التفاسير

< >
عرض

ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ
١١٢
لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ
١١٣
يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـٰئِكَ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ
١١٤
وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ
١١٥
-آل عمران

الجامع لاحكام القرآن

قوله تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ} يعني اليهود. {أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ} أي وُجدوا ولُقُوا، وتَمّ الكلام. وقد مضى في البقرة معنى ضربِ الذّلّة عليهم. {إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ ٱللَّهِ} ٱستثناء منقطع ليس من الأوّل. أي لكنهم يعتصمون بحبل من الله. {وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ} يعني الذِّمّة التي لهم. والناس: محمدٌ والمؤمنون يؤدّون إليهم الخَراج فيؤمِّنونهم. وفي الكلام ٱختصار، والمعنى: إلاَّ أن يعتصموا بحبل من الله، فحذف؛ قاله الفرّاء: {وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ} أي رجعوا. وقيل ٱحتملوا. وأصله في اللغة أنه لزمهم، وقد مضى في البقرة. ثم أخبر لِم فعل ذلك بهم؛ فقال: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} وقد مضى في البقرة مستوفى. ثم أخبر فقال: {لَيْسُواْ سَوَآءً} وتمّ الكلام. والمعنى: ليس أهل الكتاب وأمّة محمد صلى الله عليه وسلم سواء؛ عن ٱبن مسعود. وقيل: المعنى ليس المؤمنون والكافرون من أهل الكتاب سواء. وذكر أبو خَيْثَمَة زُهَيْر بن حَرْب حدّثنا هاشم بن القاسم حدّثنا شيبان عن عاصم عن زر عن ٱبن مسعود قال: "أخَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم (ليلة) صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصَّلاة فقال: إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله تعالىٰ في هذه الساعة غيركم" قال: وأنزلت هذه الآية: {لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ} ـ إلى قوله: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ} وروى ٱبن وهب مثله. وقال ٱبن عباس: قول الله عزّ وجلّ {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} من آمن مع النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال ٱبن إسحاق عن ٱبن عباس لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سَعْيَة، وأَسِيد بن سعية، وأسيد بن عبيد، ومن أسلم من يهود؛ فآمنوا وصدّقوا ورغبوا في الإسلام ورسخوا فيه، قالت أحبار يهود وأهل الكفر منهم: ما آمن بمحمد ولا تبعه إلاَّ شرارنا، ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره؛ فأنزل الله عزّ وجلّ في ذلك من قولهم: {لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ}. إلى قوله: {وَأُوْلَـٰئِكَ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ}. وقال الأخفش: التقدير من أهل الكتاب ذو أُمّة، أي ذو طريقة حسنة. وأنشد:

وهـل يَأْتَمَـنْ ذُو إمّـةٍ وَهْـوَ طَائِـعُ

وقيل: في الكلام حذف؛ والتقدير من أهل الكتاب أمّة قائمة وأخرى غير قائمة، فترك الأخرى ٱكتفاء بالأولىٰ؛ كقوله أبي ذؤيب:

عصَانِي إلَيْها القلبُ إنِّي لأمْرِهِمُطيعٌ فما أدرِي أَرُشْدٌ طِلابُها

أراد: أرُشْد أم غَيٌّ، فحذف. قال الفرّاء: «أمّة» رفع بـ «ـسواء»، والتقدير: ليس يستوي امّة من أهل الكتاب قائمة يتلون آيات الله وأمّة كافرة. قال النحاس: هذا قول خطأ من جهات: إحداها أنه يرفع «أمة» بـ «ـسواء» فلا يعود على ٱسم ليس بشيء، ويرفع بما ليس جارياً على الفعل ويضمر ما لا يحتاج إليه؛ لأنه قد تقدّم ذكر الكافر فليس لإضمار هذا وجه. وقال أبو عبيدة: هذا مثل قولهم: أكلوني البراغيثُ، وذهبوا أصحابُك. قال النحاس: وهذا غلط؛ لأنه قد تقدّم ذكرهم، وأكلوني البراغيث لم يتقدّم لهم ذكر. و {آنَآءَ ٱللَّيْلِ} ساعاته. واحدها إنًى وأَنًى وإِنْيٌ، وهو منصوب على الظرف. و {يَسْجُدُونَ} يصلون؛ عن الفراء والزجاج؛ لأن التلاوة لا تكون في الركُوع والسّجود. نظيره قوله: { وَلَهُ يَسْجُدُونَ } [الأعراف: 206] أي يصلون. وفي الفرقان: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰن } ِ} [الفرقان: 60] وفي النجم { فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ وَٱعْبُدُوا } [النجم: 62]. وقيل: يُراد به السجود المعروف خاصة. وسبب النزول يردّه، وأن المراد صلاة العتمةِ كما ذكرنا عن ٱبن مسعود؛ فعبدة الأوثان ناموا حيث جنّ عليهم الليل، والموَحِّدون قيام بين يدي الله تعالىٰ في صلاة العشاء يتلون آيات الله؛ ألا ترى لما ذكر قيامهم قال {وَهُمْ يَسْجُدُونَ} أي مع القيام أيضاً. الثوريّ: هي الصَّلاة بين العشاءين. وقيل: هي في قيام الليل. وعن رجل من بني شيبة كان يدرس الكتب قال: إنّا نجد كلاماً من كلام الرب عزّ وجلّ: أيحسب راعي إبل أو راعي غنم إذا جنه الليل ٱنخذل كمن هو قائم وساجد آناء الليل. {يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} يعني يقرون بالله ويصدقون بمحمد صلى الله عليه وسلم. {وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ} قيل: هو عموم. وقيل: يُراد به الأمر باتباع النبيّ صلى الله عليه وسلم. {وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} والنهي عن المنكر النهي عن مخالفته. {وَيُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ} التي يعملونها مبادرين غير متثاقلين لمعرفتهم بقدر ثوابهم. وقيل: يبادرون بالعمل قبل الفوت. {وَأُوْلَـٰئِكَ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} أي مع الصالحين، وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الجنة. {وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ} قرأ الأعمش وٱبن وَثّاب وحمزة والكِسائي وحفص وخَلَف بالياء فيهما؛ إخباراً عن الأمة القائمة، وهي قراءة ٱبن عباس وٱختيار أبي عبيد. وقرأ الباقون بالتاء فيهما على الخطاب؛ لقوله تعالىٰ: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}. وهي ٱختيار أبي حاتم، وكان أبو عمرو يرى القراءتين جميعاً الياء والتاء. ومعنى الآية: وما تفعلوا من خير فلن تُجحدوا ثوابه بل يُشكَر لكم وتُجازون عليه.