التفاسير

< >
عرض

وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
٤١
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يٰبُنَيَّ ٱرْكَبَ مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَافِرِينَ
٤٢
قَالَ سَآوِيۤ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ ٱلْمَآءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ
٤٣
وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ ٱلْمَآءُ وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ
٤٤
-هود

الجامع لاحكام القرآن

قوله تعالى: {وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا} أمر بالركوب؛ ويحتمل أن يكون من الله تعالى، ويحتمل أن يكون من نوح لقومه. والركوب العلوّ على ظهر الشيء. ويقال: ركبه الدّيْن. وفي الكلام حذف؛ أي ٱركبوا الماء في السفينة. وقيل: المعنى ٱركبوها. و «في» للتأكيد كقوله تعالى: { إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ } [يوسف: 43] وفائدة «في» أنهم أمروا أن يكونوا في جوفها لا على ظهرها. قال عِكرمة: ركب نوح عليه السلام في الفلك لعشر خلون من رجب، وٱستوت على الجُوديّ لعشر خلون من المحرم؛ فذلك ستة أشهر؛ وقاله قَتَادة وزاد؛ وهو يوم عاشوراء؛ فقال لمن كان معه: من كان صائماً فليتم صومه، ومن لم يكن صائماً فليصمه. وذكر الطبريّ في هذا حديثاً عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أن نوحاً ركب في السفينة أوّل يوم من رجب، وصام الشهر أجمع، وجرت بهم السفينة إلى يوم عاشوراء، ففيه أرست على الجوديّ، فصامه نوح ومن معه. وذكر الطبريّ عن ابن إسحق ما يقتضي أنه أقام على الماء نحو السنة، ومرت بالبيت فطافت به سبعاً، وقد رفعه الله عن الغرق فلم ينله غرق، ثم مضت إلى اليمن ورجعت إلى الجوديّ فاستوت عليه.

قوله تعالى: {بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا} قراءة أهل الحرمين وأهل البصرة بضم الميم فيهما إلا من شذ، على معنى بسم الله إجراؤها وإرساؤها؛ فمجراها ومرساها في موضع رفع بالابتداء؛ ويجوز أن تكون في موضع نصب، ويكون التقدير: بسم الله وقت إجرائها ثم حذف وقت، وأقيم «مجراها» مقامه. وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي: «بِسمِ ٱللَّهِ مَجْرِيهَا» بفتح الميم و «مُرْسَاهَا» بضم الميم. وروى يحيـى بن عيسى عن الأعمش عن يحيـى بن وثّاب «بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا وَمَرْسَاهَا» بفتح الميم فيهما؛ على المصدر من جَرت تَجري جرياً ومجَرًى، ورَست رُسوًّا ومَرْسىً إذا ثبتت. وقرأ مجاهد وسليمان بن جُنْدُب وعاصم الجَحْدَريّ وأبو رَجاء العُطَارِدِيّ: «بِسْمِ ٱللَّهِ مُجْرِيهَا وَمُرْسِيَها» نعت لله عز وجل في موضع جر. ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ؛ أي هو مُجريها ومُرسيها. ويجوز النصب على الحال. وقال الضحّاك: كان نوح عليه السلام إذا قال بسم الله مَجراها جرت، وإذا قال بسم ٱلله مَرساها رست. وروى مروان بن سالم عن طلحة بن عبيد الله بن كَرِيز عن الحسين بن عليّ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أمَانٌ لأمتي من الغرق إذا ركبوا في الفلك بسم الله الرحمن الرحيم" { { وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [الزمر:67] {بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}. وفي هذه الآية دليل على ذكر البسملة عند ٱبتداء كل فعل؛ كما بيّناه في البسملة، وٱلحمد لله. {إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي لأهل السفينة. وروي عن ابن عباس قال: لما كثرت الأرواث والأقذار أوحى الله إلى نوح ٱغمز ذنب الفيل، فوقع منه خنزير وخنزيرة فأقبلا على الروث؛ فقال نوح: لو غمزت ذنب هذا الخنزير ففعل، فخرج منه فأر وفأرة فلما وقعا أقبلا على السفينة وحبالها تقرضها، وتقرض الأمتعة والأزواد حتى خافوا على حبال السفينة؛ فأوحى الله إلى نوح أن ٱمسح جبهة الأسد فمسحها، فخرج منها سِنّوران فأكلا الفئرة. ولما حمل الأسد في السفينة قال: يا رب من أين أطعمه؟ قال: سوف أشغله، فأخذته ٱلحُمَّى؛ فهو الدهرَ محموم. قال ابن عباس: وأوّل ما حمل نوح من البهائم في الفلك حمل الإوزّة، وآخر ما حمل حمل الحمار؛ قال: وتعلق إبليس بذنبه، ويداه قد دخلتا في السفينة، ورجلاه خارجة بعد، فجعل الحمار يضطرب ولا يستطيع أن يدخل، فصاح به نوح: ٱدخل ويلك فجعل يضطرب؛ فقال: ٱدخل ويلك وإن كان معك الشيطان؛ كلمة زلّت على لسانه، فدخل ووثب الشيطان فدخل. ثم إن نوحاً رآه يغنِّي في السفينة، فقال له: يا لعين ما أدخلك بيتي؟ٰ قال: أنت أذنت لي؛ فذكر له؛ فقال له: قم فاخرج. قال: ما لك بدّ في أن تحملني معك؛ فكان فيما يزعمون في ظهر الفلك. وكان مع نوح عليه السلام خرزتان مضيئتان، واحدة مكان الشمس، والأخرى مكان القمر. ابن عباس: إحداهما بيضاء كبياض النهار، والأخرى سوداء كسواد الليل؛ فكان يعرف بهما مواقيت الصلاة؛ فإذا أمسوا غلب سواد هذه بياض هذه، وإذا أصبحوا غلب بياض هذه سواد هذه؛ على قدر الساعات.

قوله تعالى: {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ} الموج جمع موجة؛ وهي ما ارتفع من جملة الماء الكثير عند اشتداد الريح. والكاف للتشبيه، وهي في موضع خفض نعت للموج. وجاء في التفسير أن الماء جاوز كل شيء بخمسة عشر ذراعاً. {وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ} قيل: كان كافراً واسمه كنعان. وقيل: يام. ويجوز على قول سيبويه: {ونادى نوح ٱبنه} بحذف الواو من {ابنه} في اللفظ، وأنشد:

لَـهُ زَجَـلٌ كَأَنَّـهُ صـوتُ حـادٍ

فأما {ونَادَى نُوحٌ ٱبْنَهَ وَكَانَ} فقراءة شاذّة، وهي مروية عن عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه، وعروة بن الزبير. وزعم أبو حاتم أنها تجوز على أنه يريد «ابنها» فحذف الألف كما تقول: {ٱبنه}؛ فتحذف الواو. وقال النحاس: وهذا الذي قاله أبو حاتم لا يجوز على مذهب سيبويه؛ لأن الألف خفيفة فلا يجوز حذفها، والواو ثقيلة يجوز حذفها. {وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ} أي من دين أبيه. وقيل: عن السفينة. وقيل: إن نوحاً لم يعلم أن ٱبنه كان كافراً، وأنه ظن أنه مؤمن؛ ولذلك قال له: {وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَافِرِينَ} وسيأتي. وكان هذا النداء من قبل أن يستيقن القوم الغرق؛ وقبل رؤية اليأس، بل كان في أوّل ما فار التنور، وظهرت العلامة لنوح. وقرأ عاصم: «يَابُنيَّ ٱرْكَبْ مَعَنَا» بفتح الياء، والباقون بكسرها. وأصل «يا بنيّ» أن تكون بثلاث ياءات؛ ياء التصغير، وياء الفعل، وياء الإضافة؛ فأدغمت ياء التصغير في لام الفعل، وكسرت لام الفعل من أجل ياء الإضافة، وحذفت ياء الإِضافة لوقوعها موقع التنوين، أو لسكونها وسكون الراء في هذا الموضع؛ هذا أصل قراءة من كسر الياء، وهو أيضاً أصل قراءة من فتح؛ لأنه قلب ياء الإضافة ألفاً لخفة الألف، ثم حذف الألف لكونها عوضاً من حرف يحذف، أو لسكونها وسكون الراء. قال النحاس: أما قراءة عاصم فمشكلة؛ قال أبو حاتم: يريد يا بُنَيَّاه ثم يحذف؛ قال النحاس: رأيت عليّ بن سليمان يذهب إلى أن هذا لا يجوز؛ لأن الألف خفيفة. قال أبو جعفر النحاس: ما علمت أن أحداً من النحويين جوز الكلام في هذا إلا أبا إسحق؛ فإنه زعم أن الفتح من جهتين، والكسر من جهتين؛ فالفتح على أنه يبدل من الياء ألفاً؛ قال الله عز وجل إخباراً: { يَا وَيْلَتَا } [الفرقان:28] وكما قال الشاعر:

فيـا عجبَـا مِـن رَحْلهـا المتحمَّـلِ

فيريد يا بنيّا، ثم حذف الألف لالتقاء الساكنين، كما تقول: جاءني عبدا الله في التثنية. والجهة الأخرى أن تحذف الألف؛ لأن النداء موضع حذف. والكسر على أن تحذف الياء للنداء. والجهة الأخرى على أن تحذفها لالتقاء الساكنين.

قوله تعالى: {قَالَ سَآوِيۤ} أي أرجع وأنضم. {إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي} أي يمنعني {مِنَ ٱلْمَآءِ} فلا أغرق. {قَالَ لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} أي لا مانع؛ فإنه يوم حقّ فيه العذاب على الكفار. وٱنتصب «عاصم» على التبرئة. ويجوز «لا عاصم اليوم» تكون لا بمعنى ليس. {إِلاَّ مَن رَّحِمَ} في موضع نصب استثناء ليس من الأوّل؛ أي لكن منرحمه الله فهو يعصمه؛ قاله الزجاج. ويجوز أن يكون في موضع رفع، على أن عاصماً بمعنى معصوم؛ مثل: { مَاءٍ دَافِقٍ } [الطارق:6] أي مدفوق؛ فالاستثناء على هذا متصل؛ قال الشاعر:

بطيءُ القيامِ رخيمُ الكلامِ أَمْسَى فؤادِي بهِ فَاتِنَا

أي مفتوناً. وقال آخر:

دَعِ المكارِمَ لا تَنهضْ لبغيتهاوٱقعدْ فإنَّك أنتَ الطاعمُ الكَاسِي

أي المطعوم المكسوّ. قال النحاس: ومن أحسن ما قيل فيه أن تكون «مَن» في موضع رفع؛ بمعنى لا يعصم اليوم من أمر الله إلا الراحم؛ أي إلا الله. وهذا اختيار الطَّبَريّ. ويُحسّن هذا أنك لم تجعل عاصماً بمعنى معصوم فتخرجه من بابه، ولا «إلاَّ» بمعنى «لكن». {وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ} يعني بين نوح وٱبنه. {فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ} قيل: إنه كان راكباً على فرس قد بطر بنفسه، وأعجب بها؛ فلما رأى الماء جاء قال: يا أبت فار التنور، فقال له أبوه: {يٰبُنَيَّ ٱرْكَب مَّعَنَا} فما ٱستتمّ المراجعة حتى جاءت مَوْجة عظيمة فالتقمته هو وفرسه، وحيل بينه وبين نوح فغرق. وقيل: إنه اتخذ لنفسه بيتاً من زجاج يتحصّن فيه من الماء، فلما فار التّنور دخل فيه وأقفله عليه من داخل، فلم يزل يتغوّط فيه ويبول حتى غرق بذلك. وقيل: إن الجبل الذي آوى إليه «طورسيناء».

قوله تعالى: {وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِي} هذا مجاز لأنها موات. وقيل: جعل فيها ما تُميّز به. والذي قال إنه مجاز قال: لو فُتِّش كلام العرب والعجم ما وجد فيه مثل هذه الآية على حسن نظمها، وبلاغة رصفِها، واشتمال المعاني فيها. وفي الأثر: إن الله تعالى لا يخلي الأرض من مطر في عام أو عامين، وأنه ما نزل من السماء ماء قطّ إلا بحفظ مَلك موكّل به إلا ما كان من ماء الطوفان؛ فإنه خرج منه ما لا يحفظه الملَك. وذلك قوله تعالى: { إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ } [الحاقة: 11] فجرت بهم السفينة إلى أن تناهي الأمر؛ فأمر الله الماء المنهمر من السماء بالإمساك، وأمر الله الأرض بالابتلاع. يقال: بلَع الماء يبلَعه مثل منع يمنع وبَلِع يبلَع مثل حمِد يحمَد؛ لغتان حكاهما الكسائيّ والفرّاء. والبالُوعة الموضع الذي يشرب الماء. قال ابن العربي: التقى الماءان على أمر قد قدر، ما كان في الأرض وما نزل من السماء؛ فأمر الله ما نزل من السماء بالإقلاع، فلم تمتصّ الأرض منه قطرة، وأمر الأرض بابتلاع ما خرج منها فقط. وذلك قوله تعالى: {وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ ٱلْمَآءُ} وقيل: ميّز الله بين الماءين، فما كان من ماء الأرض أمرها فبلعته، وصار ماء السماء بحاراً.

قوله تعالى: {وَغِيضَ ٱلْمَآءُ} أي نقص؛ يقال: غاض الشيءُ وغِضته أنا؛ كما يقال: نَقَص بنفسه ونَقَصه غيره، ويجوز «غيض» بضم الغين. {وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ} أي أحكم وفرغ منه؛ يعني أهلك قوم نوح على تمام وإحكام. ويقال: إن الله تعالى أعقم أرحامهم أي أرحام نسائهم قبل الغرق بأربعين سنة، فلم يكن فيمن هلك صغير. والصحيح أنه أهلك الوِلدان بِالطّوفان، كما هلكت الطير والسباع، ولم يكن الغرق عقوبة للصبيان والبهائم والطير، بل ماتوا بآجالهم. وحكي أنه لما كثر الماء في السّكك خشيت أمّ صبيّ عليه؛ وكانت تحبه حباً شديداً، فخرجت به إلى الجبل، حتى بلغت ثلثه، فلما بلغها الماء خرجت حتى بلغت ثلثيه، فلما بلغها الماء ٱستوت على الجبل؛ فلما بلغ الماء رقبتها رفعت يديها بابنها حتى ذهب بها الماء؛ فلو رحم الله منهم أحداً لرحم أمّ الصبي.

قوله تعالى: {وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} أي هلاكاً لهم. الجُوديّ جبل بقرب الْمَوْصل؛ استوت عليه في العاشر من المحرّم يوم عاشوراء؛ فصامه نوح وأمر جميع من معه من الناس والوحش والطير والدواب وغيرها فصاموه، شكراً لله تعالى؛ وقد تقدّم هذا المعنى. وقيل: كان ذلك يوم الجمعة. وروي أن الله تعالى أوحى إلى الجبال أن السفينة ترسي على واحد منها فتطاولت، وبقي الجُوديّ لم يتطاول تواضعاً لله، فاستوت السّفينة عليه: وبقيت عليه أعوادها. وفي الحديث أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لقد بقي منها شيء أدركه أوائل هذه الأمة" . وقال مجاهد: تشامخت الجبال وتطاولت لئلا ينالها الغرق؛ فعلا الماء فوقها خمسة عشر ذراعاً، وتطامن الجوديّ، وتواضع لأمر الله تعالى فلم يغرق، ورست السفينة عليه. وقد قيل: إن الجوديّ ٱسم لكل جبل؛ ومنه قول زيد بن عمرو بن نُفَيل:

سُبحانه ثُمّ سُبحاناً يَعودُ لَهوقَبْلَنا سَبَّحَ الجُوديُّ والجَمَدُ

ويقال: إن الجُوديّ من جبال الجنة؛ فلهذا ٱستوت عليه. ويقال: أكرم الله ثلاثة جبال بثلاثة نفر: الجوديّ بنوح، وطورسيناء بموسى، وحِراء بمحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

مسألة: لما تواضع الجوديّ وخضع عزَّ، ولما ٱرتفع غيره واستعلى ذَلّ، وهذه سُنّة الله في خلقه، يرفع من تخشّع، ويضع من ترفّع؛ ولقد أحسن القائل:

وإذا تذلّلتِ الرّقابُ تَخشُّعاًمِنّا إليكَ فعِزُّها في ذُلِّها

وفي صحيح البخاري ومسلم عن أنس بن مالك قال: كانت ناقة للنبي صلى الله عليه وسلم تُسمَّى العَضْباء؛ وكانت لا تُسبق؛ فجاء أعرابيّ على قعودٍ له فسبقها، فاشتدّ ذلك على المسلمين؛ وقالوا: سُبِقت العضباء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن حقّا على الله ألا يَرفع شيئاً من الدنيا إلا وضعه" . وخرج مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما نَقَصت صدقةٌ من مالٍ وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزًّا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله" . وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يَبغِي أحد على أحد ولا يَفخر أحد على أحد" . خرجه البخاريّ.

مسألة: نذكر فيها من قصة نوح مع قومه وبعض ذكر السفينة. ذكر الحافظ ابن عساكر في التاريخ له عن الحسن: أن نوحاً أوّل رسول بعثه الله إلى (أهل) الأرض؛ فذلك قوله تعالى: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً } [العنكبوت: 14]. وكان قد: كثرت فيهم المعاصي، وكثرت الجبابرة وعَتَوْا عُتُوًّا كبيراً، وكان نوح يدعوهم ليلاً ونهاراً، سرّاً وعلانية، وكان صبوراً حليماً، ولم يلق أحد من الأنبياء أشدّ مما لقي نوح؛ فكانوا يدخلون عليه فيخنقونه حتى يترك وقيدا، ويضربونه في المجالس ويطرد؛ وكان لا يدعو على من يصنع به بل يدعوهم ويقول: «رَبِّ ٱغْفِرْ لِقَوْميِ فَإنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ» فكان لا يزيدهم ذلك إلا فراراً منه، حتى أنه ليكلم الرجل منهم فيلفّ رأسه بثوبه، ويجعل أصبعيه في أذنيه لكيلا يسمع شيئاً من كلامه، فذلك قوله تعالى: { وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ } [نوح: 7]. وقال مجاهد وعُبيد بن عمير: كانوا يضربونه حتى يغشى عليه فإذا أفَاق قال: «رَبِّ ٱغْفِرْ لِقَوْميِ فَإنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ». وقال ٱبن عباس: إن نوحاً كان يضرب ثم يُلفّ في لِبد فيلقى في بيته يرون أنه قد مات، ثم يخرج فيدعوهم؛ حتى إذا يئس من إيمان قومه جاءه رجل ومعه ٱبنه وهو يتوكأ على عصا؛ فقال: يا بُنيّ ٱنظر هذا الشيخ لا يغرّنك، قال: يا أبت أمكنّي من العصا، (فأمكنه) فأخذ العصا ثم قال: ضعني في الأرض فوضعه، فمشى إليه بالعصا فضربه فشجه شجة مُوضِحة في رأسه، وسالت الدماء؛ فقال نوح: «ربّ قد ترى ما يفعل بي عبادك فإن يك لك في عبادك خيرية فاهدهم وإن يك غير ذلك فصبّرني إلى أن تحكم وأنت خير الحاكمين» فأوحى الله إليه وآيسه من إيمان قومه، وأخبره أنه لم يبق في أصلاب الرجال ولا في أرحام النساء مؤمن؛ قال: {وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}؛ أي لا تحزن عليهم. { وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا } [هود: 37] قال: يا رب وأين الخشب؟ قال: ٱغرس الشجر. قال: فَغرس السّاج عشرين سنة، وكفّ عن الدعاء، وكفّوا عن الاستهزاء، وكانوا يسخرون منه؛ فلما أدرك الشجرُ أمره ربه فقطعها وجفّفها: فقال: يا رب كيف أتخذ هذا البيت؟ قال: ٱجعله على ثلاثة صور؛ رأسه كرأس الدّيك، وجؤجؤه كجؤجؤ الطير، وذنَبه كذنَب الديك؛ وٱجعلها مطبقة وٱجعل لها أبواباً في جنبها، وشدّها بدُسُرٍ، يعني مسامير الحديد. وبعث الله جبريل فعلمه صنعة السفينة، وجعلت يده لا تخطىء. قال ابن عباس: كانت دار نوح عليه السلام دمشق، وأنشأ سفينته من خشب لبنان بين زمزم وبين الركن والمقام، فلما كملت حمل فيها السباع والدواب في الباب الأوّل، وجعل الوحش والطير في الباب الثاني، وأطبق عليهما، وجعل أولاد آدم أربعين رجلاً وأربعين ٱمرأة في الباب الأعلى وأطبق عليهم، وجعل الذّر معه في الباب الأعلى لضعفها ألا تطأها الدوابّ.

قال الزُّهريّ: إن الله عز وجل بعث ريحاً فحمل إليه من كل زوجين ٱثنين؛ من السباع والطير والوحش والبهائم. وقال جعفر بن محمد: بعث الله جبريل فحشرهم، فجعل يضرب بيديه على الزوجين فتقع يده اليمنى على الذكر واليسرى على الأنثى، فيدخله السفينة. وقال زيد بن ثابت: استصعبت على نوح الماعزة أن تدخل السفينة، فدفعها بيده في ذنبها؛ فمن ثَم انكسر ذنبها فصار مَعْقوفاً وبدا حَياؤها. ومضت النعجة حتى دخلت فمسح على ذنبها فستر حياؤها؛ قال إسحق: أخبرنا رجل من أهل العلم أن نوحاً حمل أهل السفينة، وجعل فيها من كل زوجين ٱثنين، وحمل من الهدهد زوجين، فماتت الهدهدة في السفينة قبل أن تظهر الأرض، فحملها الهدهد فطاف بها الدنيا ليصيب لها مكاناً، فلم يجد طيناً ولا تراباً، فرحمه ربه فحفر لها في قفاه قبراً فدفنها فيه، فذلك الريش الناتىء في قفا الهدهد موضع القبر؛ فلذلك نتأت أقفية الهداهد. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان حمل نوح معه في السفينة من جميع الشجر وكانت العجوة من الجنة مع نوح في السفينة" . وذكر صاحب كتاب «العروس» وغيره: أن نوحاً عليه السلام لما أراد أن يبعث من يأتيه بخبر الأرض قال الزّجاج: أنا؛ فأخذها وختم على جناحها وقال لها: أنت مختومة بخاتمي لا تطيري أبداً، أنت ينتفع بك أمتي؛ فبعث الغراب فأصاب جيفة فوقع عليها فاحتبس فلعنه، ولذلك يقتل في (الحل) والحَرَم ودعا عليه بالخوف؛ فلذلك لا يألف البيوت. وبعث الحمامة فلم تجد قراراً فوقعت على شجرة بأرض سيناء فحملت ورقة زيتونة، ورجعت إلى نوح فعلم أنها لم تستمكن من الأرض، ثم بعثها بعد ذلك فطارت حتى وقعت بوادي الحرم، فإذا الماء قد نضب من مواضع الكعبة، وكانت طينتها حمراء، فاختضبت رجلاها، ثم جاءت إلى نوح عليه السلام فقالت: بشراي منكَ أن تهب لي الطوق في عنقي، والخِضاب في رجلي، وأسكنُ الحرَمَ؛ فمسح يده على عنقها وطوقها، ووهب لها الحمرة في رجليها، ودعا لها ولذريتها بالبركة. وذكر الثعلبيّ أنه بعث بعد الغراب التُّدْرُج وكان من جنس الدّجاج؛ وقال: إياك أن تعتذر، فأصاب الخضرة والفرجة فلم يرجع، وأخذ أولاده عنده رهناً إلى يوم القيامة.