة أيام فـي الـحجّ فـي حجه وسبعة إذا رجع إلـى أهله.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي الثلاثة أيام التـي أوجب الله علـيه صومهنَّ فـي الـحجّ أي أيّ أيام الـحجّ هن؟ فقال بعضهم: هن ثلاثة أيام من أيام حجه، أيّ أيام شاء بعد أن لا يتـجاوز بآخرهن يوم عرفة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـحسين بن مـحمد الذارع، قال: ثنا حميد بن الأسود، قال: ثنا جعفر بن مـحمد، عن أبـيه عن علـيّ رضي الله عنه:{ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيَّامٍ فِـي الـحَجّ} قال: قبل التروية يوما، ويوم التروية، ويوم عرفة.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا إبراهيـم بن إسماعيـل بن نصر، عن ابن أبـي حبـيبة، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عبـاس أنه قال: الصيام للـمتـمتع ما بـين إحرامه إلـى يوم عرفة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر فـي قوله:{ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيَّامٍ فِـي الـحَجّ } قال: يوم قبل التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة، وإذا فـاته صامها أيام منى.

حدثنا الـحسين بن مـحمد الذارع، قال: ثنا حميد بن الأسود، عن هشام بن عروة، عن عروة، قال: الـمتـمتع يصوم قبل التروية يوما، ويوم التروية، ويوم عرفة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الـحسن فـي قوله:{ فَمَنْ لَـمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيَّامٍ فِـي الـحَجّ} قال: آخرهن يوم عرفة.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، عن شعبة، قال: سألت الـحكم عن صوم ثلاثة أيام فـي الـحج، قال: يصوم قبل التروية يوماً، ويوم التروية، ويوم عرفة.

حدثنـي عبـيد بن إسماعيـل الهبـاري، قال: ثنا عبد الله بن نـمير، عن الأعمش، عن إبراهيـم:{ فَمَنْ لَـمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيَّامٍ فِـي الـحَجّ } أنه قال: آخرها يوم عرفة.

حدثنا أبو كريب قال: ثنا بشير، قال: ثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبـير أنه قال فـي الـمتـمتع إذا لـم يجد الهدي: صام يوماً قبل يوم التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام بن سلـم، وهارون عن عنبسة، عن ابن أبـي نـجيح، عن عطاء، قال: يصوم الـمتـمتع الثلاثة الأيام لـمتعته فـي العشر إلـى يوم عرفة. قال: وسمعت مـجاهداً وطاوساً يقولان: إذا صامهن فـي أشهر الـحجّ أجزأه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام وهارون عن عنبسة، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: صوم ثلاثة أيام للـمتـمتع، إذا لـم يجد ما يهدي يصوم فـي العشر إلـى يوم عرفة متـى صام أجزأه، فإن صام الرجل فـي شوّال أو ذي القعدة أجزأه.

حدثنـي مـحمد بن عبد الله بن عبد الـحكم، قال: ثنا بشر بن بكر، عن الأوزاعي، قال: ثنـي يعقوب بن عطاء، أن عطاء بن أبـي ربـاح، كان يقول: من استطاع أن يصومهنّ فـيـما بـين أوّل يوم من ذي الـحجة إلـى يوم عرفة فلـيصم.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن يونس، عن الـحسن فـي قوله: فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيَّامٍ فِـي الـحَجّ قال: آخرها يوم عرفة.

حدثنا يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن داود، وحدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عامر فـي هذه الآية: {فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيَّامٍ فِـي الـحَجّ} قال: قبل يوم التروية يوما، ويوم التروية، ويوم عرفة.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{ فَمَنْ لَـمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيَّامٍ فِـي الـحَجّ } آخرهن يوم عرفة من ذي الـحجة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله:{ فَمَنْ لَـمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيَّامٍ فِـي الـحَجّ } قال: كان يقال عرفة وما قبلها يومين من العشر.

حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي:{ فَمَنْ لَـمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيَّامٍ فِـي الـحَجّ} قال: فآخرها يوم عرفة.

حدثنـي أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: ثنا أبو أحمد، قال: أخبرنا إسرائيـل، عن سالـم، عن سعيد بن جبـير:{ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيَّامٍ فِـي الـحَجّ} قال: آخرها يوم عرفة.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا قطر، عن عطاء:{ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيَّامٍ فِـي الـحَجّ} قال: آخرها يوم عرفة.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع فـي قوله:{ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيَّامٍ فِـي الـحَجّ } قال: عرفة وما قبلها من العشر.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مـجاهد وإبراهيـم، قالا: صيام ثلاثة أيام فـي الـحج فـي العشر آخرهن عرفة.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن يزيد بن خير، قال: سألت طاوساً عن صيام ثلاثة أيام فـي الـحج، قال: آخرهن يوم عرفة.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله:{ فَمَنْ تَـمَتَّعَ بـالعُمْرَةِ إلـى الـحَجّ } إلـى:{ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُـمْ } وهذا علـى الـمتـمتع بـالعمرة إذا لـم يجد هدياً فعلـيه صيام ثلاثة أيام فـي الـحجّ قبل يوم عرفة، فإن كان يوم عرفة الثالث فقد تـمّ صومه وسبعة إذا رجع إلـى أهله.

حدثنـي أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا زياد بن الـمنذر، عن أبـي جعفر:{ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيَّامٍ فِـي الـحَجّ} قال: آخرها يوم عرفة.

وقال آخرون: بل آخرهن انقضاء يوم منى. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ بن سهل، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفـيان، عن جعفر بن مـحمد، عن أبـيه أن علـيا كان يقول: من فـاته صيام ثلاثة أيام فـي الـحجّ صامهنّ أيام التشريق.

حدثنـي أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وهب، قال: ثنـي عمي عبد الله بن وهب، قال: ثنـي يونس عن الزهري، عن عروة بن الزبـير، قال: قالت عائشة: يصوم الـمتـمتع الذي يفوته الصيام أيام منى.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، قال: ثنا أيوب، عن نافع، قال: قال ابن عمر: من فـاته صيام الثلاثة الأيام فـي الـحجّ، فلـيصم أيام التشريق فإنهنّ من الـحج.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمر بن مـحمد أن نافعاً حدّثه أن عبد الله بن عمر قال: من اعتـمر فـي أشهر الـحجّ فلـم يكن معه هدي ولـم يصم الثلاثة الأيام قبل أيام التشريق، فلـيصم أيام منى.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت عبد الله بن عيسى بن أبـي لـيـلـى يحدّث عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، وعن سالـم، عن عبد الله بن عمر أنهما قالا: لـم يرخص فـي أيام التشريق أن يصوم إلا لـمن يجد هدياً.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا عبد الأعلـى، قال: ثنا هشام، عن عبـيد الله، عن نافع عن ابن عمر قال: إذا لـم يصم الثلاثة الأيام قبل النـحر صام أيام التشريق، فإنها من أيام الـحجّ.

وذكر هشام بن عروة، عن أبـيه، عن عائشة قال:

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد عن هشام بن عروة، عن أبـيه فـي هذه الآية:{ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيَّامٍ فِـي الـحَجّ } قال: هي أيام التشريق.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن يونس، عن أبـي إسحاق، عن وبرة، عن ابن عمر، قال: يصوم يوماً قبل التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة. قال: وقال عبـيد بن عمير: يصوم أيام التشريق.

وعلة من قال: آخر الثلاثة الأيام التـي أوجب الله صومهنّ فـي الـحجّ علـى من لـم يجد الهدي من الـمتـمتعين يوم عرفة، أن الله جل ثناؤه أوجب صومهنّ فـي الـحجّ بقوله:{ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيَّامٍ فِـي الـحَجّ} قالوا: وإذا انقضى يوم عرفة فقد انقضى الـحجّ، لأن يوم النـحر يوم إحلال من الإحرام.

قالوا: وقد أجمع الـجميع أنه غير جائز له صوم يوم النـحر قالوا: فإن يكن إجماعهم علـى أن ذلك له غير جائز من أجل أنه لـيس من أيام الـحجّ، فأيام التشريق بعده أحرى أن لا تكون من أيام الـحجّ لأن أيام الـحجّ متـى انقضت من سنة، فلن تعود إلـى سنة أخرى بعدها. أو يكون إجماعهم علـى أن ذلك له غير جائز من أجل أنه يوم عيد، فأيام التشريق التـي بعده فـي معناه لأنها أيام عيد، وأن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قد نهى عن صومهن كما نهى عن صوم يوم النـحر.

قالوا: وإذا كان يفوت صومهن بـمضيّ يوم عرفة لـم يكن إلـى صيامهن فـي الـحجّ سبـيـل لأن الله شرط صومهن فـي الـحجّ، فلـم يجز عنه إلا الهدي الذي فرضه الله علـيه لـمتعته.

وعلة من قال: آخر الأيام الثلاثة التـي ذكرها الله فـي كتابه انقضاء آخر أيام منى، أن الله أوجب علـى الـمتـمتع ما استـيسر من الهدي، ثم الصيام إن لـم يجد إلـى الهدي سبـيلاً.

قالوا: وإنـما يجب علـيه نـحر هدي الـمتعة يوم النـحر، ولو كان له واجداً قبل ذلك. قالوا: فإذا كان ذلك كذلك فإنـما رخص له فـي الصوم يوم يـلزمه نـحر الهدي فلا يجد إلـيه سبـيلاً. قالوا: والوقت الذي يـلزمه فـيه نـحر الهدي يوم النـحر والأيام التـي بعده من أيام النـحر، فأما قبل ذلك فلـم يـمكن نـحره. قالوا: فإذا كان النـحر لـم يكن له لازماً قبل ذلك، وإنـما لزمه يوم النـحر فإنـما لزمه الصوم يوم النـحر، وذلك حين عدم الهدي فلـم يجده، فوجب علـيه الصوم.

قالوا: وإذا كان ذلك كذلك، فـالصوم إنـما يـلزمه أوله فـي الـيوم الذي يـلـي يوم النـحر، وذلك أن النـحر إنـما كان لزمه من بعد طلوع الفجر، ومن ذلك الوقت إذا لـم يجده يكون له الصوم. قالوا: وإذا طلع فجر يوم ولـم يـلزمه صومه قبل ذلك إذا كان الصوم لا يكون فـي بعض نهار يوم فـي واجب، علـم أن الواجب علـيه الصوم من الـيوم الذي يـلـيه إلـى انقضاء الأيام الثلاثة بعد يوم النـحر من أيام التشريق.

قالوا: ولا معنى لقول القائل: إن أيام منى لـيست من أيام الـحج لأنهن ينسك فـيهن بـالرمي والعكوف علـى عمل الـحجّ كما ينسك غير ذلك من أعمال الـحجّ فـي الأيام قبلها.

قالوا: هذا مع شهادة الـخبر الذي:

حدثنـي به مـحمد بن عبد الله بن عبد الـحكم، قال: ثنا يحيى بن سلام أن شعبة حدثه عن ابن أبـي لـيـلـى، عن الزهري، عن سالـم بن عبد الله بن عمر، عن أبـيه، قال: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للـمتـمتع إذا لـم يجد الهدي ولـم يصم حتـى فـاتته أيام العشر، أن يصوم أيام التشريق مكانها.

لصحة ما قلنا فـي ذلك من القول وخطأ قول من خالف قولنا فـيه.

حدثنـي يعقوب، قال: حدثنـي هشيـم، عن سفـيان بن حسين، عن الزهري، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة بن قـيس، فنادى فـي أيام التشريق، فقال: إن هذه أيام أكل وشرب وذكر الله، إلا من كان عليه صوم من هدي.

واختلف أهل العلم في أول الوقت الذي يجب علـى المتمتع الابتداء فـي صوم الأيام الثلاثة التـي قال الله عز وجل:{ فَمَنْ لَـمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيَّامٍ فِـي الحَجّ} والوقت الذي يجوز له فـيه صومهن، وإن لـم يكن واجبـاً علـيه فـيه صومهن. فقال بعضهم: له أن يصومهن من أول أشهر الـحج. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام وهارون، عن عنبسة، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد وطاوس أنهما كانا يقولان: إذا صامهنّ فـي أشهر الـحج أجزأه. قال: وقال مـجاهد: إذا لـم يجد الـمتـمتع ما يهدي فإنه يصوم فـي العشر إلـى يوم عرفة، متـى ما صام أجزأه، فإن صام الرجل فـي شوّال أو ذي القعدة أجزأه.

حدثنـي أحمد بن الـمغيرة، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: ثنا مـحمد بن مسلـم الطائفـي، عن عبد الله بن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: من صام يوماً فـي شوّال ويوماً فـي ذي القعدة ويوماً فـي ذي الـحجة، أجزأه عنه من صوم التـمتع.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن لـيث، عن مـجاهد، قال: إن شاء صام أوّل يوم من شوّال.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن لـيث، عن مـجاهد فـي قول الله جل وعز:{ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيَّامٍ فِـي الـحَجّ} قال: إن شاء صامها فـي العشر، وإن شاء فـي ذي القعدة، وإن شاء فـي شوّال.

وقال آخرون: يصومهنّ فـي عشر ذي الـحجة دون غيرها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام وهارون، عن عنبسة، عن ابن أبـي نـجيح، عن عطاء: يصوم الثلاثة الأيام للـمتعة فـي العشر إلـى يوم عرفة.

حدثنـي مـحمد بن عبد الله بن عبد الـحكم، قال: ثنا بشر بن بكر، عن الأوزاعي، قال: حدثنـي يعقوب أن عطاء بن أبـي ربـاح كان يقول: من استطاع أن يصومهنّ فـيـما بـين أول يوم من ذي الـحجة إلـى يوم عرفة فلـيصم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفـيان، عن ابن جريج، عن عطاء قال: ولا بأس أن يصوم الـمتـمتع فـي العشر وهو حلال.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا أبو شهاب، عن الـحجاج، عن أبـي جعفر، قال: لا يصام إلا فـي العشر.

حدثنـي أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا الربـيع، عن عطاء أنه كان يقول فـي صيام ثلاثة أيام فـي الـحجّ، قال: فـي تسع من ذي الـحجة أيها شئت، فمن صام قبل ذلك فـي شوّال وفـي ذي القعدة، فهو بـمنزلة من لـم يصم.

وقال آخرون: له أن يصومهن قبل الإحرام بـالـحج. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، قال: أخبرنا أيوب، عن عكرمة، قال: إذا خشي أن لا يدرك الصوم بـمكة صام بـالطريق يوما أو يومين.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: لا بأس أن تصوم الثلاثة الأيام فـي الـمتعة وأنت حلال.

وقال آخرون: لا يجوز أن يصومهنّ إلا بعد ما يحرم بـالـحج. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن مهدي، قال: ثنا سفـيان، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لا يصومهنّ إلا وهو حرام.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا إبراهيـم بن إسماعيـل بن نصر، عن ابن أبـي حبـيبة، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عبـاس أنه قال: الصيام للـمتـمتع ما بـين إحرامه إلـى يوم عرفة.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لا يجزيه صوم ثلاثة أيام وهو متـمتع إلا أن يحرم. وقال مـجاهد: يجزيه إذا صام فـي ذي القعدة.

والصواب من القول فـي ذلك عندي أن للـمتـمتع أن يصوم الأيام الثلاثة التـي أوجب الله علـيه صومهنّ لـمتعته إذا لـم يجد ما استـيسر من الهدي من أول إحرامه بـالـحج بعد قضاء عمرته واستـمتاعه بـالإحلال إلـى حجه إلـى انقضاء آخر عمل حجه وذلك بعد انقضاء أيام منى سوى يوم النـحر، فإنه غير جائز له صومه ابتدأ صومهن قبله أو ترك صومهن فأخره حتـى انقضاء يوم عرفة.

وإنـما قلنا: له صوم أيام التشريق، لـما ذكرنا من العلة لقائل ذلك قَبْلُ، فإن صامهنّ قبل إحرامه بـالـحج فإنه غير مـجزىء صومه ذلك من الواجب علـيه من الصوم الذي فرضه الله علـيه لـمتعته وذلك أن الله جل وعز إنـما أوجب الصوم علـى من لـم يجد هدياً مـمن استـمتع بعمرته إلـى حجه، فـالـمعتـمر قبل إحلاله من عمرته وقبل دخوله فـي حجه غير مستـحق اسم متـمتع بعمرته إلـى حجه، وإنـما يقال له قبل إحرامه معتـمر حتـى يدخـل بعد إحلاله فـي الـحج قبل شخوصه عن مكة، فإذا دخـل فـي الـحج مـحرماً به بعد قضاء عمرته فـي أشهر الـحج ومقامه بـمكة بعد قضاء عمرته حلالاً حتـى حج من عامه سمي متـمتعاً. فإذا استـحقّ اسم متـمتع لزمه الهدي، وحينئذ يكون له الصوم بعدمه الهدي إن عدمه فلـم يجده. فأما إن صامه قبل دخوله فـي الـحجّ وإن كان من نـيته الـحج، فإنـما هو رجل صام صوماً ينوي به قضاء عما عسى أن يـلزمه أو لا يـلزمه، فسبـيـله سبـيـل رجل معسر صام ثلاثة أيام ينوي بصومهن كفـارة يـمين لـيـمين يريد أن يحلف بها ويحنث فـيها، وذلك ما لا خلاف بـين الـجميع أنه غير مـجزىء من كفـارة إن حلف بها بعد الصوم فحنث.

فإن ظن ظانّ أن صوم الـمعتـمر بعد إحلاله من عمرته أو قبله وقبل دخوله فـي الـحج مـجزىء عنه من الصوم الذي أوجبه الله علـيه إن تـمتع بعمرته إلـى الـحج، نظير ما أجزأ الـحالف بـيـمين إذا كفر عنها قبل حنثه فـيها بعد حلفه بها فقد ظن خطأ لأن الله جعل ثناؤه جعل للـيـمين تـحلـيلاً هو غير تكفـير، فـالفـاعل فـيها قبل الـحنث فـيها ما يفعله الـمكفر بعد حنثه فـيها مـحلل غير مكفر. والـمتـمتع إذا صام قبل تـمتعه صائمٌ، تكفـيراً لـما يظنّ أنه يـلزمه ولـما يـلزمه، وهو كالـمكفر عن قتل صيد يريد قتله وهو مـحرم قبل قتله، وعن تطيب قبل تطيبه. ومن أبى ما قلنا فـي ذلك مـمن زعم أن للـمعتـمر الصوم قبل إحرامه بـالـحج، قـيـل له: ما قلت فـيـمن كفر من الـمـحرمين عن الواجب علـى من ترك رمي الـجمرات أيام منى يوم عرفة، وهو ينوي ترك الـجمرات، ثم أقام بـمنى أيام منى حتـى انقضت تاركاً رمي الـجمرات، هل يجزيه تكفـيره ذلك عن الواجب علـيه فـي ترك ما ترك من ذلك؟ فإن زعم أن ذلك يجزيه، سئل عن مثل ذلك فـي جميع مناسك الـحجّ التـي أوجب الله فـي تضيـيعه علـى الـمـحرم أو فـي فعله كفـارة، فإن سوّى بـين جميع ذلك فـاد قوله، وسئل عن نظير ذلك فـي العازم علـى أن يجامع فـي شهر رمضان، وهو مقـيـم صحيح إذا كفر قبل دخول الشهر، ودخـل الشهر ففعل ما كان عازماً علـيه هل تـجزيه كفـارته التـي كفر عن الواجب من وطئه ذلك، وكذلك يسئل عمن أراد أن يظاهر من امرأته، فإن فـاد قوله فـي ذلك، خرج من قول جميع الأمة. وإن أبى شيئاً من ذلك، سئل الفرق بـينه وبـين الصائم لـمتعته قبل تـمتعه وقبل إحرامه بـالـحجّ، ثم عكس علـيه القول فـي ذلك، فلن يقول فـي أحدهما شيئاً إلا ألزم فـي الآخر مثله.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتـمْ}.

يعنـي جل ثناؤه بذلك: فمن لـم يجد ما استـيسر من الهدي، فعلـيه صيام ثلاثة أيام فـي حجه وصيام سبعة أيام إذا رجع إلـى أهله ومصره.

فإن قال لنا قائل: أو ما يجب علـيه صوم السبعة الأيام بعد الأيام الثلاثة التـي يصومهن فـي الـحجّ إلا بعد رجوعه إلـى مصره وأهله؟ قـيـل: بل قد أوجب الله علـيه صوم الأيام العشرة بعدم ما استـيسر من الهدي لـمتعته، ولكن الله تعالـى ذكره رأفة منه بعبـاده رخص لـمن أوجب ذلك علـيه، كما رخص للـمسافر والـمريض فـي شهر رمضان الإفطار وقضاء عدّة ما أفطر من الأيام من أيام أخر. ولو تـحمل الـمتـمتع فصام الأيام السبعة فـي سفره قبل رجوعه إلـى وطنه، أو صامهنّ بـمكة، كان مؤدّياً ما علـيه من فرض الصوم فـي ذلك، وكان بـمنزلة الصائم شهر رمضان فـي سفره أو مرضه، مختاراً للعسر علـى الـيسر. وبـالذي قلنا فـي ذلك قالت علـماء الأمة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن مهدي، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد:{ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُـمْ} قال: هي رخصة إن شاء صامها فـي الطريق.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُـمْ } قال: هنّ رخصة إن شاء صامها فـي الطريق، وإن شاء صامها بعد ما يرجع إلـى أهله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن مـجاهد، نـحوه.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن منصور:{ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُـمْ } قال: إن شاء صامها فـي الطريق، وإنـما هي رخصة.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن منصور، عن مـجاهد، قال: إن شئت صم السبعة فـي الطريق، وإن شئت إذا رجعت إلـى أهلك.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن قطر، عن عطاء، قال: يصوم السبعة إذا رجع إلـى أهله أحبّ إلـيّ.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيـم:{ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُـمْ} قال: إن شئت فـي الطريق، وإن شئت بعد ما تقدم إلـى أهلك.

فإن قال: وما برهانك علـى أن معنى قوله:{ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُـمْ }إذا رجعتـم إلـى أهلـيكم وأمصاركم دون أن يكون معناه: إذا رجعتـم من منى إلـى مكة؟ قـيـل: إجماع جميع أهل العلـم علـى أن معناه ما قلنا دون غيره. ذكر بعض من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن مهدي، قال: ثنا سفـيان، عن ابن جريج، عن عطاء فـي قوله:{ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُـمْ} قال: إذا رجعت إلـى أهلك.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة:{ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُـمْ} إذا رجعتـم إلـى أمصاركم.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، مثله.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيـل، عن سالـم، عن سعيد بن جبـير:{ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُـمْ} قال: إلـى أهلك.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ}.

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله:{ كامِلَةٌ } فقال بعضهم: معنى ذلك: فصيام الثلاثة الأيام فـي الـحج والسبعة الأيام بعد ما يرجع إلـى أهله عشرة كاملة من الهدي. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، عن عبـاد، عن الـحسن فـي قوله:{ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ } قال: كاملة من الهدي.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا هشيـم، عن عبـاد، عن الـحسن، مثله.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: كملت لكم أجر من أقام علـى إحرامه ولـم يحلّ ولـم يتـمتع تـمتعكم بـالعمرة إلـى الـحج.

وقال آخرون: معنى ذلك الأمر وإن كان مخرجه مخرج الـخبر، وإنـما عنى بقوله:{ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ } تلك عشرة أيام فأكملوا صومها لا تقصروا عنها، لأنه فرض علـيكم صومها.

وقال آخرون: بل قوله:{ كامِلَةٌ } توكيد للكلام، كما يقول القائل: سمعته بأذنـي ورأيته بعينـي، وكما قال: { فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ } [النحل: 26] ولا يكون الـخرّ إلا من فوق، فأما من موضع آخر فإنـما يجوز علـى سعة الكلام.

وقال آخرون: إنـما قال:{ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ } وقد ذكر سبعة وثلاثة، لأنه إنـما أخبر أنها مـجزئة ولـيس يخبر عن عدّتها، وقالوا: ألا ترى أن قوله: «كاملة» إنـما هو وافـية؟.

وأولـى هذه الأقوال عندي قول من قال: معنى ذلك تلك عشرة كاملة علـيكم فرضنا إكمالها. وذلك أنه جل ثناؤه قال: فمن لـم يجد الهدي فعلـيه صيام ثلاثة أيام فـي الـحج وسبعة إذا رجع، ثم قال: تلك عشرة أيام علـيكم إكمال صومها لـمتعتكم بـالعمرة إلـى الـحج. فأخرج ذلك مخرج الـخبر، ومعناه الأمر بها.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{ ذَلِكَ لَـمَنْ لَـمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِري الـمَسْجِدِ الـحَرَامِ}. يعنـي جلّ ثناؤه بقوله{ ذَلِكَ} أي التـمتع بـالعمرة إلـى الـحجّ لـمن لـم يكن أهله حاضري الـمسجد الـحرام. كما:

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع:{ ذَلِكَ لَـمَنْ لَـمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِري الـمَسْجِدِ الـحَرَامِ } يعنـي الـمتعة أنها لأهل الآفـاق، ولا تصلـح لأهل مكة.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: أن هذا لأهل الأمصار لـيكون علـيهم أيسر من أن يحج أحدهم مرة ويعتـمر أخرى، فتـجمع حجته وعمرته فـي سنة واحدة.

ثم اختلف أهل التأويـل فـيـمن عنى بقوله: {ذَلِكَ لَـمَنْ لَـمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِري الـمَسْجِدِ الـحَرَامِ} بعد إجماع جميعهم علـى أن أهل الـحرم معنـيون به، وأنه لا متعة لهم. فقال بعضهم: عنى بذلك أهل الـحرم خاصة دون غيرهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، قال: قال ابن عبـاس ومـجاهد: أهل الـحرم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحمانـي، قال: ثنا شريك، عن عبد الكريـم، عن مـجاهد:{ ذَلِكَ لَـمَنْ لَـمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِري الـمَسْجِدِ الـحَرَامِ} قال: أهل الـحرم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن سفـيان، قال: بلغنا عن ابن عبـاس فـي قوله:{ حاضِري الـمَسْجِدِ الـحَرَامِ} قال: هم أهل الـحرم، والـجماعةُ علـيه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ذَلِكَ لَـمَنْ لَـمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِري الـمَسْجِدِ الـحَرَامِ} قال قتادة: ذكر لنا أن ابن عبـاس كان يقول: يا أهل مكة إنه لا متعة لكم أحلت لأهل الآفـاق وحرّمت علـيكم، إنـما يقطع أحدكم واديا أو قال: يجعل بـينه وبـين الـحرم واديا ثم يهل بعمرة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنا اللـيث، قال: ثنـي يحيى بن سعيد الأنصاري: أن أهل مكة كانوا يغزون ويتـجرون، فـيقدمون فـي أشهر الـحجّ ثم يحجون، ولا يكون علـيهم الهدي ولا الصيام أرخص لهم فـي ذلك، لقول الله عزّ وجل:{ ذَلِكَ لَـمَنْ لَـمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِري الـمَسْجِدِ الـحَرَامِ}.

حدثنـي أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا سفـيان، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قال: أهل الـحرم.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبـيه، قال: الـمتعة للناس، إلا لأهل مكة مـمن لـم يكن أهله من الـحرم، وذلك قول الله عزّ وجل: {ذَلِكَ لَـمَنْ لَـمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِري الـمَسْجِدِ الـحَرَامِ}. قال: وبلغنـي عن ابن عبـاس مثل قول طاوس.

وقال آخرون: عنى بذلك أهل الـحرم ومن كان منزله دون الـمواقـيت إلـى مكة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن الـمبـارك، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن مكحول:{ ذَلِكَ لَـمَنْ لَـمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِري الـمَسْجِدِ الـحَرَامِ} قال: من كان دون الـمواقـيت.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك بإسناده مثله، إلا أنه قال: ما كان دون الـمواقـيت إلـى مكة.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن رجل، عن عطاء، قال: من كان أهله من دون الـمواقـيت، فهو كأهل مكة لا يتـمتع.

وقال بعضهم: بل عنى بذلك أهل الـحرم، ومن قرب منزله منه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنـي أبـي، عن سفـيان، عن ابن جريج، عن عطاء فـي قوله:{ ذَلِكَ لَـمَنْ لَـمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِري الـمَسْجِدِ الـحَرَامِ } قال: عرفة، ومرّ، وعرنة، وضَجنان، والرجيع، ونـخـلتان.

حدثنا أحمد بن حازم الغفـاري والـمثنى قالا: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا سفـيان، عن ابن جريج، عن عطاء:{ ذَلِكَ لَـمَنْ لَـمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِري الـمَسْجِدِ الـحَرَامِ} قال: عرفة ومرّ، وعرنة، وضجنان، والرجيع.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن معمر، عن الزهري فـي هذه الآية قال: الـيوم والـيومين.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، قال: سمعت الزهري يقول: من كان أهله علـى يوم أو نـحوه تـمتع.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء: أنه جعل أهل عرفة من أهل مكة فـي قوله:{ ذَلِكَ لَـمَنْ لَـمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِري الـمَسْجِدِ الـحَرَامِ}.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله:{ ذَلِكَ لَـمَنْ لَـمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِري الـمَسْجِدِ الـحَرَامِ } قال: أهل مكة وفَجّ وذي طوى، وما يـلـي ذلك فهو من مكة.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصحة عندنا قول من قال: إن حاضري الـمسجد الـحرام من هو حوله مـمن بـينه وبـينه من الـمسافة ما لا تقصر إلـيه الصلوات لأن حاضر الشيء فـي كلام العرب هو الشاهد له بنفسه. وإذا كان ذلك كذلك، وكان لا يستـحق أن يسمى غائبـاً إلا من كان مسافراً شاخصاً عن وطنه، وكان الـمسافر لا يكون مسافراً إلا بشخوصه عن وطنه إلـى ما تقصر فـي مثله الصلاة، وكان من لـم يكن كذلك لا يستـحق اسم غائب عن وطنه ومنزله، كان كذلك من لـم يكن من الـمسجد الـحرام علـى ما تقصر إلـيه الصلاة غير مستـحقّ أن يقال: هو من غير حاضريه إذ كان الغائب عنه هو من وصفنا صفته.

وإنـما لـم تكن الـمتعة لـمن كان من حاضري الـمسجد الـحرام من أجل أن التـمتع إنـما هو الاستـمتاع بـالإحلال من الإحرام بـالعمرة إلـى الـحجّ مرتفقاً فـي ترك العود إلـى الـمنزل والوطن بـالـمقام بـالـحرم حتـى ينشىء منه الإحرام بـالـحجّ، وكان الـمعتـمر متـى قضى عمرته فـي أشهر الـحجّ ثم انصرف إلـى وطنه، أو شخص عن الـحرم إلـى ما تقصر فـيه الصلاة، ثم حجّ من عامه ذلك، بطل أن يكون مستـمتعاً لأنه لـم يستـمتع بـالـمرفق الذي جعل للـمستـمتع من ترك العود إلـى الـميقات والرجوع إلـى الوطن بـالـمقام فـي الـحرم، وكان الـمكيّ من حاضري الـمسجد الـحرام لا يرتفق بذلك من أجل أنه متـى قضى عمرته أقام فـي وطنه بـالـحرم، فهو غير مرتفق بشيء مـما يرتفق به من لـم يكن أهله من حاضري الـمسجد الـحرام فـيكون متـمتعاً بـالإحلال من عمرته إلـى حجه.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَـمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ}.

يعنـي بذلك جل اسمه: واتقوا الله بطاعته فـيـما ألزمكم من فرائضه وحدوده، واحذروا أن تعتدوا فـي ذلك وتتـجاوزوا فـيـما بـيَّن لكم من مناسككم، فتستـحلوا ما حرّم فـيها علـيكم. {واعْلَـمُوا}: تـيقنوا أنه تعالـى ذكره شديد عقابه لـمن عاقبه علـى ما انتهك من مـحارمه وركب من معاصيه.