التفاسير

< >
عرض

وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ
٣٠
فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ
٣١
قَالَتْ فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَٱسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّن ٱلصَّاغِرِينَ
٣٢
-يوسف

الجامع لاحكام القرآن

قوله تعالى: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي ٱلْمَدِينَةِ} ويقال: «نُسوة» بضم النون، وهي قراءة الأعمش والمفضّل والسُّلَميّ، والجمع الكثير نساء. ويجوز: وقالت نسوة، وقال نسوة، مثل قالت الأعراب وقال الأعراب؛ وذلك أن القصة ٱنتشرت في أهل مصر فتحدّث النساء. قيل: ٱمرأة ساقي العزيز، وٱمرأة خبازه، وٱمرأة صاحب دوابه، وٱمرأة صاحب سجنه. وقيل: ٱمرأة الحاجب؛ عن ٱبن عباس وغيره. {تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ} الفتى في كلام العرب الشاب، والمرأة فتاة. {قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً} قيل: شغفها غلبها. وقيل: دخل حبه في شغافها؛ عن مجاهد وغيره. وروى عمرو بن دينار عن عِكرمة عن ٱبن عباس قال: دخل تحت شَغافها. وقال الحسن: الشّغف باطن القلب. السديّ وأبو عبيد: شغاف القلب غلافه، وهو جلدة عليه. وقيل: هو وسط القلب؛ والمعنى في هذه الأقوال متقارب، والمعنى: وصل حبه إلى شَغافها فغلب عليه؛ قال النابغة:

وقد حال هَمٌّ دون ذلك داخلٌدخولَ الشّغافِ تبتغيه الأصابعُ

وقد قيل: إن الشّغاف داء؛ وأنشد الأصمعي للراجز:

يتبعـها وهي له شَغـافُ

وقرأ أبو جعفر بن محمد وٱبن محيصن والحسن «شَعَفَها» بالعين غير معجمة؛ قال ٱبن الأعرابي: معناه أحرق حبه قلبها؛ قال: وعلى الأوّل العمل. قال الجوهريّ: وشَعفه الحب أحرق قلبه. وقال أبو زيد: أمرضه. وقد شُعِف بكذا فهو مشعوف. وقرأ الحسن «قَدْ شَعَفَهَا» قال: بَطَنها حبًّا. قال النحاس: معناه عند أكثر أهل اللغة قد ذهب بها كل مذهب؛ لأن شِعَاف الجبال: أعاليها؛ وقد شُغِف بذلك شُغْفاً بإسكان الغين إذا أُولِع به؛ إلا أن أبا عبيدة أنشد بيت ٱمرىء القيس:

لتقتلني وقد شَعَفْتُ فؤادَهاكَمَا شَعَفَ الْمَهْنُوءَةَ الرّجُل الطَّالِي

قال: فشبهت لوعةُ الحبّ وجَوَاه بذلك. ورُوي عن الشَّعْبي أنه قال: الشّغف بالغين المعجمة حُبّ، والشّعف بالعين غير المعجمة جنونٌ. قال النحاس: وحكي «قد شَغِفَها» بكسر الغين، ولا يعرف في كلام العرب إلا «شَغَفها» بفتح الغين، وكذا «شَعَفها» أي تركها مشعوفة. وقال سعيد بن أبي عَرُوبة عن الحسن: الشَّغاف حجاب القلب، والشَّعاف سويداء القلب، فلو وصل الحبّ إلى الشّعاف لماتت؛ وقال الحسن: ويقال إن الشَّغاف الجلدة اللاصقة بالقلب التي لا ترى، وهي الجلدة البيضاء، فلصق حبُّه بقلبها كلصوق الجلدة بالقلب.

قوله تعالى: {إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي في هذا الفعل. وقال قَتَادَة: «فَتَاهَا» وهو فتى زوجها، لأن يوسف كان عندهم في حكم المماليك، وكان ينفذ أمرُها فيه. وقال مقاتل عن أبي عثمان النَّهْديّ عن سلمان الفارسيّ قال: إن ٱمرأة العزيز ٱستوهبت زوجها يوسف فوهبه لها، وقال: ما تصنعين به؟ قالت: أتخذه ولداً؛ قال: هو لك؛ فربته حتى أَيْفع وفي نفسها منه ما في نفسها، فكانت تنكشف له وتتزيّن وتدعوه من وجه اللطف فعصمه الله.

قوله تعالى: {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ} أي بغيبتهنّ إياها، وٱحتيالهنّ في ذمها. وقيل: إنها أطلعتهنّ وٱستأمنتهنّ فأفشين سرها، فسمى ذلك مكراً. وقوله: {أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ} في الكلام حذف؛ أي أرسلت إليهن تدعوهنّ إلى وَليمة لتُوقِعهنّ فيما وقعت فيه؛ فقال مجاهد عن ٱبن عباس: إن ٱمرأة العزيز قالت لزوجها إني أريد أن أتخذ طعاماً فأدعو هؤلاء النّسوة؛ فقال لها: افعلي؛ فاتخذت طعاماً، ثم نَجَّدت لهن البيوت؛؛ نَجَّدت أي زيَّنت؛ والنَّجْد ما يُنْجَد به البيت من المتاع أي يُزيَّن، والجمع نُجُود عن أبي عُبيد؛ والتّنجيد التزيين؛ وأرسلت إليهنّ أن يحضُرن طعامها، ولا تتخلف منكنّ ٱمرأة ممن سميتُ. قال وهب بن مُنبِّه: إنهنّ كنّ أربعين ٱمرأة فجئن على كَرْه منهنّ، وقد قال فيهنّ أُمَيَّة بن أبي الصَّلْت:

حتى إذا جئنها قسراًومهدت لهن أنضاداً وكبابا

ويُروى: أنماطاً. قال وهب بن (مُنَبِّه): فجئن وأخذن مجالسهنّ. {وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً} أي هيأت لهنّ مجالس يتكئن عليها. قال ٱبن جُبير: في كل مجلس جَامٌ فيه عسل وأُتْرُجّ وسكِّين حاد. وقرأ مجاهد وسعيد بن جُبير: «مُتْكاً» مخففاً غير مهموز، والمُتْك هو الأُتْرُجّ بلغة القبط، وكذلك فسره مجاهد. روى سفيان عن منصور عن مجاهد قال: المُتَّكأ مثقّلاً (هو) الطعام، والمُتْك مخفّفاً (هو) الأتْرُجّ؛ وقال الشاعر:

نَشْربُ الإثْمَ بالصُّواعِ جِهَاراًوتَرَى المُتْك بَيْنَنَا مُسْتَعَارَا

وقد تقول أَزْدُ شَنُوءَة: الأُترجّة المُتْكَة؛ قال الجوهريّ: المُتْك ما تُبقيه الخاتنة. وأصل المُتْك الزُّماوَرْد. والمَتْكَاء من النّساء التي لم تُخْفَض. قال الفرّاء: حدثني شيخ من ثقات أهل البصرة أن المُتْك مخففاً الزُّماوَرْد. وقال بعضهم: إنه الأترجّ؛ حكاه الأخفش. ٱبن زيد: أترجًّا وعسلاً يؤكل به؛ قال الشاعر:

فَظِلْنا بنعمة وٱتَّكَأْنَاوشَرِبْنا الحلالَ من قُللِه

أي أكلنا.

النحاس: قوله تعالى: «وَأَعْتَدَتْ» من العَتَاد؛ وهو كل ما جعلته عُدّة لشيء. «مُتَّكَأً» أصح ما قيل فيه ما رواه عليّ بن أبي طلحة عن ٱبن عباس قال: مجلساً، وأما قول جماعة من أهل التفسير إنه الطعام فيجوز على تقدير: طعام متكأ، مثل: { وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَة } َ} [يوسف: 82]؛ ودلّ على هذا الحذف «وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً» لأن حضور النساء معهن سكاكين إنما هو لطعام يُقطع بالسكاكين؛ كذا قال في كتاب «إعراب القرآن» له. وقال في كتاب «معاني القرآن» (له): وروى مَعْمَر عن قَتَادة قال: «المتكأ» الطعام. وقيل: «المتكأ» كل ما ٱتكىء عليه عند طعام أو شراب أو حديث؛ وهذا هو المعروف عند أهل اللغة، إلا أن الروايات قد صحت بذلك. وحكى القُتبيّ أنه يقال: ٱتكأنا عند فلان أي أكلنا، والأصل في «متكأ» موتكأ، ومثله مُتَّزن ومُتَّعد؛ لأنه من وزنت ووعدت ووكأت، ويقال: ٱتَّكأَ يَتَّكىء ٱتِّكاء. {كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً} مفعولان؛ وحكى الكسائي والفراء أن السِّكين يذكر ويؤنث، وأنشد الفراء:

فَعَيّثَ فِي السَّنَامِ غَدَاةَ قُرٍّبسكِّينٍ مُوَثَّقةَ النِّصَاب

الجوهريّ: والغالب عليه التذكير، وقال:

يُرى ناصحاً فيما بَدَا فإذا خَلاَفذلك سكِّينٌ على الحَلْقِ حَاذِقُ

الأصمعي: لا يعرف في السكين إلا التذكير.

قوله تعالى: {وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ} بضم التاء لالتقاء الساكنين؛ لأن الكسرة تَثْقل إذا كان بعدها ضمة، وكسرت التاء على الأصل. قيل: إنها قالت لهن: لا تقطعن ولا تأكلن حتى أعلمكن، ثم قالت لخادمها: إذا قلت لك ٱدع لي إيلا فٱدع يوسف؛ وإيل: صنم كانوا يعبدونه، وكان يوسف عليه السلام يعمل في الطين، وقد شدّ مِئزره، وحسَرَ عن ذراعيه؛ فقالت للخادم: ٱدع لي إيلاً؛ أي ٱدع لي الربّ؛ وإيل بالعبرانية الربّ؛ قال: فتعجب النسوة وقلن: كيف يجيء! فصعدت الخادم فدعت يوسف، فلما ٱنحدر قالت لهن: ٱقطعن ما معكن. {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} بالمُدَى حتى بلغت السكاكين إلى العظم؛ قاله وهب بن مُنَبِّه. سعيد بن جُبير: لم يخرج عليهن حتى زينته، فخرج عليهن فجأة فدهشن فيه، وتحيّرن لحسن وجهه وزينته وما عليه، فجعلن يقطعن أيديهن، ويحسبن أنهن يقطعن الأتْرجّ؛ وٱختلف في معنى «أَكْبَرْنَهُ» فروى جُوَيبر عن الضّحاك عن ٱبن عباس: أعظمنه وهِبْنه؛ وعنه أيضاً أَمْنَين وَأَمْذَين من الدَّهش؛ وقال الشاعر:

إذا ما رأين الفحلَ من فوق قَارةٍصَهَلْنَ وأَكْبَرْنَ المنيَّ المدفقَا

وقال ٱبن سمعان عن عدة من أصحابه: إنهم قالوا أمذين عشقاً؛ وهب بن مُنبّه: عشقنه حتى مات منهن عشرة في ذلك المجلس دَهَشا وحيرة ووَجْداً بيوسف. وقيل: معناه حضْن من الدَّهش؛ قَاله قتادة ومقاتل والسُّديّ؛ قال الشاعر:

نأتي النساءَ على أطهارهنّ ولانأتي النّساءَ إذا أَكْبَرَن إِكْبَارَا

وأنكر ذلك أبو عبيدة وغيره وقالوا: ليس ذلك في كلام العرب، ولكنه يجوز أن يكنّ حضن من شدّة إعظامهن له، وقد تفزع المرأة فتسقط ولدها أو تحيض. قال الزجاج: يقال أكبرنه، ولا يقال حِضْنه، فليس الإكبار بمعنى الحيض؛ وأجاب الأزهري فقال: يجوز أَكْبرت بمعنى حاضت؛ لأن المرأة إذا حاضت في الابتداء خرجت من حَيِّز الصغر إلى الكبر؛ قال: والهاء في «أَكْبَرَنْهُ» يجوز أن تكون هاء الوقف لا هاء الكناية؛ وهذا مزيَّف، لأن هاء الوقف تسقط في الوصل، وأمثل منه قول ٱبن الأنباري: إن الهاء كناية عن مصدر الفعل، أي أكبرن إكباراً، بمعنى حِضْن حَيْضاً. وعلى قول ٱبن عباس الأول تعود الهاء إلى يوسف؛ أي أعظمن يوسف وأجْلَلْنه.

قوله تعالى: {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} قال مجاهد: قطّعنها حتى ألقينها. وقيل: خَدشْنها. وروى ٱبن أبي نجيح (عن مجاهد) قال: حَزًّا بالسكّين، قال النحاس: يريد مجاهد أنه ليس قطعاً تَبِينِ منه اليد، إنما هو خَدْش وحزّ، وذلك معروف في اللغة أن يقال إذا خدش الإنسان يد صاحبه قطع يده. وقال عِكرمة: «أَيْدِيهُنّ» أكمامهنّ، وفيه بُعْد. وقيل: أناملهنّ؛ أي ما وجدن ألَماً في القطع والجرح، أي لشغل قلوبهن بيوسف، والتقطيع يشير إلى الكثرة، فيمكن أن ترجع الكثرة إلى واحدة جرحت يدها في مواضع، ويمكن أن يرجع إلى عددهنّ.

قوله تعالى: {وَقُلْنَ حَاشَ للَّهِ} أي معاذ الله. وروى الأصمعيّ عن نافع أنه قرأ كما قرأ أبو عمرو بن العلاء. «وَقُلْنَ حَاشَا لِلَّهِ» بإثبات الألف وهو الأصل، ومن حذفها جعل اللام في «لله» عوضاً منها. وفيها أربع لغات؛ يقال: حَاشَاكَ وحَاشَا لَكَ وحاشَ لَكَ وحَشَا لَكَ. ويقال: حَاشَا زيدٍ وحاشا زيداً؛ قال النحاس: وسمعت علي بن سليمان يقول سمعت محمد بن يزيد يقول: النصب أولى؛ لأنه قد صحّ أنها فعلٌ لقولهم حاش لزيد، والحرف لا يحذف منه؛ وقد قال النابغة:

وَلاَ أحاشِي مـن الأقـوام مـن أَحَـدِ

وقال بعضهم: حاشَ حرف، وأُحاشي فعل. ويدلّ على كون حاشا فعلاً وقوع حرف الجر بعدها. وحكى أبو زيد عن أعرابيّ: اللهم ٱغفر لي ولمن يَسمع، حاشَا الشيطانَ وأبا الأصبغ؛ فنصب بها. وقرأ الحسن «وَقُلْنَ حَاشْ لِلَّهِ» بإسكان الشين، وعنه أيضاً «حاش الإله». ابن مسعود وأُبَيّ: «حَاشَ اللَّهِ» بغير لام، ومنه قول الشاعر:

حاشا أبي ثَوْبَانَ إنّ بهِضَنًّا عنِ الْمَلْحَاةِ والشَّتْمِ

قال الزجاج: وأصل الكلمة من الحاشية، والحَشَا بمعنى الناحية، تقول: كنت في حَشَا فلانٍ أي في ناحيته؛ فقولك: حاشا لزيدٍ أي تَنحَّى زيدٌ من هذا وتباعد عنه، والاستثناء إخراج وتنحية عن جملة المذكورين. وقال أبو علي: هو فاعل من المحاشاة؛ أي حاشا يوسف وصار في حاشية وناحية مما قُرِف به، أو من أن يكون بشراً؛ فحاشا وحاش في الاستثناء حرف جرّ عند سيبويه، وعلى ما قال المبرّد وأبو عليّ فعل.

قوله تعالى: {مَا هَـٰذَا بَشَراً} قال الخليل وسيبويه: «ما» بمنزلة ليس؛ تقول: ليس زيد قائماً، و«ما هذا بشراً» و { مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ } [المجادلة:2] وقال الكوفيون: لما حذفت الباء نصبت؛ وشرح هذا ـ فيما قاله أحمد بن يحيـى ـ أنك إذا قلت: ما زيد بمنطلق، فموضع الباء موضع نصب، وهكذا سائر حروف الخفض؛ فلما حذفت الباء نصبت لتدلّ على محلها، قال: وهذا قول الفرّاء، قال: ولم تعمل «ما» شيئاً؛ فألزمهم البصريون أن يقولوا: زيد القمرَ؛ لأن المعنى كالقمر! فردّ أحمد بن يحيـى بأن قال: الباء أدخل في حروف الخفض من الكاف؛ لأن الكاف تكون ٱسماً. قال النحاس: لا يصح إلا قول البصريين؛ وهذا القول يتناقض؛ لأن الفرّاء أجاز نصًّا ما بمنطلق زيدٌ، وأنشد:

أَمَا واللَّهِ أَنْ لو كنتَ حُرًّاوما بالحُرِّ أنتَ ولا العَتِيق

ومنع نصًّا النصب؛ ولا نعلم بين النحويين اختلافاً أنه جائز: ما فيك براغب زيدٌ، وما إليك بقاصدٍ عمرٌو، ثم يحذفون الباء ويرفعون. وحكى البصريون والكوفيون ما زيدٌ منطلقٌ بالرفع، وحكى البصريون أنها لغةُ تميم، وأنشدوا:

أَتيماً تَجعلون إليّ نِدًّاوما تَيْمٌ لِذِي حَسَبٍ نَدِيدٌ

النِّد والنَّديد والنَّدِيدةُ المِثْل والنَّظير. وحكى الكسائي أنها لغة تِهامة ونَجْد. وزعم الفراء أن الرفع أقوى الوجهين: قال أبو إسحاق: وهذا غلط؛ كتاب الله عز وجلّ ولغة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوى وأولى.

قلت: وفي مصحف حَفْصة رضي الله عنها «مَا هَذَا بِبَشَرٍ» ذكره الغَزْنويّ. قال القُشَيْريّ أبو نصر: وذكرت النّسوة أن (صورة) يوسف أحسن من صورة البشر، بل هو في صورة مَلَك؛ وقال الله تعالى: { لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } [التين: 4] والجمع بين الآيتين أن قولهن: «حَاشَ لِلَّهِ» تبرئة ليوسف عمَّا رمته به ٱمرأة العزيز من المراودة، أي بعد يوسف عن هذا؛ وقولهنّ: «لله» أي لخوفه، أي براءة لله من هذا؛ أي قد نجا يوسف من ذلك، فليس هذا من الصورة في شيء؛ والمعنى: أنه في التبرئة عن المعاصي كالملائكة؛ فعلى هذا لا تناقض. وقيل: المراد تنزيهه عن مشابهة البشر في الصورة، لفرط جماله. وقوله: «لله» تأكيد لهذا المعنى؛ فعلى هذا المعنى قالت النسوة ذلك ظناً منهن أن صورة المَلَك أحسن، وما بلغهنّ قوله تعالى: { لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } [التين: 4] فإنه من كتابنا. وقد ظنّ بعض الضَّعفة أن هذا القول لو كان ظناً باطلاً منهنّ لوجب على الله أن يردّ عليهنّ، ويبيّن كذبهنّ، وهذا باطل؛ إذ لا وجوب على الله تعالى، وليس كل ما يخبر به الله سبحانه من كفر الكافرين وكذب الكاذبين يجب عليه أن يقرن به الردّ عليه؛ وأيضاً أهل العرف قد يقولون في القبيح كأنه شيطان، وفي الحسَن كأنه مَلَك؛ أي لم ير مثله، لأن الناس لا يرون الملائكة؛ فهو بناء على ظنّ في أن صورة الملَك أحسن، أو على الإخبار بطهارة أخلاقه وبعده عن التّهَم. {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ} أي ما هذا إلا مَلَك؛ وقال الشاعر:

فلستَ لأِنْسِيٍّ ولكن لِمَلأَكٍتَنزَّلَ من جَوِّ السماءِ يَصُوبُ

وروي عن الحسن: «مَا هَذَا بِشِرًى» بكسر الباء والشين، أي ما هذا عبداً مُشترًى، أي ما ينبغي لمثل هذا أن يباع، فوضع المصدر موضع اسم المفعول، كما قال: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ} أي مصيده، وشبهه كثير. ويجوز أن يكون المعنى: ما هذا بثمن، أي مثله لا يثمن ولا يقوّم؛ فيراد بالشراء على هذا الثمن المشترى به: كقولك: ما هذا بألفٍ إذا نفيت قول القائل: هذا بألف. فالباء على هذا متعلقة بمحذوف هو الخبر، كأنه قال: ما هذا مقدراً بشراء. وقراءة العامة أشبه؛ لأن بعده «إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَك كَرِيمٌ» مبالغة في تفضيله في جنس الملائكة تعظيماً لشأنه، ولأن مثل «بِشرًى» يكتب في المصحف بالياء.

قوله تعالى: {قَالَتْ فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} لما رأت ٱفتتانهن بيوسف أظهرت عذر نفسها بقولها: «لُمْتُنَّنِي فِيهِ» أي بحبه، و«ذلك» بمعنى «هذا» وهو اختيار الطَّبريّ. وقيل: الهاء للحب، و«ذلك» على بابه، والمعنى: ذلكن الحُب الذي لمتنني فيه، أي حبّ هذا هو ذلك الحب. واللوم الوصف بالقبيح. ثم أقرّت وقالت: {وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَٱسْتَعْصَمَ} أي ٱمتنع؛ وسميت العصمة عصمة لأنها تمنع من ارتكاب المعصية. وقيل: «ٱستعصم» أي ٱستعصى، والمعنى واحد. {وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ} عاودته المراودة بمحضر منهن، وهتكت جِلباب الحياء، ووعدت بالسجن إن لم يفعل، وإنما فعلت هذا حين لم تخش لَوْماً ولا مقالاً خلافَ أوّل أمرها إذ كان ذلك بينه وبينها. {وَلَيَكُوناً مِّن ٱلصَّاغِرِينَ} أي الأذلاء. وخط المصحف «وليكوناً» بالألف وتقرأ بنون مخففة للتأكيد؛ ونون التأكيد تثقّل وتخفّف والوقف على قوله: «لَيُسْجَنَنَّ» بالنون لأنها مثقلة، وعلى «ليكوناً» بالألف لأنها مخففة، وهي تشبه نون الإعراب في قولك: رأيت رجلاً وزيداً وعمراً، ومثله قوله: « { لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ } » ونحوها الوقف عليها بالألف، كقول الأعشى:

وَلاَ تَعبدِ الشيطان واللَّهَ فاعبدا

أي أراد فاعبداً، فلما وقف عليه كان الوَقف بالألف.