التفاسير

< >
عرض

وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ
١٣
قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ
١٤
قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
١٥
مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ
١٦
-الأنعام

مفاتيح الغيب ، التفسير الكبير

في الآية مسائل:

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن أحسن ما قيل في نظم هذه الآية ما ذكره أبو مسلمرحمه الله تعالى فقال: ذكر في الآية الأولى السماوات والأرض، إذ لا مكان سواهما. وفي هذه الآية ذكر الليل والنهار إذ لا زمان سواهما، فالزمان والمكان ظرفان للمحدثات، فأخبر سبحانه أنه مالك للمكان والمكانيات، ومالك للزمان والزمانيات، وهذا بيان في غاية الجلالة.

وأقول ههنا دقيقة أخرى، وهو أن الابتداء وقع بذكر المكان والمكانيات، ثم ذكر عقيبه الزمان والزمانيات، وذلك لأن المكان والمكانيات أقرب إلى العقول والأفكار من الزمان والزمانيات، لدقائق مذكورة في العقليات الصرفة، والتعليم الكامل هو الذي يبدأ فيه بالأظهر فالأظهر مترقياً إلى الأخفى فالأخفى، فهذا ما يتعلق بوجه النظم.

المسألة الثانية: قوله: {وله ما سكن في الليل والنهار} يفيد الحصر والتقدير: هذه الأشياء له لا لغيره، وهذا هو الحق لأن كل موجود فهو إما واجب لذاته، وإما ممكن لذاته، فالواجب لذاته ليس إلا الواحد. وما سرى ذلك الواحد ممكن. والممكن لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته، وكل ما حصل بإيجاده وتكوينه كان ملكاً له، فثبت أن ما سوى ذلك الموجود الواجب لذاته فهو ملكه ومالكه فلهذا السبب قال {وله ما سكن في الليل والنهار}.

المسألة الثالثة: في تفسير هذا السكون قولان: الأول: أن المراد منه الشيء الذي سكن بعد أن تحرك، فعلى هذا، المراد كل ما استقر في الليل والنهار من الدواب، وجملة الحيوانات في البر والبحر/ وعلى هذا التقدير: قالوا في الآية محذوف والتقدير: وله ما سكن وتحرك في الليل والنهار كقوله تعالى: { سَرَابِيل تقيكم الحر } [النحل: 81] أراد الحر والبرد فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر لأنه يعرف ذلك بالقرينة المذكورة، كذلك هنا حذف ذكر الحركة، لأن ذكر السكون يدل عليه.

والقول الثاني: أنه ليس المراد من هذا السكون ما هو ضد الحركة، بل المراد منه السكون بمعنى الحلول. كما يقال: فلان يسكن بلد كذا إذا كان محله فيه، ومنه قوله تعالى: { وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم } [إبراهيم: 45] وعلى هذا التقدير: كان المراد، وله كل ما حصل في الليل والنهار. والتقدير: كل ما حصل في الوقت والزمان سواء كان متحركاً أو ساكناً، وهذا التفسير أولى وأكمل. والسبب فيه أن كل ما دخل تحت الليل والنهار حصل في الزمان فقد صدق عليه أنه انقضى الماضي وسيجيء المستقبل، وذلك مشعر بالتغير وهو الحدوث، والحدوث ينافي الأزلية والدوام، فكل ما مرّ به الوقت ودخل تحت الزمان فهو محدث وكل حادث فلا بدّ له من محدث، وفاعل ذلك الفعل يجب أن يكون متقدماً عليه والمتقدم على الزمان فهو محدث وكل حادث فلا بدّ له من محدث، وفاعل ذلك الفعل يجب أن يكون متقدماً عليه والمتقدم على الزمان يجب أن يكون مقدماً على الوقت والزمان فلا تجري عليه الأوقات ولا تمر به الساعات ولا يصدق عليه أنه كان وسيكون. وأعلم أنه تعالى لما بيّن فيما سبق أنه مالك للمكان وجملة المكانيات ومالك للزمان وجملة الزمانيات، بين أنه سميع عليم يسمع نداء المحتاجين ويعلم حاجات المضطرين. والمقصود منه الرد على من يقول الإله تعالى موجب بالذات، فنبّه على أنه وإن كان مالكاً لكل المحدثات لكنه فاعل مختار يسمع ويرى ويعلم السر وأخفى، ولما قرر هذه المعاني قال: {قل أغير الله أتخذ ولياً}.

وأعلم أنه فرق بين أن يقال {أغير الله أتخذ ولياً} وبين أن يقال: أتخذ غير الله ولياً لأن الانكار إنما حصل على اتخاذ غير الله ولياً، لا على اتخاذ الولي، وقد عرفت أنهم يقدمون الأهم فالأهم الذي هم بشأنه أعنى فكأن قوله {قل أغير الله أتخذ ولياً} أولى من العبارة الثانية، ونظيره قوله تعالى: { أفغير الله تأمروني أعبد } [الزمر: 64] وقوله تعالى: { الله أذن لكم } [يونس: 59].

ثم قال {فاطر السماوات والأرض} وقريء {فاطر السماوات} بالجر صفة الله وبالرفع على إضمار "هو" والنصب على المدح. وقرأ الزهري {فطر السماوات} وعن ابن عباس: ما عرفت {فاطر السماوات} حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها أي ابتدأتها وقال ابن الأنباري: أصل الفطر شق الشيء عند ابتدائه، فقوله {فاطر السماوات والأرض} يريد خالقهما ومنشئهما بالتركيب الذي سبيله أن يحصل فيه الشق والتأليف عند ضم الأشياء إلى بعض، فلما كان الأصل الشق جاز أن يكون في حال شق إصلاح وفي حال أخرى شق إفساد. ففاطر السماوات من الاصلاح لا غير. وقوله { هل ترى من فطور } [الملك: 3] و { إذا السماء انفطرت } [الإنفطار: 1] من الافساد، وأصلهما واحد.

ثم قال تعالى: {وهو يطعم ولا يطعم} أي وهو الرازق لغيره ولا يرزقه أحد.

فإن قيل: كيف فسرت الاطعام بالرزق؟ وقد قال تعالى: { ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون } [الذاريات: 57] والعطف يوجب المغايرة.

قلنا لا شك في حصول المغايرة بينهما، إلا أنه قد يحسن جعل أحدهما كناية عن الآخر لشدة ما بينهما من المقاربة والمقصود من الآية: أن المنافع كلها من عنده، ولا يجوز عليه الانتفاع. وقرئ {ولا يطعم} بفتح الياء، وروى ابن المأمون عن يعقوب {وهو يطعم ولا يطعم} على بناء الأول للمفعول والثاني للفاعل، وعلى هذا التقدير: فالضمير عائد إلى المذكور في قوله {أغير الله} وقرأ الأشهب {وهو يطعم ولا يطعم} على بنائهما للفاعل. وفسر بأن معناه: وهو يطعم ولا يستطعم. وحكى الأزهري: أطعمت بمعنى استطعمت. ويجوز أن يكون المعنى: وهو يطعم تارة لا يطعم أخرى على حسب المصالح كقوله: وهو يعطي ويمنع، ويبسط ويقدر، ويغني ويفقر.

وأعلم أن المذكور في صدر الآية هو المنع من اتخاذ غير الله تعالى ولياً. واحتج عليه بأنه فاطر السماوات والأرض وبأنه يطعم ولا يطعم. ومتى كان الأمر كذلك امتنع اتخاذ غيره ولياً. أما بيان أنه فاطر السماوات والأرض، فلأنا بينا أن ما سوى الواحد ممكن لذاته، والممكن لذاته لا يقع موجوداً إلا بإيجاد غيره، فنتج أن ما سوى الله فهو حاصل بإيجاده وتكوينه. فثبت أنه سبحانه هو الفاطر لكل ما سواه من الموجودات. وأما بيان أنه يطعم ولا يطعم فظاهره لأن الاطعام عبارة عن إيصال المنافع، وعدم الاستطعام عبارة عن عدم الانتفاع. ولما كان هو المبديء تعالى وتقدس لكل ما سواه، كان لا محالة هو المبديء لحصول جميع المنافع. ولما كان واجباً لذاته كان لا محالة غنياً ومتعالياً عن الانتفاع بشيء آخر فثبت بالبرهان صحة أنه تعالى فاطر السماوات والأرض، وصحة أنه يطعم ولا يطعم، وإذا ثبت هذا امتنع في العقل اتخاذ غيره ولياً لأن ما سواه محتاج في ذاته وفي جميع صفاته وفي جميع ما تحت يده. والحق سبحانه هو الغني لذاته الجواد لذاته، وترك الغني الجواد، والذهاب إلى الفقير المحتاج ممنوع عنه في صريح العقل.

وإذا عرفت هذا فنقول: قد سبق في هذا الكتاب بيان أن الولي معناه الأصلي في اللغة: هو القريب. وقد ذكرنا وجوه الاشتقاقات فيه. فقوله {قل أغير الله أتخذ ولياً} يمنع من القرب من غير الله تعالى. فهذا يقتضي تنزيه القلب عن الالتفات إلى غير الله تعالى، وقطع العلائق عن كل ما سوى الله تعالى.

/ ثم قال تعالى: {قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم} والسبب أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق أمته في الإسلام لقوله { وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين } [الأنعام: 163] ولقول موسى { سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين } [الأعراف: 143]. ثم قال: {ولا تكونن من المشركين} ومعناه أمرت بالإسلام ونهيت عن الشرك. ثم إنه تعالى لما بيّن كون رسوله مأموراً بالإسلام ثم عقبه بكونه منهياً عن الشرك قال بعده {إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} والمقصود أني إن خالفته في هذا الأمر والنهي صرت مستحقاً للعذاب العظيم.

فإن قيل: قوله: {قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} يدل على أنه عليه السلام كان يخاف على نفسه من الكفر والعصيان، ولولا أن ذلك جائز عليه لما كان خائفاً.

والجواب أن الآية لا تدل على أنه خاف على نفسه، بل الآية تدل على أنه لو صدر عنه الكفر والمعصية فإنه يخاف. وهذا القدر لا يدل على حصول الخوف، ومثاله قولنا: إن كانت الخمسة زوجاً كانت منقسمة بمتساويين، وهذا لا يدل على أن الخمسة زوج ولا على كونها منقسمة بمتساويين، وهذا لا يدل على أن الخمسة زوج ولا على كونها منقسمة بمتساويين والله أعلم.

وقوله تعالى: {إني أخاف} قرأ ابن كثير ونافع {أني} بفتح الياء. وقرأ أبو عمرو والباقون بالإرسال.

{مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الفَوْزُ المُبِينُ}

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه قرأ أبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي {يُصْرَفْ } بفتح الياء وكسر الراء. وفاعل الصرف على هذه القراءة والضمير العائد إلى ربي من قوله { إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى } [الأنعام: 15] والتقدير: من يصرف هو عنه يومئذ العذاب. وحجة هذه القراءة قوله {فَقَدْ رَحِمَهُ } فلما كان هذا فعلاً مسنداً إلى ضمير اسم الله تعالى وجب أن يكون الأمر في تلك اللفظة الأخرى على هذا الوجه ليتفق الفعلان، وعلى هذا التقدير: صرف العذاب مسنداً إلى الله تعالى، وتكون الرحمة بعد ذلك مسندة إلى الله تعالى، وأما الباقون فإنهم قرؤا {مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ } على فعل ما لم يسم فاعله، والتقدير من يصرف عنه عذاب يومئذ وإنما حسن ذلك لأنه تعالى أضاف الغذاب إلى اليوم في قوله {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ }[الإنعام: 15] فلذلك أضاف الصرف إليه. والتقدير: من يصرف عنه عذاب ذلك اليوم.

المسألة الثانية: ظاهر الآية يقتضي كون ذلك اليوم مصروفاً وذلك محال، بل المراد عذاب ذلك اليوم، وحسن هذا الحذف لكونه معلوماً.

المسألة الثالثة: دلّت الآية على أن الطاعة لا توجب الثواب، والمعصية لا توجب العقاب لأنه تعالى قال: {مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ } أي كل من صرف الله عنه العذاب في ذلك اليوم فقد رحمه. وهذا إنما يحسن لو كان ذلك الصرف واقعاً على سبيل التفضل أما لو كان واجباً مستحقاً لم يحسن أن يقال فيه إنه رحمه ألا ترى أن الذي يقبح منه أن يضرب العبد، فإذا لم يضربه لا يقال إنه رحمه. أما إذا حسن منه أن يضربه ولم يضربه فإنه يقال إنه رحمه، فهذه الآية تدل على أن كل عقاب انصرف وكل ثواب حصل، فهو ابتداء فضل وإحسان من الله تعالى وهو موافق لما يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده ما من الناس أحد يدخل الجنة بعمله، قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" ووضع يده فوق رأسه، وطول بها صوته.

المسألة الرابعة: قال القاضي: الآية تدل على أن من لم يعاقب في الآخرة ممن يصرف عنه العقاب، فلا بد من أن يثاب وذلك يبطل قول من يقول: إن فيمن يصرف عنه العقاب من المكلفين من لا يثاب، لكنه يتفضل عليه.

فإن قيل: أليس من لم يعاقبه الله تعالى ويتفضل عليه فقد حصل له الفوز المبين وذلك يبطل دلالة الآية على قولكم؟

قلنا: هذا الذي ذكرتموه مدفوع من وجوه: الأول: أن التفضل يكون كالابتداء من قبل الله تعالى، وليس يكون ذلك مطلوباً من الفعل والفوز هو الظفر بالمطلوب، فلا بدّ وأن يفيد أمراً مطلوباً. والثاني: أن الفوز المبين لا يجوز حمله على التفضل بل يجب حمله على ما يقتضي مبالغة في عظم النعمة، وذلك لا يكون إلا ثواباً. والثالث: أن الآية معطوفة على قوله {إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}[الأنعام: 15] والمقابل للعذاب هو الثواب، فيجب حمل هذه الرحمة على الثواب.

واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف جداً وضعفه ظاهر فلا حاجة فيه إلى الاستقصاء والله أعلم.