التفاسير

< >
عرض

لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ
٧
إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ
٨
ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ
٩
-يوسف

الجامع لاحكام القرآن

قوله تعالى: {لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ} يعني من سأل عن حديثهم. وقرأ أهل مكة «آيةٌ» على التوحيد؛ وٱختار أبو عبيد «آيَاتٌ» على الجمع؛ قال: لأنها خير كثير. قال النحاس: و «آية» هنا قراءة حسنة، أي لقد كان للذين سألوا عن خبر يوسف آية فيما خبّروا به، لأنهم سألوا النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو بمكة فقالوا: أخبرنا عن رجل من الأنبياء كان بالشام أُخرج ٱبنه إلى مصر، فبكى عليه حتى عمي؟ ـ ولم يكن بمكة أحد من أهل الكتاب، ولا من يعرف خبر الأنبياء؛ وإنما وجّهَ اليهودُ (إليهم) من المدينة يسألونه عن هذا ـ فأنزل الله عز وجل سورة «يوسف» جملة واحدة؛ فيها كل ما في التوراة من خبر وزيادة؛ فكان ذلك آية للنبيّ صلى الله عليه وسلم، بمنزلة إحياء عيسى ابن مريم عليه السلام الميت. «آيَاتٌ» موعظة؛ وقيل: عبرة. وروي أنها في بعض المصاحف «عبرة». وقيل: بصيرة. وقيل: عجب؛ تقول فلان آية في العلم والحسن أي عجب. قال الثعلبيّ في تفسيره: لما بلغت الرؤيا إخوة يوسف حسدوه؛ وقال ٱبن زيد: كانوا أنبياء، وقالوا: ما يرضى أن يسجد له إخوته حتى يسجد له أبواه! فبغوه بالعداوة، وقد تقدّم ردّ هذا القول. قال الله تعالى: {لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ} وأسماؤهم: روبيل وهو أكبرهم، وشمعون ولاوي ويهوذا وزيالون ويشجر، وأمهم ليا بنت ليان، وهي بنت خال يعقوب، وولد له من سريتين أربعة نفر؛ دان ونفتالي وجاد وآشر، ثم توفيت ليا فتزوّج يعقوب أختها راحيل، فولدت له يوسف وبنيامين، فكان بنو يعقوب ٱثني عشر رجلاً. قال السّهيلي: وأمّ يعقوب ٱسمها رفقا، وراحيل ماتت في نفاس بنيامين، وليان بن ناهر بن آزر هو خال يعقوب. وقيل: في ٱسم الأَمَتين ليا وتلتا، كانت إحداهما لراحيل، والأخرى لأختها ليا، وكانتا قد وهبتاهما ليعقوب، وكان يعقوب قد جمع بينهما، ولم يحلّ لأحد بعده؛ لقول الله تعالى: { وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلاخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } }. [النساء: 23] وقد تقدّم الردّ على ما قاله ٱبن زيد، والحمد لله.

قوله تعالى: {إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ} «يوسف» رفع بالابتداء؛ واللام للتأكيد، وهي التي يتلقى بها القسم؛ أي والله ليوسف. {وَأَخُوهُ} عطف عليه. {أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا} خبره، ولا يثنى ولا يجمع لأنه بمعنى الفعل؛ وإنما قالوا هذا لأن خبر المنام بلغهم فتآمروا في كيده. {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} أي جماعة، وكانوا عشرة. والعصبة ما بين الواحد إلى العشرة، وقيل: إلى الخمسة عشر. وقيل: ما بين الأربعين إلى العشرة؛ ولا واحد لها من لفظها كالنفر والرهط. {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} لم يريدوا ضلال الدين، إذ لو أرادوه لكانوا كفاراً؛ بل أرادوا لفي ذهاب عن وجه التدبير، في إيثار ٱثنين على عشرة مع ٱستوائهم في الانتساب إليه. وقيل: لفي خطأ بيّن بإيثاره يوسف وأخاه علينا.

قوله تعالى: {ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ} في الكلام حذف؛ أي قال قائل منهم: «ٱقْتُلُوا يُوسُفَ» ليكون أحسم لمادة الأمر. {أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً} أي في أرض، فأسقط الخافض وٱنتصب الأرض؛ وأنشد سيبويه فيما حذف منه «في»:

لَدْنٌ بهَزِّ الْكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُفيه كما عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ

قال النحاس: إلا أنه في الآية حسَن كثير؛ لأنه يتعدّى إلى مفعولين، أحدهما بحرف، فإذا حذفت الحرف تعدّى الفعل إليه. والقائل قيل: هو شمعون، قاله وهب بن منبّه. وقال كعب الأحبار؛ دان. وقال مقاتل: روبيل؛ والله أعلم. والمعنى أرضا تبعد عن أبيه؛ فلا بدّ من هذا الإضمار لأنه كان عند أبيه في أرض. {يَخْلُ} جزم لأنه جواب الأمر؛ معناه: يخلص ويصفو. {لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ} فيقبل عليكم بكليته. {وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ} أي من بعد الذنب، وقيل: من بعد يوسف. {قَوْماً صَالِحِينَ} أي تائبين؛ أي تحدثوا توبة بعد ذلك فيقبلها الله منكم؛ وفي هذا دليل على أن توبة القاتل مقبولة، لأن الله تعالى لم ينكر هذا القول منهم. وقيل: «صَالِحِينَ» أي يصلح شأنكم عند أبيكم من غير أثرة ولا تفضيل.