التفاسير

< >
عرض

وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلرَّاشِدُونَ
٧
فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
٨
-الحجرات

الجامع لاحكام القرآن

قوله تعالى:{وَآعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ} فلا تكذبوا؛ فإن الله يُعلمه أنباءكم فتفتضحون. {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} أي لو تسارع إلى ما أردتم قبل وضوح الأمر لنا لكم مشقة وإثم؛ فإنه لو قتل القومَ الذين سعى بهم الوليد بن عُقبة إليه لكان خطأ، ولَعَنَتَ مَن أراد إيقاع الهلاك بأولئك القوم لعداوة كانت بينه وبينهم. ومعنى طاعة الرسول لهم: الاْئتمارُ بما يأمر به فيما يبلّغونه عن الناس والسماع منهم. والعَنت الإثم؛ يقال: عنِت الرجل. والعنت أيضاً الفجور والزنى؛ كما في سورة «النساء». والعنت أيضاً الوقوع في أمر شاق؛ وقد مضى في آخر «براءة» القول في «عَنِتُّمْ» بأكثر من هذا. {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلأِيمَانَ} هذا خطاب للمؤمنين المخلصين الذين لا يكذبون النبيّ صلى الله عليه وسلم ولا يخبرون بالباطل؛ أي جعل الإيمان أحبّ الأديان إليكم. {وَزَيَّنَهُ} بتوفيقه. {فِي قُلُوبِكُمْ} أي حسّنه إليكم حتى اخترتموه. وفي هذا ردّ على القدرية والإمامية وغيرهم، حسب ما تقدّم في غير موضع. فهو سبحانه المنفرد بخلق ذوات الخلق وخلق أفعالهم وصفاتهم واختلاف ألسنتهم وألوانهم، لا شريك له. {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ} قال ابن عباس: يريد به الكذب خاصة. وقاله ابن زيد. وقيل: كل ما خرج عن الطاعة؛ مشتقٌ من فَسَقتِ الرُّطَبَةُ خرجت من قشرها. والفأرة من جُحرها. وقد مضى في «البقرة» القول فيه مستوفى. والعصيان جمع المعاصي. ثم انتقل من الخطاب إلى الخبر فقال: {أُوْلَـٰئِكَ} يعني هم الذين وفقهم الله فحبّب إليهم الإيمان وكرّه إليهم الكفر أي قبحه عندهم {هُمُ ٱلرَّاشِدُونَ} كقوله تعالى: { وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ } [الروم:39 ]. قال النابعة:

يا دارَ مَيَّةَ بالعَلْياء فالسَّندِأقْوَتْ وطال عليها سالِفُ الأمَدِ

والرَّشَد الاْستقامة على طريق الحق مع تَصَلُّب فيه؛ من الرَّشاد وهي الصخرة.

قال أبو الوازع: كل صخرة رشادة وأنشد:

وغير مُقَلَّد ومُوَشّماتصَلِينَ الضّوءَ من صُمِّ الرشاد

{فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً} أي فعل الله ذلك بكم فضلاً؛ أي الفضل والنعمة، فهو مفعول له. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} «عَلِيمٌ» بما يصلحكم «حَكِيمٌ» في تدبيركم.