التفاسير

< >
عرض

وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ
١٩١
فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
١٩٢
-البقرة

الجامع لاحكام القرآن

فيه خمس مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {ثَقِفْتُمُوهُم} يقال: ثَقِفُ يَثْقُفُ ثَقْفاً وثَقفاً، ورجل ثَقْفٌ لَقْفٌ: إذا كان مُحْكِماً لما يتناوله من الأمور. وفي هذا دليل على قتل الأسير، وسيأتي بيان هذا في «الأنفال» إن شاء الله تعالى. {وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ}أي مكة. قال الطبري: الخطاب للمهاجرين، والضمير لكفار قريش.

الثانية: قوله تعالى: {وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ} أي الفتنة التي حملوكم عليها وراموا رجوعكم بها إلى الكفر أشدّ من القتل. قال مجاهد: أي مِن أن يقتل المؤمن؛ فالقتل أخفّ عليه من الفتنة. وقال غيره: أي شركهم بالله وكفرهم به أعظم جُرْماً وأشدّ من القتل الذي عيرّوكم به. وهذا دليل على أن الآية نزلت في شأن عمرو بن الحَضْرمِيّ حين قتله واقد بن عبد اللَّه التميمي في آخر يوم من رجب الشهر الحرام، حسب ما هو مذكور في سَرِيّة عبد اللَّه بن جَحْش، على ما يأتي بيانه؛ قاله الطبري وغيره.

الثالثة: قوله تعالى: {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} الآية. للعلماء في هذه الآية قولان: أحدهما: أنها منسوخة، والثاني: أنها مُحْكمة. قال مجاهد: الآية مُحْكَمة، ولا يجوز قتال أحد في المسجد الحرام إلا بعد أن يُقاتِل؛ وبه قال طاوس، وهو الذي يقتضيه نصّ الآية، وهو الصحيح من القولين، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه. وفي الصحيح عن ٱبن عباس قال "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: إن هذا البلد حَرّمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحُرْمة الله تعالى إلى يوم القيامة وإنه لم يَحِلّ القتالُ فيه لأحد قبلي ولم يَحِلّ لي إلا ساعةً من نهار فهو حرام بحُرْمة الله إلى يوم القيامة" . وقال قتادة: الآية منسوخة بقوله تعالى: { فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } [التوبة: 5]. وقال مُقاتل: نسخها قوله تعالى: {وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم} ثم نسخ هذا قولُه: {فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}. فيجوز الابتداء بالقتال في الحَرَم. ومما ٱحتجّوا به أن «براءة» نزلت بعد سورة «البقرة» بسنتين، "وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم: دخل مكة وعليه الْمِغْفَر؛ فقيل: إن ٱبن خَطَل متعلّق بأستار الكعبة؛ فقال: اقتلوه" .

وقال ٱبن خُوَيْزِ مَنْداد: {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} منسوخة؛ لأن الإجماع قد تقرّر بأن عَدُواًّ لو ٱستولى على مكة وقال: لأقاتلكم، وأمنعكم من الحج ولا أبرح من مكة لوجب قتاله وإن لم يبدأ بالقتال؛ فمكة وغيرها من البلاد سواء. وإنما قيل فيها: هي حرام. تعظيماً لها؛ ألا ترى "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد يوم الفتح وقال: احصدهم بالسيف حتى تلقاني على الصَّفَا" حتى جاء العباس فقال: يا رسول الله، ذهبت قريش، فلا قريش بعد اليوم. ألا ترى أنه قال في تعظيمها: "وَلاَ يَلْتَقِط لُقَطَتَها إلاّ مُنْشِد" واللُّقَطة بها وبغيرها سواء. ويجوز أن تكون منسوخة بقوله: { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } [البقرة: 193]. قال ٱبن العربي: «حضرتُ في بيت المقدس ـ طهّره الله ـ بمدرسة أبي عُقْبة الحنفي، والقاضي الزّنجاني يلقي علينا الدرس في يوم جمعة، فبينا نحن كذلك إذ دخل علينا رجل بَهِيّ المَنْظَر على ظهره أطمار، فسلّم سلام العلماء وتصدّر في صدر المجلس بمدارع الرّعاء؛ فقال القاضي الزّنجاني: مَن السيد؟ فقال: رجل سلبه الشُّطار أمس، وكان مقصدي هذا الحَرَم المقدّس؛ وأنا رجل من أهل صاغان من طلبه العلم. فقال القاضي مبادراً: سَلُوه ـ على العادة في إكرام العلماء بمبادرة سؤالهم ـ ووقعت القرعة على مسألة الكافر إذا التجأ إلى الحَرَم هل يُقتل أم لا؟ فأفتى بأنه لا يقتل. فسُئل عن الدليل؛ فقال قوله تعالى: {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} قُرىء «ولا تقتلوهم، ولا تقاتلوهم» فإن قُرىء «ولا تقتلوهم» فالمسألة نصّ، وإن قرىء «ولا تقاتلوهم» فهو تنبيه؛ لأنه إذا نهى عن القتال الذي هو سبب القتل كان دليلاً بَيِّناً ظاهراً على النهي عن القتل. فٱعترض عليه القاضي منتصراً للشافعيّ ومالك، وإن لم ير مذهبهما، على العادة، فقال: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: { فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } [التوبة: 5]. فقال له الصّاغاني: هذا لا يليق بمَنْصِب القاضي وعلمه؛ فإن هذه الآية التي ٱعترضتَ بها عامةٌ في الأماكن؛ والتي ٱحتججت بها خاصّة، ولا يجوز لأحد أن يقول: إن العامَّ يَنْسَخ الخاص. فبُهت القاضي الزّنجاني، وهذا من بديع الكلام». قال ٱبن العربي: «فإن لجأ إليه كافر فلا سبيل إليه، لنصّ الآية والسُّنة الثابتة بالنّهي عن القتال فيه. وأما الزاني والقاتل فلا بدّ من إقامة الحدّ عليه، إلا أن يبتدىء الكافرُ بالقتال فيُقتل بنصّ القرآن».

قلت: وأما ما ٱحتجّوا به من قَتل ٱبن خَطَل وأصحابه فلا حجة فيه، فإن ذلك كان في الوقت الذي أُحِلّت له مكة وهي دار حَرْب وكُفْر، وكان له أن يُريق دماء من شاء من أهلها في الساعة التي أُحِلّ له فيها القتال. فثبت وصحّ أن القول الأوّل أصح، والله أعلم.

الرابعة: قال بعض العلماء: في هذه الآية دليل على أن الباغي على الإمام بخلاف الكافر؛ فالكافرْ يُقتل إذا قاتل بكل حال، والباغي إذا قاتل بنية الدفع. ولا يُتْبَعُ مُدْبِر ولا يُجْهَز على جريح. على ما يأتي بيانه من أحكام الباغين في «الحجرات» إن شاء الله تعالى.

الخامسة: قوله تعالى: {فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ} أي عن قتالكم بالإيمان فإن الله يغفر لهم جميع ما تقدّم، ويرحم كلاًّ منهم بالعفو عما ٱجترم؛ نظيره قوله تعالى: { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ } [الأنفال: 38]. وسيأتي.