التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِناً وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ
٣٥
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٣٦
-إبراهيم

{هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ } يعني البلد الحرام، زاده الله أمناً، وكفاه كل باغ وظالم، وأجاب فيه دعوة خليله إبراهيم عليه السلام {ءَامِناً } ذا أمن. فإن قلت: أي فرق بين قوله: { ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا آمِنًا } [البقرة: 126] وبين قوله: {ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِنًا }؟ قلت: قد سأل في الأوّل أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها ولا يخافون، وفي الثاني أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن، كأنه قال: هو بلد مخوف، فاجعله آمناً {وَٱجْنُبْنِى } وقرىء: «وأجنبني»، وفيه ثلاث لغات: جنبه الشر، وجنبه، وأجنبه؛ فأهل الحجاز يقولون: جنبني شره بالتشديد، وأهل نجد جنبني وأجنبني، والمعنى: ثبتنا وأدمنا على اجتناب عبادتها {وَبَنِىَّ } أراد بنيه من صلبه وسئل ابن عيينة: كيف عبدت العرب الأصنام؟ فقال: ما عبد أحد من ولد إسماعيل صنماً، واحتج بقوله: {واجنبني وبني} {أَن نَّعْبُدَ ٱلأصْنَامَ } إنما كانت أنصاب حجارة لكل قوم، قالوا: البيت حجر، فحيثما نصبنا حجراً فهو بمنزلة البيت، فكانوا يدورون بذلك الحجر ويسمونه الدوار، فاستحب أن يقال: طاف بالبيت، ولا يقال: دار بالبيت {إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ ٱلنَّاسِ } فأعوذ بك أن تعصمني وبنيَّ من ذلك، وإنما جعلن مضلات؛ لأنّ الناس ضلوا بسببهنّ، فكأنهنّ أضللنهم، كما تقول: فتنتهم الدنيا وغرّتهم، أي افتتنوا بها واغتروا بسببها {فَمَن تَبِعَنِى } على ملتي وكان حنيفاً مسلماً مثلي {فَإِنَّهُ مِنِّى } أي هو بعضي لفرط اختصاصه بي وملابسته لي، وكذلك قوله:

(573) "من غشنا فليس منا" أي ليس بعض المؤمنين، على أنّ الغش ليس من أفعالهم وأوصافهم {وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تغفر له ما سلف منه من عصياني إذا بدا له فيه واستحدث الطاعة لي. وقيل: معناه ومن عصاني فيما دون الشرك.