التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ
٢٦
-البقرة

جامع البيان في تفسير القرآن

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنى الذي أنزل الله جل ثناؤه فـيه هذه الآية وفـي تأويـلها.

فقال بعضهم بـما:

حدثنـي به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط، عن السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: لـما ضرب الله هذين الـمثلـين للـمنافقـين، يعنـي قوله: { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً } [البقرة: 17] وقوله: { أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } [البقرة: 19] الآيات الثلاث، قال الـمنافقون: الله أعلـى وأجلّ من أن يضرب هذه الأمثال. فأنزل الله {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً} إلـى قوله: {أُولَـۤئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ}.

وقال آخرون بـما:

حدثنـي به أحمد بن إبراهيـم، قال: حدثنا قُراد عن أبـي جعفر الرازي، عن الربـيع بن أنس، فـي قوله تعالـى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} قال: هذا مثل ضربه الله للدنـيا، إن البعوضة تـحيا ما جاعت، فإذا سمنت ماتت، وكذلك مثل هؤلاء القوم الذين ضرب الله لهم هذا الـمثل فـي القرآن، إذا امتلئوا من الدنـيا رِيّا أخذهم الله عند ذلك. قال: ثم تلا { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ } [الأنعام: 44] الآية.

وحدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم، قال: حدثنا إسحاق بن الـحجاج، قال: حدثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس بنـحوه، إلا أنه قال: فإذا خـلى آجالهم، وانقطعت مدتهم، صاروا كالبعوضة تـحيا ما جاعت وتـموت إذا رويت فكذلك هؤلاء الذين ضرب الله لهم هذا الـمثل إذا امتلئوا من الدنـيا ريّا أخذهم الله فأهلكهم، فذلك قوله: { حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ } [الأنعام: 44]. وقال آخرون بـما:

حدثنا به بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} أي إن الله لا يستـحيـي من الـحقّ أن يذكر منه شيئاً ما قل منه أو كثر. إن الله حين ذكر فـي كتابه الذبـاب والعنكبوت، قال أهل الضلالة: ما أراد الله من ذكر هذا؟ فأنزل الله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}.

وحدثنا الـحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: لـما ذكر الله العنكبوت والذبـاب، قال الـمشركون: ما بـال العنكبوت والذبـاب يذكران؟ فأنزل الله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}.

وقد ذهب كل قائل مـمن ذكرنا قوله فـي هذه الآية وفـي الـمعنى الذي نزلت فـيه مذهبـاً، غير أن أولـى ذلك بـالصواب وأشبهه بـالـحقّ ما ذكرنا من قول ابن مسعود وابن عبـاس. وذلك أن الله جل ذكره أخبر عبـاده أنه لا يستـحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها عقـيب أمثال قد تقدمت فـي هذه السورة ضربها للـمنافقـين دون الأمثال التـي ضربها فـي سائر السور غيرها. فلأن يكون هذا القول، أعنـي قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً} ما جوابـاً لنكير الكفـار والـمنافقـين ما ضُرب لهم من الأمثال فـي هذه السورة أحقّ وأولـى من أن يكون ذلك جوابـاً لنكيرهم ما ضرب لهم من الأمثال فـي غيرها من السور.

فإن قال قائل: إنـما أوجب أن يكون ذلك جوابـاً لنكيرهم ما ضرب من الأمثال فـي سائر السور لأن الأمثال التـي ضربها الله لهم ولآلهتهم فـي سائر السور أمثال موافقة الـمعنى، لـما أخبر عنه أنه لا يستـحي أن يضربه مثلاً، إذْا كان بعضها تـمثـيلاً لآلهتهم بـالعنكبوت وبعضها تشبـيهاً لها فـي الضعف والـمهانة بـالذبـاب، ولـيس ذكر شيء من ذلك بـموجود فـي هذه السورة فـيجوز أن يقال: إن الله لا يستـحيـي أن يضرب مثلاً ما فإن ذلك بخلاف ما ظن، وذلك أن قول الله جل ثناؤه: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} إنـما هو خبر منه جل ذكره أنه لا يستـحيـي أن يضرب فـي الـحقّ من الأمثال صغيرها وكبـيرها ابتلاءً بذلك عبـاده واختبـاراً منه لهم لـيـميز به أهل الإيـمان والتصديق به من أهل الضلال والكفر به، إضلالاً منه به لقوم وهداية منه به لآخرين كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً} يعنـي الأمثال صغيرها وكبـيرها، يؤمن بها الـمؤمنون، ويعلـمون أنها الـحقّ من ربهم، ويهديهم الله بها، ويضلّ بها الفـاسقـين. يقول: يعرفه الـمؤمنون فـيؤمنون به، ويعرفه الفـاسقون فـيكفرون به.

وحدثنـي الـمثنى، قال حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد بـمثله.

وحدثنـي القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد مثله.

قال أبو جعفر: لا أنه جل ذكره قصد الـخبر عن عين البعوضة أنه لا يستـحيـي من ضرب الـمثل بها، ولكن البعوضة لـما كانت أضعف الـخـلق كما:

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قتادة، قال: البعوضة أضعف ما خـلق الله.

وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج بنـحوه. خصها الله بـالذكر فـي القلة، فأخبر أنه لا يستـحيـي أن يضرب أقلّ الأمثال فـي الـحقّ وأحقرها وأعلاها إلـى غير نهاية فـي الارتفـاع جوابـاً منه جل ذكره لـمن أنكر من منافقـي خـلقه ما ضرب لهم من الـمثل بـموقد النار والصيِّب من السماء علـى ما نَعَتهما به من نَعْتهما.

فإن قال لنا قائل: وأين ذكر نكير الـمنافقـين الأمثال التـي وصفت الذي هذا الـخبر جوابه، فنعلـم أن القول فـي ذلك ما قلت؟ قـيـل: الدلالة علـى ذلك بـينها جلّ ذكره فـي قوله: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً} وأن القوم الذين ضرب لهم الأمثال فـي الآيتـين الـمقدمتـين، اللتـين مثَّل ما علـيه الـمنافقون مقـيـمون فـيهما بـمُوقِدِ النار وبـالصيب من السماء علـى ما وصف من ذلك قبل قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً} قد أنكروا الـمثل وقالوا: {مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً}، فأوضح خطأ قـيـلهم ذلك، وقبح لهم ما نطقوا به وأخبرهم بحكمهم فـي قـيـلهم ما قالوا منه، وأنه ضلال وفسوق، وأن الصواب والهدى ما قاله الـمؤمنون دون ما قالوه.

وأما تأويـل قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى} فإن بعض الـمنسوبـين إلـى الـمعرفة بلغة العرب كان يتأول معنى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى} إن الله لا يخشى أن يضرب مثلاً، ويستشهد علـى ذلك من قوله بقول الله تعالـى: { وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ } [الأحزاب: 37] ويزعم أن معنى ذلك: وتستـحي الناسَ والله أحقّ أن تستـحيه فـيقول: الاستـحياء بـمعنى الـخشية، والـخشية بـمعنى الاستـحياء.

وأما معنى قوله: {أَن يَضْرِبَ} فهو أن يبـين ويصف، كما قال جل ثناؤه: { ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ } [الروم: 28] بـمعنى وصف لكم، وكما قال الكميت:

وذَلِكَ ضَرْبُ أخْماسٍ أُرِيدَتْلأِسْدَاسٍ عَسَى أنْ لا تَكُونا

بـمعنى وصف أخماس. والـمثل: الشبه، يقال: هذا مَثَلُ هذا ومِثْلُه، كما يقال: شَبَهُه وشِبْهُه، ومنه قول كعب بن زهير:

كانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لَهَا مَثَلاًوَمَا مَوَاعِيدُها إلاَّ الأبـاطِيـلُ

يعنـي شَبَهاً.

فمعنى قوله إذاً: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً}: إن الله لا يخشى أن يصف شبهاً لـما شبه به وأما «ما» التـي مع «مثل» فإنها بـمعنى «الذي»، لأن معنى الكلام: إن الله لا يستـحيـي أن يضرب الذي هو بعوضة فـي الصغر والقلة فما فوقها مثلاً.

فإن قال لنا قائل: فإن كان القول فـي ذلك كما قلت فما وجه نصب البعوضة، وقد علـمت أن تأويـل الكلام علـى ما تأوّلت: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً} الذي هو بعوضة، فـالبعوضة علـى قولك فـي مـحل الرفع، فأنّى أتاها النصب؟ قـيـل: أتاها النصب من وجهين: أحدهما أن ما لـما كانت فـي مـحل نصب بقوله: {يَضْرِبَ} وكانت البعوضة لها صلة أعربت بتعريبها فألزمت إعرابها كما قال حسان بن ثابت:

وكَفَـى بِنا فَضْلاً علـى مَنْ غَيْرِناحُبُّ النَّبِـيّ مُـحَمَّدٍ إيَّانا

فعرّبت غير بإعراب «مَنْ»، فـالعرب تفعل ذلك خاصة فـي «من» و«ما» تعرب صلاتهما بإعرابهما لأنهما يكونان معرفة أحياناً ونكرة أحياناً.

وأما الوجه الآخر، فأن يكون معنى الكلام: إن الله لا يستـحيـي أن يضرب مثلاً ما بـين بعوضة إلـى ما فوقها، ثم حذف ذكر «بـين» و«إلـى»، إذ كان فـي نصب البعوضة ودخول الفـاء فـي «ما» الثانـية دلالة علـيهما، كما قالت العرب: «مُطرنا ما زبـالة فـالثعلبـية»، و«له عشرون ما ناقة فجملاً»، و«هي أحسن الناس ما قرناً فقدماً»، يعنون: ما بـين قرنها إلـى قدمها، وكذلك يقولون فـي كل ما حسن فـيه من الكلام دخول «ما بـين كذا إلـى كذا»، ينصبون الأول والثانـي لـيدلّ النصب فـيهما علـى الـمـحذوف من الكلام. فكذلك ذلك فـي قوله: ما بعوضة فما فوقها.

وقد زعم بعض أهل العربـية أن «ما» التـي مع الـمَثَل صلة فـي الكلام بـمعنى التطوّل، وأن معنى الكلام: إن الله لا يستـحيـي أن يضرب بعوضة مثلاً فما فوقها. فعلـى هذا التأويـل يجب أن تكون بعوضة منصوبة ب«يضرب»، وأن تكون «ما» الثانـية التـي فـي «فما فوقها» معطوفة علـى البعوضة لا علـى «ما».

وأما تأويـل قوله:{فَمَا فَوْقَهَا}: فما هو أعظم منها عندي لـما ذكرنا قبل من قول قتادة وابن جريج أن البعوضة أضعف خـلق الله، فإذا كانت أضعف خـلق الله فهي نهاية فـي القلة والضعف، وإذ كانت كذلك فلا شك أن ما فوق أضعف الأشياء لا يكون إلا أقوى منه، فقد يجب أن يكون الـمعنى علـى ما قالاه فما فوقها فـي العظم والكبر، إذ كانت البعوضة نهاية فـي الضعف والقلة.

وقـيـل فـي تأويـل قوله:{فَمَا فَوْقَهَا} فـي الصغر والقلة، كما يقال فـي الرجل يذكره الذاكر فـيصفه بـاللؤم والشحّ، فـيقول السامع: نعم، وفوق ذاك، يعنـي فوق الذي وصف فـي الشحّ واللؤم. وهذا قول خلاف تأويـل أهل العلـم الذين تُرتضى معرفتهم بتأويـل القرآن، فقد تبـين إذا بـما وصفنا أن معنى الكلام: إن الله لا يستـحيـي أن يصف شبهاً لـما شبه به الذي هو ما بـين بعوضة إلـى ما فوق البعوضة. فأما تأويـل الكلام لو رفعت البعوضة فغير جائز فـي ما إلا ما قلنا من أن تكون اسماً لا صلة بـمعنى التطول.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً}.

قال أبو جعفر: يعنـي بقوله جل ذكره: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} فأما الذين صدقوا الله ورسوله. وقوله:{فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ} يعنـي فـيعرفون أن الـمثل الذي ضربه الله لـما ضربه له مثل. كما.

حدثنـي به الـمثنى، قال: حدثنا إسحاق بن الـحجاج، قال: حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ} أن هذا الـمثل الـحق من ربهم أنه كلام الله ومن عنده. وكما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، قوله: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ}: أي يعلـمون أنه كلام الرحمن وأنه الـحقّ من الله.

{وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً} قال أبو جعفر: وقوله: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يعنـي الذين جحدوا آيات الله وأنكروا ما عرفوا وستروا ما علـموا أنه حقّ. وذلك صفة الـمنافقـين، وإياهم عنى الله جل وعزّ ومن كان من نظرائهم وشركائهم من الـمشركين من أهل الكتاب وغيرهم بهذه الآية، فـيقولون: ماذا أراد الله بهذا مثلاً، كما قد ذكرنا قبل من الـخبر الذي رويناه عن مـجاهد الذي.

حدثنا به مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ} الآية، قال: يؤمن بها الـمؤمنون، ويعلـمون أنها الـحقّ من ربهم، ويهديهم الله بها ويضلّ بها الفـاسقون. يقول: يعرفه الـمؤمنون فـيؤمنون به، ويعرفه الفـاسقون فـيكفرون به.

وتأويـل قوله: {مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً} ما الذي أراد الله بهذا الـمثل مثلاً، ف«ذا» الذي مع «ما» فـي معنى «الذي» وأراد صلته، وهذا إشارة إلـى الـمثل.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً}.

قال أبو جعفر: يعنـي بقوله جل وعزّ: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً} يضلّ الله به كثـيراً من خـلقه، والهاء فـي «به» من ذكر الـمثل. وهذا خبر من الله جل ثناؤه مبتدأ، ومعنى الكلام: أن الله يضلّ بـالـمثل الذي يضرّبه كثـيراً من أهل النفـاق والكفر. كما:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط، عن السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم:{يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً} يعنـي الـمنافقـين، {وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} يعنـي الـمؤمنـين فـيزيد هؤلاء ضلالاً إلـى ضلالهم لتكذيبهم بـما قد علـموه حقاً يقـيناً من الـمثل الذي ضربه الله لـما ضربه له وأنه لـما ضربه له موافق، فذلك إضلال الله إياهم به. ويهدي به يعنـي بـالـمثل كثـيراً من أهل الإيـمان والتصديق، فـيزيدهم هدى إلـى هداهم وإيـماناً إلـى إيـمانهم، لتصديقهم بـما قد علـموه حقاً يقـيناً أنه موافق ما ضربه الله له مثلاً وإقرارهم به، وذلك هداية من الله لهم به.

وقد زعم بعضهم أن ذلك خبر عن الـمنافقـين، كأنهم قالوا: ماذا أراد الله بـمثل لا يعرفه كل أحد يضلّ به هذا ويهدي به هذا. ثم استؤنف الكلام والـخبر عن الله فقال الله: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ} وفـيـما فـي سورة الـمدثر من قول الله: { وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْكَٰفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ } [المدثر: 31] ما ينبىء عن أنه فـي سورة البقرة كذلك مبتدأ، أعنـي قوله: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً}.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ}.

وتأويـل ذلك ما:

حدثنـي به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسبـاط عن السدي فـي خبر ذكره، عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ}: هم الـمنافقون.

وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ} فسقوا فأضلهم الله علـى فسقهم.

وحدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ}: هم أهل النفـاق.

قال أبو جعفر: وأصل الفسق فـي كلام العرب: الـخروج عن الشيء، يقال منه: فسقت الرطبة، إذا خرجت من قشرها ومن ذلك سميت الفأرة فويسقة، لـخروجها عن جحرها. فكذلك الـمنافق والكافر سُميا فـاسقـين لـخروجهما عن طاعة ربهما، ولذلك قال جل ذكره فـي صفة إبلـيس: { إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ } [الكهف: 50] يعنـي به: خرج عن طاعته واتبـاع أمره. كما:

حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلـمة، قال: حدثنـي ابن إسحاق عن داود بن الـحصين، عن عكرمة مولـى ابن عبـاس، عن ابن عبـاس فـي قوله: { بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } [البقرة: 59] أي بـما بعدوا عن أمري.

فمعنى قوله:{وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ}: وما يضلّ الله بـالـمثل الذي يضربه لأهل الضلال والنفـاق إلا الـخارجين عن طاعته والتاركين اتبـاع أمره من أهل الكفر به من أهل الكتاب وأهل الضلال من أهل النفـاق.