التفاسير

< >
عرض

يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ
٢٩
وَقَالَ ٱلَّذِيۤ آمَنَ يٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ
٣٠
مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ
٣١
وَيٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ
٣٢
يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ
٣٣
-غافر

مفاتيح الغيب ، التفسير الكبير

اعلم أن مؤمن آل فرعون لما أقام أنواع الدلائل على أنه لا يجوز الإقدام على قتل موسى، خوفهم في ذلك بعذاب الله فقال: {يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَـٰهِرِينَ فِى ٱلأَرْضِ } يعني قد علوتم الناس وقهرتموهم، فلا تفسدوا أمركم على أنفسكم ولا تتعرضوا لبأس الله وعذابه، فإنه لا قبل لكم به، وإنما قال: {يَنصُرُنَا } و{جَاءنَا } لأنه كان يظهر من نفسه أنه منهم وأن الذي ينصحهم به هو مشارك لهم فيه، ولما قال ذلك المؤمن هذا الكلام {قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى} أي لا أشير إليكم برأي سوى ما ذكرته أنه يجب قتله حسماً لمادة الفتنة {وَمَا أَهْدِيكُمْ } بهذا الرأي {إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ } والصلاح، ثم حكى تعالى أن ذلك المؤمن رد هذا الكلام على فرعون فقال: {إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ مّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ }.

واعلم أنه تعالى حكى عن ذلك المؤمن أنه كان يكتم إيمانه، والذي يكتم كيف يمكنه أن يذكر هذه الكلمات مع فرعون، ولهذا السبب حصل ههنا قولان الأول: أن فرعون لما قال: { ذَرُونِى أَقْتُلْ مُوسَىٰ } } [غافر: 26] لم يصرح ذلك المؤمن بأنه على دين موسى، بل أوهم أنه مع فرعون وعلى دينه، إلا أنه زعم أن المصلحة تقتضي ترك قتل موسى، لأنه لم يصدر عنه إلا الدعوة إلى الله والإتيان بالمعجزات القاهرة وهذا لا يوجب القتل، والإقدام على قتله يوجب الوقوع في ألسنة الناس بأقبح الكلمات، بل الأولى أن يؤخر قتله وأن يمنع من إظهار دينه، لأن على هذا التقدير إن كان كاذباً كان وبال كذبه عائداً إليه، وإن كان صادقاً حصل الانتفاع به من بعض الوجوه، ثم أكد ذلك بقوله { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ } } [غافر: 28] يعني أنه إن صدق فيما يدعيه من إثبات الإله القادر الحكيم فهو لا يهدي المسرف الكذاب، فأوهم فرعون أنه أراد بقوله {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ } أنه يريد موسى وهو إنما كان يقصد به فرعون، لأن المسرف الكذاب هو فرعون والقول الثاني: أن مؤمن آل فرعون كان يكنم إيمانه أولاً، فلما قال فرعون {ذَرُونِى أَقْتُلْ مُوسَىٰ } أزال الكتمان وأظهر كونه على دين موسى، وشافه فرعون بالحق.

واعلم أنه تعالى حكى عن هذا المؤمن أنواعاً من الكلمات ذكرها لفرعون الأول: قوله {يٰقَوْمِ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ مّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ } والتقدير مثل أيام الأحزاب، إلا أنه لما أضاف اليوم إلى الأحزاب وفسرهم بقوم نوح وعاد ثمود، فحينئذٍ ظهر أن كل حزب كان له يوم معين في البلاء، فاقتصر من الجمع على ذكر الواحد لعدم الالتباس، ثم فسّر قوله {إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ مّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ } بقوله {مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ } ودأب هؤلاء دونهم في عملهم من الكفار والتكذيب وسائر المعاصي، فيكون ذلك دائباً ودائماً لا يفترون عنه، ولا بد من حذف مضاف يريد مثل جزاء دأبهم، والحاصل أنه خوفهم بهلاك معجل في الدنيا، ثم خوفهم أيضاً بهلاك الآخرة، وهو قوله {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } والمقصود منه التنبيه على عذاب الآخرة.

والنوع الثاني: من كلمات ذلك المؤمن قوله تعالى: {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعِبَادِ } يعني أن تدمير أولئك الأحزاب كان عدلاً، لأنهم استوجبوه بسبب تكذيبهم للأنبياء، فتلك الجملة قائمة ههنا، فوجب حصول الحكم ههنا، قالت المعتزلة: {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعِبَادِ } يدل على أنه لا يريد أن يظلم بعض العباد بعضاً، ويدل على أنه لا يريد ظلم أحد من العباد، فلو خلق الكفر فيهم ثم عذبهم على ذلك الكفر لكان ظالماً، وإذا ثبت أنه لا يريد الظلم ألبتة ثبت أنه غير خالق لأفعال العباد، لأنه لو خلقها لأرادها، وثبت أيضاً أنه قادر على الظلم، إذ لو لم يقدر عليه لما حصل المدح بترك الظلم، وهذا الاستدلال قد ذكرناه مراراً في هذا الكتاب مع الجواب، فلا فائدة في الإعادة.

النوع الثالث: من كلمات هذا المؤمن قوله {وَيٰقَوْمِ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: التنادي تفاعل من النداء، يقال تنادى القوم، أي نادى بعضهم بعضاً، والأصل الياء وحذف الياء حسن في الفواصل، وذكرنا ذلك في { يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ } } [غافر: 15] وأجمع المفسرون على أن {يَوْمَ ٱلتَّنَادِ } يوم القيامة، وفي سبب تسمية ذلك اليوم بذلك الاسم وجوه الأول: أن أهل النار ينادون أهل الجنة، وأهل الجنة ينادون أهل النار، كما ذكر الله عنهم في سورة الأعراف { { وَنَادَىٰ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ } } [الاعراف: 50]، { وَنَادَى أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ } } [الاعراف: 44]، الثاني: قال الزجاج: لا يبعد أن يكون السبب فيه قوله تعالى: { يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَـٰمِهِمْ } } [الإسرار: 71]، الثالث: أنه ينادي بعض الظالمين بعضاً بالويل والبثور فيقولون { يا ويلنا } [الأنبياء: 14]، الرابع: ينادون إلى المحشر، أي يدعون الخامس: ينادي المؤمن { هَاؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَـٰبيَهْ } } [الحاقة: 19] والكافر { يٰلَيْتَنِى لَمْ أُوتَ كِتَـٰبِيَهْ } } [الحاقة: 25]، السادس: ينادى باللعنة على الظالمين السابع: يجاء بالموت على صورة كبش أملح، ثم يذبح وينادى يا أهل القيامة لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحاً على فرحهم، وأهل النار حزناً على حزنهم الثامن: قال أبو علي الفارسي: التنادي مشتق من التناد، من قولهم ند فلان إذا هرب، وهو قراءة ابن عباس وفسرها، فقال يندون كما تند الإبل، ويدل على صحة هذه القراءة قوله تعالى: { يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْء مِنْ أَخِيهِ } } [عبس: 34] الآية. وقوله تعالى بعد هذه الآية {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ } لأنهم إذا سمعوا زفير النار يندون هاربين، فلا يأتون قطراً من الأقطار إلا وجدوا ملائكة صفوفاً، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه.

المسألة الثانية: انتصب قوله {يَوْمَ ٱلتَّنَادِ } لوجهين أحدهما: الظرف للخوف، كأنه خاف عليهم في ذلك اليوم، لما يلحقهم من العذاب، إن لم يؤمنوا والآخر أن يكون التقدير إني أخاف عليكم ـ عذاب ـ يوم التناد وإذا كان كذلك كان انتصاب يوم انتصاب المفعول به، لا انتصاب الظرف، لأن إعرابه إعراب المضاف المحذوف، ثم قال: {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ } وهو بدل من قوله {يَوْمَ ٱلتَّنَادِ } عن قتادة: منصرفين عن موقف يوم الحساب إلى النار، وعن مجاهد: فارين عن النار غير معجزين، ثم أكد التهديد فقال: {مَا لَكُمْ مّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ } ثم نبه على قوة ضلالتهم وشدة جهالتهم فقال: {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ }.