التفاسير

< >
عرض

وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ
٨
وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـۤئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ
٩
-الأعراف

مفاتيح الغيب ، التفسير الكبير

اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن من جملة أحوال القيامة السؤال والحساب، بين في هذه الآية أن من جملة أحوال القيامة أيضاً وزن الأعمال، وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: {ٱلْوَزْنَ } مبتدأ و {يَوْمَئِذٍ } ظرف له و {ٱلْحَقّ } خبر المبتدأ، ويجوز أن يكون {يَوْمَئِذٍ } الخبر و {ٱلْحَقّ } صفة للوزن، أي والوزن الحق، أي العدل يوم يسأل الله الأمم والرسل.

المسألة الثانية: في تفسير وزن الأعمال قولان: الأول: في الخبر أنه تعالى ينصب ميزاناً له لسان وكفتان يوم القيامة يوزن به أعمال العباد خيرها وشرها، ثم قال ابن عباس: أما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة، فتوضع في كفة الميزان فتثقل حسناته على سيئاته، فذلك قوله: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوٰزِينُهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } الناجون قال وهذا كما قال في سورة الأنبياء: { وَنَضَعُ ٱلْمَوٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً } [الأنبياء: 47] وأما كيفية وزن الأعمال على هذا القول ففيه وجوه: أحدهما: أن أعمال المؤمن تتصور بصورة حسنة، وأعمال الكافر بصورة قبيحة، فتوزن تلك الصورة: كما ذكره ابن عباس. والثاني: أن الوزن يعود إلى الصحف التي تكون فيها أعمال العباد مكتوبة، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يوزن يوم القيامة فقال: «الصحف» وهذا القول مذهب عامة المفسرين في هذه الآية، وعن عبد لله بن سلام، أن ميزان رب العالمين ينصب بين الجن والإنس يستقبل به العرش إحدى كفتي الميزان على الجنة، والأخرى على جهنم، ولو وضعت السموات والأرض في إحداهما لوسعتهن، وجبريل آخذ بعموده ينظر إلى لسانه، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يؤتى برجل يوم القيامة إلى الميزان ويؤتى له بتسعة وتسعين سجلاً كل سجل منها مد البصر فيها خطاياه وذنوبه فتوضع في كفة الميزان ثم يخرج له قرطاس كالأنملة فيه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله يوضع في الأخرى فترجح" وعن الحسن: بينما الرسول صلى الله عليه وسلم ذات يوم واضع رأسه في حجر عائشة رضي الله عنها قد أغفى فسالت الدموع من عينها فقال: «ما أصابك ما أبكاك؟» فقالت: ذكرت حشر الناس وهل يذكر أحد أحداً، فقال لها: "يحشرون حُفاة عُراة غرلاً" { لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ } [عبس: 37] لا يذكر أحد أحداً عند الصحف، وعند وزن الحسنات والسيئات، وعن عبيد بن عمير يؤتى بالرجل العظيم الأكول الشروب فلا يكون له وزن بعوضة.

والقول الثاني: وهو قول مجاهد والضحاك والأعمش، أن المراد من الميزان العدل والقضاء وكثير من المتأخرين ذهبوا إلى هذا القول، وقالوا حمل لفظ الوزن على هذا المعنى سائغ في اللغة والدليل عليه فوجب المصير إليه. وأما بيان أن حمل لفظ الوزن على هذا المعنى جائز في اللغة، فلأن العدل في الأخذ والإعطاء، لا يظهر إلا بالكيل والوزن في الدنيا فلم يبعد جعل الوزن كناية عن العدل، ومما يقوي ذلك أن الرجل إذا لم يكن له قدرة ولا قيمة عند غيره يقال: إن فلاناً لا يقيم لفلان وزناً قال تعالى: { فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَزْناً } [الكهف: 105] ويقال أيضاً فلان استخف بفلان، ويقال هذا الكلام في وزن هذا وفي وزانه، أي يعادله ويساويه مع أنه ليس هناك وزن في الحقيقة قال الشاعر:

قد كنت قبل لقائكم ذا قوة عندي لكل مخاصم ميزانه

أراد عندي لكل مخاصم كلام يعادل كلامه فجعل الوزن مثلاً للعدل.

إذا ثبت هذا فنقول: وجب أن يكون المراد من هذه الآية هذا المعنى فقط والدليل عليه أن الميزان، إنما يراد ليتوصل به إلى معرفة مقدار الشيء، ومقادير الثواب والعقاب لا يمكن إظهارها بالميزان، لأن أعمال العباد أعراض وهي قد فنيت وعدمت، ووزن المعدوم محال، وأيضاً فبتقدير بقائها كان وزنها محالاً، وأما قولهم الموزون صحائف الأعمال أو صور مخلوقة على حسب مقادير الأعمال. فنقول: المكلف يوم القيامة، إما أن يكون مقراً بأنه تعالى عادل حكيم أو لا يكون مقراً بذلك فإن كان مقراً بذلك، فحينئذ كفاه حكم الله تعالى بمقادير الثواب والعقاب في علمه بأنه عدل وصواب وإن لم يكن مقراً بذلك لم يعرف من رجحان كفة الحسنات على كفة السيئات أو بالعكس حصول الرجحان لاحتمال أنه تعالى أظهر ذلك الرجحان لا على سبيل العدل والإنصاف فثبت أن هذا الوزن لا فائدة فيه ألبتة، أجاب الأولون وقالوا إن جميع المكلفين يعلمون يوم القيامة أنه تعالى منزه عن الظلم والجور، والفائدة في وضع ذلك الميزان أن يظهر ذلك الرجحان لأهل القيامة، فإن كان ظهور الرجحان في طرف الحسنات، ازداد فرحه وسروره بسبب ظهور فضله وكمال درجته لأهل القيامة وإن كان بالضد فيزداد غمه وحزنه وخوفه وفضيحته في موقف القيامة، ثم اختلفوا في كيفية ذلك الرجحان، فبعضهم قال يظهر هناك نور في رجحان الحسنات، وظلمة في رجحان السيئات، وآخرون قالوا بل بظهور رجحان في الكفة.

المسألة الثالثة: الأظهر إثبات موازين في يوم القيامة لا ميزان واحد والدليل عليه قوله: { وَنَضَعُ ٱلْمَوٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } [الأنبياء: 47] وقال في هذه الآية: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوٰزِينُهُ } وعلى هذا فلا يبعد أن يكون لأفعال القلوب ميزان، ولأفعال الجوارح ميزان، ولما يتعلق بالقول ميزان آخر. قال الزجاج: إنما جمع الله الموازين ههنا، فقال: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوٰزِينُهُ } ولم يقل ميزانه لوجهين: الأول: أن العرب قد توقع لفظ الجمع على الواحد. فيقولون: خرج فلان إلى مكة على البغال. والثاني: أن المراد من الموازين ههنا جمع موزون لا جمع ميزان وأراد بالموازين الأعمال الموزونة ولقائل أن يقول هذان الوجهان يوجبان العدول عن ظاهر اللفظ، وذلك إنما يصار إليه عند تعذر حمل الكلام على ظاهره ولا مانع ههنا منه فوجب إجراء اللفظ على حقيقته فكما لم يمتنع إثبات ميزان له لسان وكفتان فكذلك لا يمتنع إثبات موازين بهذه الصفة، فما الموجب لترك الظاهر والمصير إلى التأويل.

وأما قوله تعالى: {وَمَنْ خَفَّتْ مَوٰزِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَـٰتِنَا يَظْلِمُونَ }.

اعلم أن هذه الآية فيها مسائل:

المسألة الأولى: أنها تدل على أن أهل القيامة فريقان منهم من يزيد حسناته على سيئاته، ومنهم من يزيد سيئاته على حسناته، فأما القسم الثالث وهو الذي تكون حسناته وسيئاته متعادلة متساوية فإنه غير موجود.

المسألة الثانية: قال أكثر المفسرين المراد من قوله: {وَمَنْ خَفَّتْ مَوٰزِينُهُ } الكافر والدليل عليه القرآن والخبر والأثر. أما القرآن فقوله تعالى: {فَأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَـٰتِنَا يَظْلِمُونَ } ولا معنى لكون الإنسان ظالماً بآيات الله إلا كونه كافراً بها منكراً لها، فدل هذا على أن المراد من هذه الآية أهل الكفر، وأما الخبر فما روي أنه إذا خفت حسنات المؤمن أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجرته بطاقة كالأنملة فيلقيها في كفة الميزان اليمنى التي فيها حسناته فترجح الحسنات فيقول ذلك العبد المؤمن للنبي صلى الله عليه وسلم بأبي أنت وأمي ما أحسن وجهك وأحسن خلقك فمن أنت؟ فيقول: "أنا نبيك محمد وهذه صلاتك التي كنت تصلي علي قد وفيتك أحوج ما تكون إليها" ، وهذا الخبر رواه الواحدي في «البسيط»، وأما جمهور العلماء فرووا ههنا الخبر الذي ذكرناه من أنه تعالى يلقى في كفة الحسنات الكتاب المشتمل على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. قال القاضي: يجب أن يحمل هذا على أنه أتى بالشهادتين بحقهما من العبادات، لأنه لو لم يعتبر ذلك لكان من أتى بالشهادتين يعلم أن المعاصي لا تضره، وذلك إغراء بمعصية الله تعالى.

ولقائل أن يقول: العقل يدل على صحة ما دل عليه هذا الخبر، وذلك أن العمل كلما كان أشرف وأعلى درجة، وجب أن يكون أكثر ثواباً، ومعلوم أن معرفة الله تعالى ومحبته أعلى شأناً، وأعظم درجة من سائر الأعمال، فوجب أن يكون أوفى ثواباً، وأعلى درجة من سائر الأعمال. وأما الأثر فلأن ابن عباس وأكثر المفسرين حملوا هذه الآية على أهل الكفر.

وإذا ثبت هذا الأصل فنقول: إن المرجئة الذين يقولون: المعصية لا تضر مع الإيمان تمسكوا بهذه الآية وقالوا إنه تعالى حصر أهل موقف القيامة في قسمين: أحدهما: الذين رجحت كفة حسناتهم وحكم عليهم بالفلاح. والثاني: الذين رجحت كفة سيئاتهم، وحكم عليهم بأنهم أهل الكفر الذين كانوا يظلمون بآيات الله، وذلك يدل على أن المؤمن لا يعاقب ألبتة. ونحن نقول في الجواب: أقصى ما في الباب أنه تعالى لم يذكر هذا القسم الثالث في هذه الآية إلا أنه تعالى ذكره في سائر الآيات فقال: { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } [النساء: 116] والمنطوق راجح على المفهوم، فوجب المصير إلى إثباته، وأيضاً فقال تعالى في هذا القسم: {فَأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم } ونحن نسلم أن هذا لا يليق إلا بالكافر وأما العاصي المؤمن فإنه يعذب أياماً ثم يُعفى عنه، ويتخلص إلى رحمة الله تعالى، فهو في الحقيقة ما خسر نفسه بل فاز برحمة الله أبد الآباد من غير زوال وانقطاع والله أعلم.