التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ قُل رَّبِّيۤ أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ
٨٥
وَمَا كُنتَ تَرْجُوۤ أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً لِّلْكَافِرِينَ
٨٦
وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ ٱللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ
٨٧
وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
٨٨
-القصص

الجامع لاحكام القرآن

قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ} ختم السورة ببشارة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بردّه إلى مكة قاهراً لأعدائه. وقيل: هو بشارة له بالجنّة. والأوّل أكثر. وهو قول جابر ابن عبد الله وابن عباس ومجاهد وغيرهم. قال القتبي: معاد الرجل بلده؛ لأنه ينصرف ثم يعود. وقال مقاتل: خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم من الغار ليلاً مهاجراً إلى المدينة في غير الطريق مخافة الطلب، فلما رجع إلى الطريق ونزل الجحفة عرف الطريق إلى مكة فاشتاق إليها، فقال له جبريل إن الله يقول: {إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ} أي إلى مكة ظاهراً عليها. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية بالجُحفة ليست مكية ولا مدنية. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس {إِلى مَعَادٍ} قال: إلى الموت. وعن مجاهد أيضاً وعكرمة والزهري والحسن: إن المعنى لرادّك إلى يوم القيامة؛ وهو اختيار الزجاج. يقال: بيني وبينك المعاد؛ أي يوم القيامة؛ لأن الناس يعودون فيه أحياء و{فَرَضَ} معناه أنزل. وعن مجاهد أيضاً وأبي مالك وأبي صالح: {إِلى مَعَادٍ} إلى الجنة. وهو قول أبي سعيد الخدري وابن عباس أيضاً؛ لأنه دخلها ليلة الإسراء. وقيل: لأن أباه آدم خرج منها. {قُل رَّبِّيۤ أَعْلَمُ} أي قل لكفار مكة إذا قالوا إنك لفي ضلال مبين {رَّبِّيۤ أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أنا أم أنتم.

قوله تعالى: {وَمَا كُنتَ تَرْجُوۤ أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابُ} أي ما علمت أننا نرسلك إلى الخق وننزل عليك القرآن. {إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} قال الكسائي: هو استثناء منقطع بمعنى لكن. {فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً لِّلْكَافِرِينَ} أي عوناً لهم ومساعداً. وقد تقدّم في هذه السورة.

قوله تعالى: {وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ ٱللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ} يعني أقوالهم وكذبهم وأذاهم، ولا تلتفت نحوهم وامض لأمرك وشأنك. وقرأ يعقوب: {يَصُدُّنْكَ} مجزوم النون. وقرى: {يُصِدُّنَّكَ} من أصدّه بمعنى صدّه وهي لغة في كلب. قال الشاعر:

أُنَاسٌ أصدوا الناسَ بالسيف عنهمصُدُودَ السَّوَاقِي عن أنوفِ الحَوَائِم

{وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ} أي إلى التوحيد. وهذا يتضمن المهادنة والموادعة. وهذا كله منسوخ بآية السيف. وسبب هذه الآية ما كانت قريش تدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تعظيم أوثانهم، وعند ذلك ألقى الشيطان في أمنيته أمر الغَرَانيق على ما تقدّم. والله أعلم.

قوله تعالى: {وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ} أي لا تعبد معه غيره فإنه لا إلٰه إلا هو. نفي كل معبود وإثبات لعبادته. {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} قال مجاهد: معناه إلا هو وقال الصادق: دينه. وقال أبو العالية وسفيان: أي إلا ما أريد به وجهه؛ أي ما يقصد إليه بالقربة. قال:

أستغفرُ اللَّهَ ذنباً لستُ مُحْصِيَهربَّ العبادِ إليه الوَجْهُ والعملُ

وقال محمد بن يزيد: حدّثني الثوري قال سألت أبا عبيدة عن قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} فقال: إلا جاهه، كما تقول لفلان وجه في الناس أي جاه. {لَهُ ٱلْحُكْمُ} في الأولى والآخرة {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}. قال الزجاج: {وَجْهَهُ} منصوب على الاستثناء، ولو كان في غير القرآن كان إلا وجهه بالرفع، بمعنى كل شيء غير وجهه هالك كما قال:

وكلُّ أخٍ مُفارقُهُ أخوهلَعَمْرُ أبيكَ إلاّ الْفَرْقَدَانِ

والمعنى كل أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه. {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} بمعنى ترجعون إليه.