التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ
٢٠
وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ
٢١
إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ
٢٢
وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ
٢٣
-الأنفال

مفاتيح الغيب ، التفسير الكبير

اعلم أنه تعالى لما خاطب المؤمنين بقوله: { ءانٍ تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً } [الأنفال: 19] أتبعه بتأديبهم فقال: {ٱلْمُؤْمِنِينَ يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ } ولم يبين أنهم ماذا يسمعون إلا أن الكلام من أول السورة إلى هنا لما كان واقعاً في الجهاد علم أن المراد وأنتم تسمعون دعاءه إلى الجهاد، ثم إن الجهاد اشتمل على أمرين: أحدهما: المخاطرة بالنفس. والثاني: الفوز بالأموال، ولما كانت المخاطرة بالنفس شاقة شديدة على كل أحد، وكان ترك المال بعد القدرة على أخذه شاقاً شديداً، لا جرم بالغ الله تعالى في التأديب في هذا الباب فقال: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } في الإجابة إلى الجهاد، وفي الإجابة إلى تركه المال إذا أمره الله بتركه والمقصود تقرير ما ذكرناه في تفسير قوله تعالى: { قُلِ ٱلانفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ } [الأنفال: 1].

فإن قيل: فلم قال ولا تولوا عنه فجعل الكناية واحدة مع أنه تقدم ذكر الله ورسوله.

قلنا: إنه تعالى أمر بطاعة الله وبطاعة رسوله. ثم قال: {وَلاَ تَوَلَّوْاْ } لأن التولي إنما يصح في حق الرسول بأن يعرضوا عنه وعن قبول قوله وعن معونته في الجهاد.

ثم قال مؤكداً لذلك: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ قَالُواْ سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ } والمعنى: أن الإنسان لا يمكنه أن يقبل التكليف وأن يلتزمه إلا بعد أن يسمعه، فجعل السماع كناية عن القبول. ومنه قولهم سمع الله لمن حمده، والمعنى: ولا تكونوا كالذين يقولون بألسنتهم أنا قبلنا تكاليف الله تعالى، ثم إنهم بقلوبهم لا يقبلونها. وهو صفة للمنافقين كما أخبر الله عنهم بقوله: { وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ } [البقرة: 14].

ثم قال تعالى: {إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ } واختلفوا في الدواب. فقيل: شبههم بالدواب لجهلهم وعدولهم عن الانتفاع بما يقولون. ويقال لهم: ولذلك وصفهم بالصم والبكم وبأنهم لا يعقلون. وقيل: بل هم من الدواب لأنه اسم لما دب على الأرض ولم يذكره في معرض التشبيه، بل وصفهم بصفة تليق بهم على طريقة الذم، كما يقال لمن لا يفهم الكلام، هو شبح وجسد وطلل على جهة الذم.

ثم قال: {وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لاسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ } والمعنى أن كل ما كان حاصلاً فإنه يجب أن يعلمه الله فعدم علم الله بوجوده من لوازم عدمه، فلا جرم حسن التعبير عن عدمه في نفسه بعدم علم الله بوجوده، وتقرير الكلام لو حصل فيهم خير، لأسمعهم الله الحجج والمواعظ سماع تعليم وتفهيم، ولو أسمعهم بعد أن علم أنه لا خير فيهم لم ينتفعوا بها، ولتولوا وهم معرضون. قيل: إن الكفار سألوا الرسول عليه السلام أن يحيي لهم قصي بن كلاب وغيره من أمواتهم ليخبروهم بصحة نبوته، فبين تعالى أنه لو علم فيهم خيراً، وهو انتفاعهم بقول هؤلاء الأموات لأحياهم حتى يسمعوا كلامهم، ولكنه تعالى علم منهم أنهم لا يقولون هذا الكلام إلا على سبيل العناد والتعنت، وأنه لم أسمعهم الله كلامهم لتولوا عن قبول الحق ولأعرضوا عنه، وفي هذه الآية مسائل:

المسألة الأولى: أنه تعالى حكم عليهم بالتولي عن الدلائل وبالإعراض عن الحق وأنهم لا يقبلونه البتة، ولا ينتفعون به البتة. فنقول: وجب أن يكون صدور الإيمان منهم محالاً، لأنه لو صدر الإيمان، لكان إما أن يوجد ذلك الإيمان مع بقاء هذا الخبر صدقاً أو مع انقلابه كذباً والأول محال، لأن وجود الإيمان مع الأخبار بعدم الإيمان جمع بين النقيضين وهو محال. والثاني محال، لأن انقلاب خبر الله الصدق كذباً محال. لا سيما في الزمان الماضي المنقضي، وهكذا القول في انقلاب علم الله جهلاً، وتقريره سبق مراراً.

المسألة الثانية: النحويون يقولون: كلمة {لَوْ } وضعت للدلالة على انتفاء الشيء لأجل انتفاء غيره، فإذا قلت: لو جئتني لأكرمتك، أفاد أنه ما حصل المجيء، وما حصل الإكرام. ومن الفقهاء من قال: إنه لا يفيد إلا الاستلزام، فأما الانتفاء لأجل انتفاء الغير، فلا يفيده هذا اللفظ والدليل عليه الآية والخبر، أما الآية، فهي هذه الآية، وتقريره: أن كلمة {لَوْ } لو أفادت ما ذكروه لكان قوله: {وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لاسْمَعَهُمْ } يقتضي أنه تعالى ما علم فيهم خيراً وما أسمعهم. ثم قال: {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ } فيكون معناه: أنه ما أسمعهم وأنهم ما تولوا لكن عدم التولي خير من الخيرات، فأول الكلام يقتضي نفي الخير، وآخره يقتضي حصول الخير، وذلك متناقض. فثبت أن القول بأن كلمة {لَوْ } تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره يوجب هذا التناقض، فوجب أن لا يصار إليه. وأما الخبر فقوله عليه السلام: "نعم الرجل صهيب لو لم يخف الله لم يعصه" فلو كانت لفظة «لو» تفيد ما ذكروه لصار المعنى أنه خاف الله وعصاه، وذلك متناقض. فثبت أن كلمة {لَوْ } لا تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، وإنما تفيد مجرد الاستلزام.

واعلم أن هذا الدليل أحسن إلا أنه على خلاف قول جمهور الأدباء.

المسألة الثالثة: أن معلومات الله تعالى على أربعة أقسام: أحدها: جملة الموجودات. والثاني: جملة المعدومات. والثالث: أن كل واحد من الموجودات لو كان معدوماً فكيف يكون حاله. الرابع: أن كل واحد من المعدومات لو كان موجوداً كيف يكون حاله، والقسمان الأولان علم بالواقع، والقسمان الثانيان عم بالمقدر الذي هو غير واقع، فقوله: {وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لاسْمَعَهُمْ } من القسم الثاني وهو العلم بالمقدرات، وليس من أقسام العلم بالواقعات ونظيره قوله تعالى حكاية عن المنافقين: {لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ } وقال تعالى: { لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ ٱلاْدْبَـٰرَ } [الحشر: 11، 12] فعلم تعالى في المعدوم أنه لو كان موجوداً كيف يكون حاله، وأيضاً قوله: { وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـٰدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } [الأنعام: 28] فأخبر عن المعدوم أنه لو كان موجوداً كيف يكون حاله.