التفاسير

< >
عرض

قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ
٨٩
قَالُوۤاْ أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـٰذَا أَخِي قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ
٩٠
قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ
٩١
قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ
٩٢
ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ
٩٣
-يوسف

الجامع لاحكام القرآن

قوله تعالى: {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ} ٱستفهام بمعنى التذكير والتوبيخ، وهو الذي قال الله: { لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا } [يوسف: 15] الآية. {إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ} دليل على أنهم كانوا صغاراً في وقت أخذهم ليوسف، غير أنبياء؛ لأنه لا يوصف بالجهل إلا من كانت هذه صفته؛ ويدلّ على أنه حسنت حالهم الآن؛ أي فعلتم ذلك إذ أنتم صغار جهال؛ قال معناه ابن عباس والحسن؛ ويكون قولهم: «وَإنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ» على هذا، لأنهم كبروا ولم يخبروا أباهم بما فعلوا حياء وخوفاً منه. وقيل: جاهلون بما تؤول إليه العاقبة. والله أعلم.

قوله تعالى: {قَالُوۤاْ أَإِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ} لما دخلوا عليهِ فقالوا: «مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ» فخضعوا له وتواضعوا رق لهم، وعرفهم بنفسه، فقال: «هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ» فتنبهوا فقالوا: «أَئِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ» قاله ابن إسحق. وقيل: إن يوسف تبسّم فشبهوه بيوسف وٱستفهموا. قال ابن عباس لما قال لهم: {هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ} الآية، ثم تبسم يوسف ـ وكان إذا تبسم كأنّ ثناياه اللؤلؤ المنظوم ـ فشبهوه بيوسف، فقالوا له على جهة الاستفهام: «أَئِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ». وعن ابن عباس أيضاً: أن إخوته لم يعرفوه حتى وضع التاج عنه، وكان في قرنه علامة، وكان ليعقوب مثلها شِبْه الشامة، فلما قال لهم: {هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ} رفع التاج عنه فعرفوه، فقالوا: «أَئِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ». وقال ابن عباس: كتب يعقوب إليه يطلب ردّ ابنه، وفي الكتاب: من يعقوب صفيّ الله ابن إسحق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر ـ أما بعد ـ فإنّا أهل بيت بلاء ومِحَن، ابتلى الله جدّي إبراهيم بنمروذ وناره، ثم ابتلى أبي إسحق بالذبح، ثم ٱبتلاني بولد كان لي أحبّ أولادي إليّ حتى كُفَّ بصري من البكاء، وإني لم أسرق ولم ألِدْ سارقاً والسلام. فلما قرأ يوسف الكتاب ٱرتعدت مفاصله، واقشعرّ جلده، وأرخى عينيه بالبكاء، وعِيلَ صبره فباح بالسرّ. وقرأ ابن كثِير «إنَّكَ» على الخبر، ويجوز أن تكون هذه القراءة استفهاماً كقوله: { وَتِلْكَ نِعْمَةٌ } [الشعراء: 26]. {قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ} أي أنا المظلوم والمراد قتله، ولم يقل أنا هو تعظيماً للقصة. {قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ} أي بالنجاة والملك. {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ} أي يتق الله ويصبر على المصائب وعن المعاصي. {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي الصابرين في بلائه، القائمين بطاعته. وقرأ ٱبن كثِير: «إنَّهُ مَنْ يَتَّقيِ» بإثبات الياء؛ والقراءة بها جائزة على أن تجعل «مَنْ» بمعنى الذي، وتدخل «يَتَّقيِ» في الصلة، فتثبت الياء لا غير، وترفع «ويصبر». وقد يجوز أن تجزم «ويصبر» على أن تجعل «يتقي» في موضع جزم و «من» للشرط، وتثبت الياء، وتجعل علامة الجزم حذف الضمة التي كانت في الياء على الأصل؛ كما قال:

ثم نادِي إذا دَخلتَ دِمَشْقاًيا يزيدُ بنَ خالدِ بنِ يزيد

وقال آخر:

ألم يأتيكَ والأنباءُ تَنْمِيبما لاَقَتْ لَبُونُ بنيِ زيادِ

وقراءة الجماعة ظاهرة، والهاء في «إنَّهُ» كناية عن الحديث، والجملة الخبر.

قوله تعالى: {قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا} الأصل همزتان خفّفت الثانية، ولا يجوز تحقيقها، وٱسم الفاعل مُؤثِر، والمصدر إيثار. ويقال: أثَرْتُ التراب إثارةً فأنا مُثير؛ وهو أيضاً على أَفْعَل ثم أُعِلَّ، والأصل أَثْيَر نقلت حركة الياء على الثاء، فانقلبت الياء ألفاً، ثم حذفت لالتقاء الساكنين. وأَثَرْتُ الحديث على فَعَلْتُ فأنا آثِرٌ؛ والمعنى: لقد فضّلك الله علينا، وٱختارك بالعلم والحلم والحكم والعقل والملك. {وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ} أي مذنبين من خَطِىء يَخْطَأ إذا أتى الخطيئة، وفي ضمن هذا سؤال العفو. وقيل لابن عباس: كيف قالوا «وَإنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ» وقد تعمدوا لذلك؟ قال: وإن تعمّدوا لذلك، فما تعمدوا حتى أخطؤوا الحق، وكذلك كل من أتى ذنباً تَخطّى المنهاج الذي عليه من الحق، حتى يقع في الشبهة والمعصية.

قوله تعالى: {لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ} أي قال يوسف ـ وكان حليماً موفَّقاً ـ: «لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ» وتمّ الكلام. ومعنى «اليوم»: الوقت. والتثريب التَّعيير والتوبيخ، أي لا تعيير ولا توبيخ ولا لوم عليكم اليوم؛ قاله سفيان الثوري وغيره؛ ومنه قوله عليه السلام: "إذا زنت أمة أحدكم فليجلِدها الحدّ ولا يُثَرِّب عليها" أي لا يعيرها؛ وقال بشر:

فعَفَوتُ عنهم عَفْوَ غَيرِ مُثَرِّبٍوتركتهم لعقابِ يومٍ سَرْمَدِ

وقال الأَصمعي: ثَرَّبْتُ عليه وعَرَّبْتُ عليه بمعنى إذا قبحتَ عليه فعله. وقال الزجاج: المعنى لا إفساد لما بيني وبينكم من الحرمة، وحقّ الإخوة، ولكم عندي العفو والصفح؛ وأصل التثريب الإفساد، وهي لغة أهل الحجاز. وعن ابن عباس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بُعضادَتَي الباب يوم فتح مكة، وقد لاَذَ الناسُ بالبيت فقال: الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ثم قال: ماذا تظنون يا معشر قريش قالوا: خيراً، أخ كريم، وٱبن أخ كريم وقد قَدَرت؛ قال: وأنا أقول كما قال أخي يوسف لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ" فقال عمر رضي الله عنه: ففِضتُ عَرقاً من الحياء من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ذلك أني قد كنت قلت لهم حين دخلنا مكة: اليوم ننتقم منكم ونفعل، فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال ٱستحييت من قولي. {يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ} مستقبل فيه معنى الدعاء؛ سأل الله أن يستر عليهم ويرحمهم. وأجاز الأخفش الوقف على «عَلَيْكُمُ» والأوّل هو المستعمل؛ فإن في الوقف على «عليكم» والابتداء بـ «ـالْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ» جَزْم بالمغفرة في اليوم، وذلك لا يكون إلا عن وحي، وهذا بيّن. وقال عطاء الخراساني: طلب الحوائج من الشباب أسهل منه من الشيوخ؛ ألم تر قول يوسف: «لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ» وقال يعقوب: «سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي».

قوله تعالى: {ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا} نعت للقميص، والقميص مذكر، فأما قول الشاعر:

تَدْعو هَوَازِنُ والقميصُ مُفَاضَةٌفوق النِّطاقِ تُشَدُّ بالأزرارِ

فتقديره: (والقميص) دِرْع مُفاضةٌ. قاله النحاس. وقال ابن السدّي عن أبيه عن مجاهد: قال لهم يوسف: «ٱذْهَبُوا بِقَمِيِصي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبيِ يَأْتِ بَصِيراً» قال: كان يوسف أعلم بالله من أن يعلم أن قميصه يَرُدّ على يعقوب بصره، ولكن ذلك قميص إبراهيم الذي ألبسه الله في النار من حرير الجنة، وكان كساه إسحق، وكان إسحق كساه يعقوب، وكان يعقوب أدرج ذلك القميص في قَصَبة من فضة وعلّقه في عُنق يوسف، لِمَا كان يخاف عليه من العين، وأخبره جبريل بأن أرسل قميصك فإن فيه ريح الجنة، و (إن) ريح الجنة لا يقع على سقيم ولا مُبتلًى إلا عُوفي. وقال الحسن: لولا أن الله تعالى أعلم يوسف بذلك لم يعلم أنه يرجع إليه بصره، وكان الذي حمل قميصه يهوذا، قال ليوسف: أنا الذي حملت إليه قميصك بدم كذب فأحزنته، وأنا الذي أحمله الآن لأسرّه، وليعود إليه بصره، فحمله؛ حكاه السدّي. {وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ} لتتخذوا مصر داراً. قال مسروق: فكانوا ثلاثة وتسعين، ما بين رجل وٱمرأة. وقد قيل: إن القميص الذي بعثه هو القميص الذي قدّ من دُبره، ليعلم يعقوب أنه عُصِم من الزنى؛ والقول الأوّل أصح، وقد روي مرفوعاً من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ذكره القُشَيريّ والله أعلم.