التفاسير

< >
عرض

وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ
١٨
يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ
١٩
وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ
٢٠
أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي ٱلأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ
٢١
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
٢٢
-غافر

الجامع لاحكام القرآن

قوله تعالى: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ} أي يوم القيامة. سميّت بذلك لأنها قريبة؛ إذ كل ما هو آتٍ قريب. وأزفَ فلانٌ أي قرب يَأْزَفُ أَزْفاً؛ قال النابغة:

أَزِف التَّرحُّلُ غَيْرَ أَنَّ رِكابَنَالَمَّا تَزَلْ بِرحالِنا وَكأَن قَدِ

أي قرب. ونظير هذه الآية: { أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ } [النجم: 57] أي قربت الساعة. وكان بعضهم يتمثل ويقول:

أَزِفَ الرَّحِيلُ ولَيْسَ لِي مِن زَادِغَيْر الذُّنُوب لِشِقْوَتِي ونَكَادِي

{إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ} على الحال وهو محمول على المعنى. قال الزجاج: المعنى إذ قلوب الناس «لَدَى الْحَنَاجِرِ» في حال كظمهم. وأجاز الفراء أن يكون التقدير «وَأَنْذِرْهُمْ» كَاظِمِينَ. وأجاز رفع «كَاظِمِينَ» على أنه خبر للقلوب. وقال: المعنى إذ هم كاظمون. وقال الكسائي: يجوز رفع {كَاظِمِينَ} على الابتداء. وقد قيل: إن المراد بـ«ـيوم الآزِفَةِ» يوم حضور المنية؛ قاله قطرب. وكذا {إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ} عند حضور المنية. والأوّل أظهر. وقال قتادة: وقعت في الحناجر من المخافة فهي لا تخرج ولا تعود في أمكنتها، وهذا لا يكون إلا يوم القيامة كما قال: { وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ } [إبراهيم: 43]. وقيل: هذا إخبار عن نهاية الجزع؛ كما قال: { وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ } [الأحزاب: 10] وأضيف اليوم إلى {ٱلآزِفَةُ} على تقدير يوم القيامة {ٱلآزِفَةُ} أو يوم المجادلة {ٱلآزِفَةُ}. وعند الكوفيين هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه مثل مسجد الجامع وصلاة الأولى. {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ} أي من قريب ينفع {وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} فيشفع فيهم.

قوله تعالى: {يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ} قال المؤرج: فيه تقديم وتأخير أي يعلم الأعين الخائنة. وقال ابن عباس: هو الرجل يكون جالساً مع القوم فتمرّ المرأة فيسارقهم النظر إليها. وعنه: هو الرجل ينظر إلى المرأة فإذا نظر إليه أصحابه غَضَّ بصرَه، فإذا رأى منهم غفلة تدسَّسَ بالنظر، فإذا نظر إليه أصحابه غَضّ بصره، وقد علم الله عز وجل منه أنه يودّ لو نظر إلى عورتها. وقال مجاهد: هي مسارقة نظر الأعين إلى ما نهى الله عنه. وقال قتادة: هي الهَمْزة بعينه وإغماضه فيما لا يحب الله تعالى. وقال الضحاك: هي قول الإنسان ما رأيت وقد رأى أو رأيت وما رأى. وقال السدي: إنها الرَّمْز بالعين. وقال سفيان: هي النظرة بعد النظرة. وقال الفراء: «خَائِنَةَ الأَعْيُنِ» النظرة الثانية «وَما تُخْفِي الصُّدُورُ» النظرة الأولى. وقال ابن عباس: «وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ» أي هل يزني بها لو خلا بها أو لا. وقيل: «وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ» تكنّه وتضمره. "ولما جيء بعبد الله بن أبي سرح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد ما اطمأن أهل مكة وطلب له الأمان عثمان رضي الله عنه، صَمت رسولُ الله صلى الله عليه وسلم طويلاً ثم قال: نعم فلما انصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن حوله: ما صَمَتُّ إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه فقال رجل من الأنصار فهلاَّ أومأتَ إليّ يا رسول الله؛ فقال: إن النبي لا تكون له خائنة أعين" . {وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ} أي يجازي من غَضَّ بصرَه عن المحارم، ومن نظر إليها، ومن عزم على مواقعة الفواحش إذا قدر عليها. {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ} يعني الأوثان {لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ} لأنها لا تعلم شيئاً ولا تقدر عليه ولا تملك. وقراءة العامة بالياء على الخبر عن الظالمين وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. وقرأ نافع وشيبة وهشام: «تَدْعُونَ» بالتاء. {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} «هو» زائدة فاصلة. ويجوز أن تكون في موضع رفع بالابتداء وما بعدها خبر والجملة خبر إن.

قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ} في موضع جزم عطف على «يَسِيرُوا» ويجوز أن يكون في موضع نصب على أنه جواب؛ والجزم والنصب في التثنية والجمع واحد. {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ} اسم كان والخبر في «كيْفَ». و{واقٍ} في موضع خفض معطوف على اللفظ. ويجوز أن يكون في موضع رفع على الموضع فرفعه وخفضه واحد؛ لأن الياء تحذف وتبقى الكسرة دالة عليها وقد مضى الكلام في معنى هذه الآية في غير موضع فأغنى عن الإعادة.