التفاسير

< >
عرض

وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ ذٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
١٥٢
-الأنعام

جامع البيان في تفسير القرآن

يعني جلّ ثناؤه بقوله: {ولاَ تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيم إلاَّ بالتي هي أحْسَن} ولا تقربوا ماله إلا بما فيه صلاحه وتثميره. كما:

حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شريك، عن ليث، عن مجاهد: {وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتيمِ إلاَّ بالتي هِيَ أحْسَنُ} قال: التجارة فيه.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلاَّ بالتي هِيَ أحْسَنُ} فليثمِّر ماله.

حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا فضيل بن مرزوق العنزي، عن سليط بن بلال، عن الضحاك بن مزاحم، في قوله: {وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيم إلاَّ بالتي هِيَ أحْسَنُ} قال: يبتغي له فيه، ولا يأخذ من ربحه شيئاً.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلاَّ بالتي هيَ أحْسَنُ} قال: التي هي أحسن: أن يأكل بالمعروف إن افتقر، وإن استغنى فلا يأكل قال الله: {وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَليْأْكُلْ بالمَعْرُوف}. قال: وسئل عن الكسوة فقال: لم يذكر الله الكسوة إنما ذكر الأكل.

وأما قوله: {حتى يَبْلُغَ أشُدَّهُ} فإن الأشدّ جمع شدّ، كما الأضرّ جمع ضرّ، وكما الأشرّ جمع شرّ. والشدّ: القوّة، وهو استحكام قوّة شبابه وسنه، كما شدّ النهار ارتفاعه وامتداده، يقال: أتيته شدّ النهار ومدّ النهار، وذلك حين امتداده وارتفاعه وكان المفضل فيما بلغني ينشد بيت عنترة:

عَهْدِي بِه شَدَّ النَّهار كأنَّمَاخُضِبَ اللَّبانُ ورأسُهُ بالعِظْلِم

ومنه قول الآخر:

يُطِيفُ بِهِ شَدَّ النَّهار ظَعِينَةٌطَويلَةُ أنْقاء اليَدَيْن سَحُوقُ

وكان بعص البصريين يزعم أن الأشدّ اسم مثل الآنك. فأما أهل التأويل فإنهم مختلفون في الحين الذي إذا بلغه الإنسان قيل بلغ أشدّه، فقال بعضهم: يقال ذلك له إذا بلغ الحلم. ذكر من قال ذلك:

حدثني أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا عمي، قال: أخبرني يحيى بن أيوب، عن عمرو بن الحرث، عن ربيعة، في قوله: {حتى يَبْلُغَ أشُدَّهُ} قال: الحلم.

حدثني أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا عمي، قال: ثني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، مثله. قال ابن وهب: وقال لي مالك مثله.

حُدثت عن الحماني، قال: ثنا هشيم، عن مجاهد، عن عامر: {حتى يَبْلُغَ أشُدَّهُ} قال: الأشدّ: الحلم، حيث تكتب له الحسنات وتكتب عليه السيئات.

وقال آخرون: إنما يقال ذلك له إذا بلغ ثلاثين سنة. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {حتى يَبْلُغَ أشُدَّهُ} قال: أما أشدّه: فثلاثون سنة، ثم جاء بعدها: حتى إذَا بَلَغُوا النِّكاحَ.

وفي الكلام محذوف ترك ذكره اكتفاء بدلالة ما ظهر عما حذف. وذلك أن معنى الكلام: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، حتى يبلغ أشدّه، فإذا بلغ أشده فآنستم منه رشداً فادفعوا إليه ماله. لأنه جلّ ثناؤه لم ينه أن يُقرَب مال اليتيم في حال يتمه إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشدّه ويحلّ لوليه بعد بلوغه أشدّه أن يقربه بالتي هي أسوأ، ولكنه نهاهم أن يقربوا حياطة منه له وحفظاً عليه ليسلموه إليه إذا بلغ أشدّه.

القول في تأويل قوله تعالى: {وأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزَانَ بالقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إلاَّ وُسعَها}.

يقول تعالى ذكره: قل تعالوا أتل ما حرّم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئاً، وأن أوفوا الكيل والميزان، يقول: لا تبخسوا الناس الكيل إذا كلتوهم والوزن إذا وزنتموهم، ولكن أوفوهم حقوقهم وإيفاؤهم ذلك: إعطاؤهم حقوقهم تامَّة بالقسط، يعني: بالعدل. كما:

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {بالقِسْطِ} بالعدل.

وقد بيَّنا معنى القسط بشواهده فيما مضى وكرهنا إعادته.

وأما قوله: {لا نُكَلِّفُ نَفْساً إلا وُسْعَها} فإنه يقول: لا نكلف نفساً من إيفاء الكيل والوزن إلا ما يسعها، فيحلّ لها، ولا تحرَج فيه. وذلك أن الله جلّ ثناؤه علم من عباده أن كثيراً منهم تضيق نفسه عن أن تطيب لغيره بما لا يجب عليها له، فأمر المعطي بإيفاء ربّ الحقّ حقه الذي هو له ولم يكلفه الزيادة لما في الزيادة عليه من ضيق نفسه بها، وأمر الذي له الحقّ بأخد حقه ولم يكلفه الرضا بأقلّ منه، لما في النقصان عنه من ضيق نفسه، فلم يكلف نفساً منهما إلا ما لا حرج فيه ولا ضيق، فلذلك قال: {لا نُكَلِّفُ نَفْساً إلاَّ وُسْعَها}. وقد استقصينا بيان ذلك بشواهده في موضع غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَإذَا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}.

يعني تعالى ذكره بقوله: {وَإذَا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا}: وإذا حكمتم بين الناس فتكلمتم، فقولوا الحقّ بينهم، واعدلوا وأنصفوا ولا تجوروا ولو كان الذي يتوجه الحقّ عليه والحكم ذا قرابة لكم، ولا يحملنكم قرابة قريب أو صداقة صديق حكمتم بينه وبين غيره، أن تقولوا غير الحقّ فيما احتكم إليكم فيه. {وَبِعَهْدِ اللّهِ أوْفُوا} يقول: وبوصية الله التي أوصاكم بها فأوفوا وإيفاء ذلك أن يطيعوه فيما أمرهم به ونهاهم، وأن يعملوا بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك هو الوفاء بعهد الله.

وأما قوله: {ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ} يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل للعادلين بالله الأوثان والأصنام من قومك: هذه الأمور التي ذكرت لكم في هاتين الآيتين، هي الأشياء التي عهد إلينا ربنا ووصاكم بها ربكم وأمركم بالعمل بها، لا بالبحائر والسوائب والوصائل والحام وقتل الأولاد ووأد البنات واتباع خطوات الشيطان. {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} يقول: أمركم بهذه الأمور التي أمركم بها في هاتين الآيتين ووصاكم بها وعهد إليكم فيها، لتتذكروا عواقب أمركم بهذه الأمور التي أمركم بها في هاتين الآيتين، ووصاكم بها وعهد إليكم فيها، لتتذكروا عواقب أمركم وخطأ ما أنتم عليه مقيمون، فتنزجروا عنها وترتدعوا وتنيبوا إلى طاعة ربكم. وكان ابن عباس يقول: هذه الآيات هنّ الآيات المحكمات.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن عليّ بن صالح، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن قيس، عن ابن عباس، قال: هنّ الآيات المحكمات، قوله: { { قُلْ تَعالُوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أنْ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئْاً } }.

حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار، قالا: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا أبي، قال: سمعت يحيى بن أيوب، يحدّث عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله، عن عبيد الله بن عديّ بن الخيار، قال: سمع كعب الأحبار رجلاً يقرأ: { { قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } } فقال: والذي نفس كعب بيده، إن هذا لأوّل شيء في التوراة «بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ».

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن سعيد بن مسروق، عن رجل، عن الربيع بن خيثم أنه قال لرجل: هل لك في صحيفة عليها خاتم محمد؟ ثم قرأ هؤلاء الآيات: { { قُلْ تَعَالُوا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أنْ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً } }.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا إسحاق الرازي، عن أبي سنان، عن عمرو بن مرّة، قال: قال الربيع: ألا أقرأ عليكم صحيفة من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لم يقل خاتمها. فقرأ هذه الآيات: { { قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } }.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: جاء إليه نفر فقالوا: قد جالست أصحاب محمد فحدّثنا عن الوحي فقرأ عليهم هذه الآيات من الأنعام: { { قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أنْ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً } } قالوا: ليس عن هذا نسألك قال: فما عندنا وحي غيره.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: قال: هؤلاء الآيات التي أوصى بها من محكم القرآن.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَإذَا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا} قال: قولوا الحقّ.