التفاسير

< >
عرض

وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
١١٥
-البقرة

مفاتيح الغيب ، التفسير الكبير

اعلم أن في هذه الآية مسائل:

المسألة الأولى: اختلفوا في سبب نزول هذه الآية، الضابط أن الأكثرين زعموا أنها إنما نزلت في أمر يختص بالصلاة ومنهم من زعم أنها إنما نزلت في أمر لا يتعلق بالصلاة، أما القول الأول فهو أقوى لوجهين، أحدها: أنه هو المروي عن كافة الصحابة والتابعين وقولهم حجة. وثانيهما: أن ظاهر قوله: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ } يفيد التوجه إلى القبلة في الصلاة، ولهذا لا يعقل من قوله: { فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ } [البقرة: 144] إلا هذا المعنى إذا ثبت هذا فنقول: القائلون بهذا القول اختلفوا على وجوه:

أحدها: أنه تعالى أراد به تحويل المؤمنين عن استقبال بيت المقدس إلى الكعبة، فبين تعالى أن المشرق والمغرب وجميع الجهات والأطراف كلها مملوكة له سبحانه ومخلوقة له، فأينما أمركم الله باستقباله فهو القبلة، لأن القبلة ليست قبلة لذاتها، بل لأن الله تعالى جعلها قبلة، فإن جعل الكعبة قبلة فلا تنكروا ذلك لأنه تعالى يدبر عباده كيف يريد وهو واسع عليم بمصالحهم فكأنه تعالى ذكر ذلك بياناً لجواز نسخ القبلة من جانب إلى جانب آخر، فيصير ذلك مقدمة لما كان يريد تعالى من نسخ القبلة. وثانيها: أنه لما حولت القبلة عن بيت المقدس أنكر اليهود ذلك فنزلت الآية رداً عليهم وهو قول ابن عباس وهو نظير قوله: { قُل لّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } } [البقرة: 142]. وثالثها: قول أبي مسلم وهو أن اليهود والنصارى كل واحد منهم قال: إن الجنة له لا لغيره، فرد الله عليهم بهذه الآية لأن اليهود إنما استقبلوا بيت المقدس لأنهم اعتقدوا أن الله تعالى صعد السماء من الصخرة والنصارى استقبلوا المشرق لأن عيسى عليه السلام إنما ولد هناك على ما حكى الله ذلك في قوله تعالى: { وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مَرْيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً } } [مريم: 16] فكل واحد من هذين الفريقين وصف معبوده بالحلول في الأماكن ومن كان هكذا فهو مخلوق لا خالق، فكيف تخلص لهم الجنة وهم لا يفرقون بين المخلوق والخالق. ورابعها: قال بعضهم: إن الله تعالى نسخ بيت المقدس بالتخيير إلى أي جهة شاء بهذه الآية، فكان للمسلمين أن يتوجهوا إلى حيث شاءوا في الصلاة إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يختار التوجه إلى بيت المقدس مع أنه كان له أن يتوجه حيث شاء، ثم أنه تعالى نسخ ذلك بتعيين الكعبة، وهو قول قتادة وابن زيد. وخامسها: أن المراد بالآية من هو مشاهد للكعبة فإن له أن يستقبلها من أي جهة شاء وأراد. وسادسها: ما روى عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة في ليلة سوداء مظلمة فلم نعرف القبلة فجعل كل رجل منا مسجده حجارة موضوعة بين يديه، ثم صلينا فلما أصبحنا إذا نحن على غير القبلة فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية وهذا الحديث يدل على أنهم كانوا قد نقلوا حينئذ إلى الكعبة لأن القتال فرض بعد الهجرة بعد نسخ قبلة بيت المقدس. وسابعها: أن الآية نزلت في المسافر يصلي النوافل حيث تتوجه به راحلته. وعن سعيد بن جبير عن ابن عمر أنه قال: إنما نزلت هذه الآية في الرجل يصلي إلى حيث توجهت به راحلته في السفر. وكان عليه السلام إذا رجع من مكة صلى على راحلته تطوعاً يوميء برأسه نحو المدينة، فمعنى الآية: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ } وجوهكم لنوافلكم في أسفاركم: {فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } فقد صادفتم المطلوب: {إِنَّ ٱللَّهَ وٰسِعٌ } الفضل غني، فمن سعة فضله وغناه رخص لكم في ذلك لأنه لو كلفكم استقبال القبلة في مثل هذه الحال لزم أحد الضررين، إما ترك النوافل، وإما النزول عن الراحلة والتخلف عن الرفقة بخلاف الفرائض، فإنها صلوات معدودة محصورة فتكليف النزول عن الراحلة عند أدائها واستقبال القبلة فيها لا يفضي إلى الحرج بخلاف النوافل، فإنها غير محصورة، فتكليف الاستقبال يفضي إلى الحرج. فإن قيل: فأي هذه الأقاويل أقرب إلى الصواب. قلنا: إن قوله: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } مشعر بالتخيير والتخيير لا يثبت إلا في صورتين. أحدهما: في التطوع على الراحلة. وثانيهما: في السفر عند تعذر الاجتهاد للظلمة أو لغيرها، لأن في هذين الوجهين المصلي مخير فأما على غير هذين الوجهين فلا تخيير وقول من يقول: إن الله تعالى خير المكلفين في استقبال أي جهة شاءوا بهذه الآية، وهم كانوا يختارون بيت المقدس لا لأنه لازم، بل لأنه أفضل وأولى بعيد لأنه لا خلاف أن لبيت المقدس قبل التحويل إلى الكعبة اختصاصاً في الشريعة ولو كان الأمر كما قالوا: لم يثبت ذلك الاختصاص وأيضاً فكان يجب أن يقال: إن بيت المقدس صار منسوخاً بالكعبة فهذه الدلالة تقتضي أن يكون حمل الآية على الوجه الثالث والرابع، وأما الذين حملوا الآية على الوجه الأول فلهم أن يقولوا: إن القبلة لما حولت تكلم اليهود في صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم وصلاة المؤمنين إلى بيت المقدس فبين تعالى بهذه الآية أن تلك القبلة كان التوجه إليها صواباً في ذلك الوقت والتوجه إلى الكعبة صواب في هذا الوقت، وبين أنهم أينما يولوا من هاتين القبلتين في المأذون فيه فثم وجه الله، قالوا: وحمل الكلام على هذا الوجه أولى، لأنه يعم كل مصل، وإذا حمل على الأول لا يعم لأنه يصير محمولاً على التطوع دون الفرض، وعلى السفر في حالة مخصوصة دون الحضر، وإذا أمكن إجراء اللفظ العام على عمومه فهو أولى من التخصيص، وأقصى ما في الباب أن يقال: إن على هذا التأويل لا بد أيضاً من ضرب تقييد وهو أن يقال: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ } من الجهات المأمور بها: {فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } إلا أن هذا الإضمار لا بد منه على كل حال، لأنه من المحال أن يقول تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ } بحسب ميل أنفسكم {فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } بل لا بد من الإضمار الذي ذكرناه، وإذا كان كذلك فقد زالت طريقة التخيير ونظيره: إذا أقبل أحدنا على ولده وقد أمره بأمور كثيرة مترتبة فقال له: كيف تصرفت فقد اتبعت رضائي، فإنه يحمل ذلك على ما أمره على الوجه الذي أمره من تضييق أو تخيير، ولا يحمل ذلك على التخيير المطلق فكذا ههنا.

القول الثاني: وهو قول من زعم أن هذه الآية نزلت في أمر سوى الصلاة فلهم أيضاً وجوه: أولها: أن المعنى أن هؤلاء الذين ظلموا بمنع مساجدي أن يذكر فيها اسمي وسعوا في خرابها أولئك لهم كذا وكذا، ثم أنهم أينما ولوا هاربين عني وعن سلطاني فإن سلطاني يلحقهم، وقدرتي تسبقهم وأنا عليم بهم، لا يخفى علي مكانهم وفي ذلك تحذير من المعاصي وزجر عن ارتكابها، وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ وٰسِعٌ عَلِيمٌ } نظير قوله: { إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَـٰرِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَـٰنٍ } } [الرحمن: 33] فعلى هذا يكون المراد منه سعة العلم، وهو نظير: { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ } } [الحديد: 4] وقوله: { مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَـٰثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ } [المجادلة: 7] وقوله: { رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَىْء رَّحْمَةً وَعِلْماً } [غافر: 7] وقوله: { وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْماً } [طه: 98] أي عم كل شيء بعلمه وتدبيره وإحاطته به وعلوه عليه. وثانيها: قال قتادة: إن النبي عليه السلام قال: "إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه، قالوا: نصلي على رجل ليس بمسلم" فنزل قوله تعالى: { وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَـٰشِعِينَ للَّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِـئَايَـٰتِ ٱللهِ ثمناً قليلاً أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن ٱلله سريع ٱلحساب } [آل عمران: 199] فقالوا: إنه كان يصلي إلى غير القبلة، فأنزل الله تعالى: {وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } ومعناها أن الجهات التي يصلي إليها أهل الملل من شرق وغرب وما بينهما، كلها لي فمن وجه وجهه نحو شيء منها بأمر يريدني ويبتغي طاعتي وجدني هناك أي وجد ثوابي فكان في هذا عذر للنجاشي وأصحابه الذين ماتوا على استقبالهم المشرق وهو نحو قوله تعالى: { وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ } } [البقرة: 143]. وثالثها: لما نزل قوله تعالى: { ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [غافر: 60] قالوا: أين ندعوه فنزلت هذه الآية، وهو قول الحسن ومجاهد والضحاك. ورابعها: أنه خطاب للمسلمين، أي لا يمنعكم تخريب من خرب مساجد الله عن ذكره حيث كنتم من أرضه فلله المشرق والمغرب والجهات كلها، وهو قول علي بن عيسى. وخامسها: من الناس من يزعم أنها نزلت في المجتهدين الوافين بشرائط الاجتهاد سواء كان في الصلاة أو في غيرها، والمراد منه أن المجتهد إذا رأى بشرائط الاجتهاد فهو مصيب.

المسألة الثانية: إن فسرنا الآية بأنها تدل على تجويز التوجه إلى أي جهة أريد، فالآية منسوخة وإن فسرناها بأنها تدل على نسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة فالآية ناسخة، وإن فسرناها بسائر الوجوه فهي لا ناسخة ولا منسوخة.

المسألة الثالثة: اللام في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ } لام الاختصاص أي هو خالقهما ومالكهما، وهو كقوله: { رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ } } [الرحمن: 17] وقوله: { بِرَبّ ٱلْمَشَـٰرِقِ وَٱلْمَغَـٰرِبِ } [المعارج:40] و { رَبُّ ٱلْمَشَـرِقِ وَٱلْمَغَـرِبِ } } [المزمل:9] ثم أنه سبحانه أشار بذكرهما إلى ذكر من بينهما من المخلوقات، كما قال: { ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَاء وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } } [فصلت: 11].

المسألة الرابعة: الآية من أقوى الدلائل على نفي التجسيم وإثبات التنزيه، وبيانه من وجهين، الأول: أنه تعالى قال: {وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ } فبين أن هاتين الجهتين مملوكتان له وإنما كان كذلك لأن الجهة أمر ممتد في الوهم طولاً وعرضاً وعمقاً، وكل ما كان كذلك فهو منقسم، وكل منقسم فهو مؤلف مركب، وكل ما كان كذلك فلا بد له من خالق وموجد، وهذه الدلالة عامة في الجهات كلها، أعني الفوق والتحت، فثبت بهذا أنه تعالى خالق الجهات كلها، والخالق متقدم على المخلوق لا محالة، فقد كان الباري تعالى قبل خلق العالم منزهاً عن الجهات والأحياز، فوجب أن يبقى بعد خلق العالم كذلك لا محالة لاستحالة انقلاب الحقائق والماهيات. الوجه الثاني: أنه تعالى قال: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } ولو كان الله تعالى جسماً وله وجه جسماني لكان وجهه مختصاً بجانب معين وجهة معينة فما كان يصدق قوله: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } فلما نص الله تعالى على ذلك علمنا أنه تعالى منزه عن الجسمية واحتج الخصم بالآية من وجهين، الأول: أن الآية تدل على ثبوت الوجه لله تعالى والوجه لا يحصل إلا من كان جسماً. الثاني: أنه تعالى وصف نفسه بكونه واسعاً، والسعة من صفة الأجسام. والجواب عن الأول: أن الوجه وإن كان في أصل اللغة عبارة عن العضو المخصوص لكنا بينا أنا لو حملناه ههنا على العضو لكذب قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } لأن الوجه لو كان محاذياً للمشرق لاستحال في ذلك الزمان أن يكون محاذياً للمغرب أيضاً، فإذن لا بد فيه من التأويل وهو من وجوه. الأول: أن إضافة وجه الله كإضافة بيت الله وناقة الله، والمراد منها الإضافة بالخلق والإيجاد على سبيل التشريف، فقوله: {فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } أي: فثم وجهه الذي وجهكم إليه لأن المشرق والمغرب له بوجهيهما، والمقصود من القبلة إنما يكون قبلة لنصبه تعالى إياها فأي وجه من وجوه العالم المضاف إليه بالخلق والإيجاد نصبه وعينه فهو قبلة. الثاني: أن يكون المراد من الوجه القصد والنية قال الشاعر:

استغفر الله ذنباً لست أحصيه رب العباد إليه الوجه والعمل

ونظيره قوله تعالى: { إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } } [الأنعام: 79]. الثالث: أن يكون المراد منه فثم مرضاة الله، ونظيره قوله تعالى: { إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ } [الإنسان: 9] يعني لرضوان الله، وقوله: { كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } [القصص: 88] يعني ما كان لرضا الله، ووجه الاستعارة أن من أراد الذهاب إلى إنسان فإنه لا يزال يقرب من وجهه وقدامه، فكذلك من يطلب مرضاة أحد فإنه لا يزال يقرب من مرضاته، فلهذا سمي طلب الرضا بطلب وجهه. الرابع: أن الوجه صلة كقوله: { كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } [القصص: 88] ويقول الناس هذا وجه الأمر لا يريدون به شيئاً آخر غيره، إنما يريدون به أنه من ههنا ينبغي أن يقصد هذا الأمر، واعلم أن هذا التفسير صحيح في اللغة إلا أن الكلام يبقى، فإنه يقال لهذا القائل: فما معنى قوله تعالى: {فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } مع أنه لا يجوز عليه المكان فلا بد من تأويله بأن المراد: فثم قبلته التي يعبد بها، أو ثم رحمته ونعمته وطريق ثوابه والتماس مرضاته. والجواب عن الثاني: وهو أنه وصف نفسه بكونه واسعاً فلا شك أنه لا يمكن حمله على ظاهره وإلا لكان متجزئاً متبعضاً فيفتقر إلى الخالق، بل لا بد وأن يحمل على السعة في القدرة والملك، أو على أنه واسع العطاء والرحمة، أو على أنه واسع الإنعام ببيان المصلحة للعبيد لكي يصلوا إلى رضوانه، ولعل هذا الوجه بالكلام أليق، ولا يجوز حمله على السعة في العلم، وإلا لكان ذكر العليم بعده تكراراً، فأما قوله: {عَلِيمٌ } في هذا الموضع فكالتهديد ليكون المصلي على حذر من التفريط من حيث يتصور أنه تعالى يعلم ما يخفي وما يعلن، وما يخفى على الله من شيء، فيكون متحذراً عن التساهل، ويحتمل أن يكون قوله تعالى: {وٰسِعٌ عَلِيمٌ } أنه تعالى واسع القدرة في توفية ثواب من يقوم بالصلاة على شرطها، وتوفية عقاب من يتكاسل عنها.

المسألة الخامسة: ولى إذا أقبل، وولى إذا أدبر، وهو من الأضداد ومعناه ههنا الإقبال، وقرأ الحسن: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ } بفتح التاء من التولي، يريد فأينما توجهوا القبلة.