التفاسير

< >
عرض

قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
١٥١
وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ ذٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
١٥٢
وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
١٥٣
-الأنعام

الجامع لاحكام القرآن

فيه أربع عشرة مسألة:

الأُولى ـ قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ} أي تقدّموا وٱقرءوا حَقّاً يقيناً كما أوحى إليّ ربِّي، لا ظنّاً ولا كذباً كما زعمتم. ثم بيّن ذلك فقال: «أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً» يقال للرجل: تعالَ، أي تقدّم، وللمرأة تعالَيْ، وللإثنين والاثنتين تعاليا، ولجماعة الرجال تعالَوْا، ولجماعة النساء تعالَيْن؛ قال الله تعالى: { فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ } [الأحزاب: 28]. وجعلوا التقدّم ضرباً من التعالي والارتفاع؛ لأن المأمور بالتقدّم في أصل وضع هذا الفعل كأنه كان قاعداً فقيل له تعال، أي ٱرفع شخصك بالقيام وتقدّم؛ وٱتسعوا فيه حتى جعلوه للواقف والماشي؛ قاله ابن الشَّجَرِيّ.

الثانية ـ قوله تعالى: {مَا حَرَّمَ} الوجه في «ما» أن تكون خبرية في موضع نصب بـ «أَتْلُ» والمعنى: تعالوا أتل الذي حرّم ربكم عليكم؛ فإن علّقت «عليكم» بـ «حرّم» فهو الوجه؛ لأنه الأقرب وهو اختيار البصريين. وإن علقته بـ «أتل» فجيّد لأنه الأسبق؛ وهو اختيار الكوفيين؛ فالتقدير في هذا القول أتل عليكم الذي حرم ربكم. {أَلاَّ تُشْرِكُواْ} في موضع نصب بتقدير فعل من لفظ الأوّل، أي أتل عليكم ألا تشركوا؛ أي أتل عليكم تحريم الإشراك، ويحتمل أن يكون منصوباً بما في «عليكم» من الإغراء، وتكون «عليكم» منقطعة مما قبلها؛ أي عليكم ترك الإشراك، وعليكم إحساناً بالوالدين، وألاّ تقتلوا أولادكم وألا تَقْرَبوا الفواحش. كما تقول: عليك شأنكَ؛ أي ٱلزم شأنك. وكما قال: { عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } [المائدة: 105] قال جميعَه ابن الشَّجَرِيّ. وقال النحاس: يجوز أن تكون «أن» في موضع نصب بدلاً من «ما»؛ أي أتل عليكم تحريم الإشراك. واختار الفرّاء أن تكون «لا» للنهي؛ لأن بعده «ولا».

الثالثة ـ هذه الآية أمر من الله تعالى لنبيّه عليه السلام بأن يَدْعُوَ جميع الخلق إلى سماع تلاوة ما حرّم الله. وهكذا يجب على مَن بعده من العلماء أن يبلّغوا الناس ويبيّنوا لهم ما حرّم الله عليهم مما حلّ. قال الله تعالى: { لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ } [آل عمران: 187]. وذكر ابن المبارك: أخبرنا عيسى بن عمر عن عمرو بن مُرة أنه حدّثهم قال: قال ربيع بن خَيْثم لجليس له: أيسرّك أن تؤتى بصحيفة من النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يُفَكَّ خاتمها؟ قال نعم. قال فٱقرأ {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} فقرأ إلى آخر الثلاث الآيات. وقال كعب الأحبار: هذه الآية مفتتح التوراة: {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} الآية. وقال ابن عباس: هذه الآيات المحكمات التي ذكرها الله في سورة «آل عمران» أجمعت عليها شرائع الخلق، ولم تنسخ قط في مِلّة. وقد قيل: إنها العشر كلمات المنزّلة على موسى.

الرابعة ـ قوله تعالى: {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} الإحسان إلى الوالدين بِرُّهما وحِفظهما وصيانتهما وامتثال أمرهما وإزالة الرِّق عنهما وترك السّلطنة عليهما. و «إحساناً» نصب على المصدر، وناصبه فعل مضمر من لفظه؛ تقديره وأحسنوا بالوالدين إحساناً.

الخامسة ـ قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ} الإملاق الفقر: أي لا تَئِدوا ـ من الموءودة ـ بناتِكم خشية العَيْلة، فإني رازقكم وإيّاهم. وقد كان منهم من يفعل ذلك بالإناث والذكور خشية الفقر، كما هو ظاهر الآية. أملق أي افتقر. وأملقه أي أفقره؛ فهو لازم ومتعد. وحكى النقاش عن مُؤَرِّج أنه قال: الإملاق الجوع بلغة لَخْم. وذكر منذر بن سعيد أن الإملاق الإنفاق؛ يقال: أملق ماله بمعنى أنفقه. وذُكر أن عليّاً رضي الله عنه قال لامرأته: أمْلقي من مالك ما شئت. ورجل مَلِق يُعطِي بلسانه ما ليس في قلبه. فالمَلَق لفظ مشترك يأتي بيانه في موضعه.

السادسة ـ وقد يستدلّ بهذا من يمنع العَزْل؛ لأن الوَأْد يرفع الموجود والنَّسْل؛ والعزل منع أصل النسل فتشابها؛ إلا أن قتل النفس أعظم وِزراً وأقبح فعلاً؛ ولذلك قال بعض علمائنا؛ إنه يفهم من "قوله عليه السلام في العزل: ذلك الوأد الخفي" الكراهة لا التحريم. وقال به جماعة من الصحابة وغيرهم. وقال بإباحته أيضاً جماعةٌ من الصحابة والتابعين والفقهاء؛ لقوله عليه السلام: "لا عليكم ألاّ تفعلوا فإنما هو القَدَر" أي ليس عليكم جناح في ألاّ تفعلوا. وقد فَهِم منه الحسن ومحمد بن المُثنَّى النَّهْيَ والزّجْرَ عن العزل. والتأويل الأوّل أوْلى؛ لقوله عليه السلام: "وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء" . قال مالك والشافعي: لا يجوز العزل عن الحرّة إلا بإذنها. وكأنهم رأُوا الإنزال من تمام لذتها، ومن حقها في الولد، ولم يروا ذلك في الموطوءة بملك اليمين، إذ له أن يعزل عنها بغير إذنها، إذ لا حق لها في شيء مما ذُكر.

السابعة ـ قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} نظيره { وَذَرُواْ ظَاهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ } [الأنعام: 120]. فقوله: «مَا ظَهَرَ» نهي عن جميع أنواع الفواحش وهي المعاصي. «وَمَا بَطَنَ» ما عقد عليه القلب من المخالفة. وظَهر وبطَن حالتان تستوفيان أقسام ما جعلت له من الأشياء. و «ما ظهر» نصب على البدل من «الفواحش». «وما بطن» عطف عليه.

الثامنة ـ قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} الألف واللام في «النفس» لتعريف الجنس؛ كقولهم: أهلك الناسَ حُبُّ الدرهم والدينار. ومثله { إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً } [المعارج: 19] ألا ترى قوله سبحانه: {إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ}؟ وكذلك قوله: { وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ } [العصر: 1 ـ 2] لأنه قال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}. وهذه الآية نهيٌ عن قتل النفس المحرّمةِ، مؤمنةً كانت أو معاهدة إلا بالحق الذي يوجب قتلها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أُمِرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عَصَمَ مالَه ونفْسَه إلا بحقّه وحسابُهم على الله" . وهذا الحق أُمور: منها منع الزكاة وترك الصلاة؛ وقد قاتل الصدّيق مانِعي الزكاة. وفي التنزيل { فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ } [التوبة: 5] وهذا بيّن. وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يَحلّ دَمُ ٱمرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة" . وقال عليه السلام: "إذا بُويع لخليفتين فٱقتلوا الآخِرَ منهما" . أخرجه مسلم. وروى أبو داود عن ٱبن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به" . وسيأتي بيان هذا في «الأعراف». وفي التنزيل: { إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوۤاْ } [المائدة: 33] الآية. وقال: { وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ } [الحجرات: 9] الآية. وكذلك من شقَّ عصا المسلمين وخالف إمامَ جماعتهم وفَرّق كلمتهم وسعى في الأرض فساداً بانتهاب الأهل والمال والبَغي على السلطان والامتناع من حكمه يُقْتَلُ. فهذا معنى قوله: «إلاَّ بِالْحَقِّ».

وقال عليه السلام: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعىٰ بذمتهم أدناهم لا يُقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده ولا يتوارث أهل ملّتين" . وروىٰ أبو داود والنَّسائي عن أبي بَكْرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من قتل مُعاهداً في غير كُنِههِ حَرّم الله عليه الجنة" . وفي رواية أُخرىٰ لأبي داود قال: "من قتل رجلاً من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة وإنّ ريحها ليوجد من مسيرة سبعين عاماً" . في البخاري في هذا الحديث: "وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً" . خرّجه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.

التاسعة ـ قوله تعالىٰ: {ذٰلِكُمْ} إشارة إلى هذه المحرّمات. والكاف والميم للخطاب، ولاحظّ لهما من الإعراب. {وَصَّاكُمْ بِهِ} الوصيّة الأمر المؤكَّد المقدور. والكاف والميم محله النصب؛ لأنه ضمير موضوع للمخاطبة. وفي وَصّى ضمير فاعل يعود على الله. وروىٰ مطر الوَرّاق عن نافع عن ٱبن عمر أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أشرف على أصحابه فقال: عَلاَم تقتلوني! فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يحل دَمُ ٱمرىء مسلم إلا بإحدىٰ ثلاث رجل زنىٰ بعد حصانة فعليه الرجم أو قتل عمداً فعليه القود أو ٱرتدّ بعد إسلامه فعليه القتل" فوالله ما زنيتُ في جاهلية ولا إسلام، ولا قتلتُ أحداً فأقيد نفسي به، ولا ٱرتددت منذ أسلمت، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، ذلكم الذي ذكرت لكم وصّاكم به لعلكم تعقلون!

العاشرة ـ قوله تعالىٰ: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي بما فيه صلاحه وتثميره، وذلك بحفظ أصوله وتثمير فروعه. وهذا أحسن الأقوال في هذا؛ فإنه جامع. قال مجاهد: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} بالتجارة فيه، ولا تشتري منه ولا تستقرض.

الحادية عشرة ـ قوله تعالىٰ: {حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} يعني قوته، وقد تكون في البدن وقد تكون في المعرفة بالتجربة، ولا بُدّ من حصول الوجهين، فإن الأشُدّ وقعت هنا مطلقة. وقد جاء بيان حال اليتيم في سورة «النساء» مقيدة، فقال: { وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً } [النساء: 6] فجمع بين قوة البدن وهو بلوغ النكاح، وبين قوة المعرفة وهو إيناس الرشد؛ فلو مُكِّن اليتيم من ماله قبل حصول المعرفة وبعد حصول القوة لأذهبه في شهواته وبَقَى صُعْلوكاً لا مال له. وخصّ اليتيم بهذا الشرط لغفلة الناس عنه وٱفتقاد الآباء لأبنائهم فكان الاهتبال بفقيد الأب أوْلى. وليس بلوغ الأشُد يبيح قُرْب ماله بغير الأحسن؛ لأن الحرمة في حق البالغ ثابتة. وخصّ اليتيم بالذكر لأن خصمه الله. والمعنى: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن على الأبد حتى يبلغ أشده. وفي الكلام حذف؛ فإذا بلغ أشدّه وأُونس منه الرشد فادفعوا إليه ماله. وٱختلف العلماء في أشُدّ اليتيم؛ فقال ابن زيد: بلوغه وقال أهل المدينة. بلوغه وإيناس رشده. وعند أبي حنيفة: خمس وعشرون سنة. قال ابن العربيّ: وعجباً من أبي حنيفة، فإنه يرى أن المقدرات لا تثبت قياساً ولا نظراً وإنما تثبت نقلاً، وهو يثبتها بالأحاديث الضعيفة، ولكنه سكن دار الضَّرْب فكثر عنده المُدَلَّسْ، ولو سكن المعدن كما قيض الله لمالك لما صدر عنه إلا إبريز الدِّين. وقد قيل: إن انتهاء الكهولة فيها مُجْتَمع الأشُدّ؛ كما قال سُحيم بن وَثيل:

أخُو خمسين مُجْتَمِعٌ أشُدِّيونَجَّذَنِي مُدَاوَرَةُ الشُّؤونِ

يروي «نجدني» بالدال والذال. والأشُدّ واحد لا جمع له؛ بمنزلة الآنُك وهو الرَّصاص. وقد قيل: واحده شدّ؛ كفَلْس وأفْلُس. وأصله من شدّ النهار أي ٱرتفع؛ يقال: أتيته شدّ النهار ومدَّ النهار. وكان محمد بن محمد الضَّبيّ ينشدُ بيت عنترة:

عَهْدِي به شدّ النهار كأنماخُضِبَ اللبَّانُ ورأسُه بالعَظْلِمِ

وقـال آخـر:

تُطيف به شَدّ النهار ظَعينةٌطويلةُ أنقاء اليدَيْن سَحُوق

وكان سيبويه يقول: واحده شِدّة. قال الجوهري: وهو حَسَن في المعنى؛ لأنه يقال: بلغ الغلام شدّته. ولكن لا تجمع فِعْلة على أفْعُل، وأما أنْعُم فإنما هو جمع نُعْم؛ من قولهم: يوم بُؤس ويوم نُعْم. وأما قول من قال: واحده شَدّ؛ مثلُ كَلْب وأكلب، وشِدّ مثل ذئب وأذؤب فإنما هو قياس. كما يقولون في واحد الأبابيل: إبَّوْل، قياساً على عِجَّوْل، وليس هو شيئاً سُمع من العرب. قال أبو زيد: أصابتني شُدَّىٰ على فُعْلىٰ؛ أي شِدّة. وأشد الرجل إذا كانت معه دابة شديدة.

الثانية عشرة ـ قوله تعالىٰ: {وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ} أي بالاعتدال في الأخذ والعطاء عند البيع والشراء. والقسط: العدل. {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} أي طاقتها في ايفاء الكيل والوزن وهذا يقتضي أن هذه الأوامر إنما هي فيما يقع تحت قدرة البشر من التحفظ والتحرّر. وما لا يمكن الاحتراز عنه من تفاوت ما بين الَكْيلين، ولا يدخل تحت قُدرة البشر فمعفوٌ عنه. وقيل: الكيل بمعنى المِكْيَال. يقال: هذا كذا وكذا كَيلاً؛ ولهذا عطف عليه بالميزان. وقال بعض العلماء: لما علم الله سبحانه من عباده أن كثيرا منهم تضيق نفسُه عن أن تَطيب للغير بما لا يجب عليها له أمر المعطي بإيفاء ربّ الحق حقّه الذي هو له، ولم يكلفه الزيادة؛ لما في الزيادة عليه من ضيق نفسه بها. وأمر صاحبَ الحقّ بأخذ حقه ولم يكلفه الرضا بأقلّ منه؛ لما في النقصان من ضيق نفسه. وفي موطأ مالك عن يحيىٰ بن سعيد أنه بلغه عن عبد الله بن عباس أنه قال: ما ظهر الغُلُول في قوم قطُّ إلا ألقىٰ الله في قلوبهم الرّعب، ولا فشا الزنىٰ في قوم إلا كَثُر فيهم الموت، ولا نقص قوم المِكيال والميزان إلا قطع عنهم الرزق، ولا حَكم قوم بغير الحق إلا فشا فيهم الدّم، ولا ختر قوم بالعهد إلا سلط الله عليهم العدو. وقال ٱبن عباس أيضاً: إنكم معشر الأعاجم قد ولُيتم أمرين بهما هلك من كان قبلكم الكيل والميزان.

الثالثة عشرة ـ قوله تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ} يتضمن الأحكام والشهادات. {وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ} أي ولو كان الحق على مثل قراباتكم؛ كما تقدم في «النساء». {وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ} عامّ في جميع ما عهده الله إلى عباده. ويحتمل أن يراد به جميع ما انعقد بين إنسانين. وأضيف ذلك العهد إلى الله من حيث أمر بحفظه والوفاء به {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} تتّعظون.

الرابعة عشرة ـ قوله تعالى: {وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ} هذه آية عظيمة عطفها على ما تقدم؛ فإنه لما نهى وأمر حذّر هنا عن اتباع غير سبيله، فأمر فيها باتباع طريقه على ما نبينه بالأحاديث الصحيحة وأقاويل السلف. «وأنّ» في موضع نصب، أي وأتل أن هذا صراطي؛ عن الفراء والكسائيّ. قال الفراء: ويجوز أن يكون خفضاً، أي وصّاكم به وبأن هذا صراطي. وتقديرها عند الخليل وسيبويه: ولأن هذا صراطي؛ كما قال: { وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ } [الجن: 18] وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي «وإنّ هذا» بكسر الهمزة على الاستئناف؛ أي الذي ذكر في هذه الآيات صراطي مستقيماً. وقرأ ٱبن أبي إسحاق ويعقوب «وأنْ هذا» بالتخفيف. والمخففة مثلُ المشدّدة، إلا أن فيه ضمير القصة والشان؛ أي وأنه هذا. فهي في موضع رفع. ويجوز النصب. ويجوز أن تكون زائدة للتوكيد؛ كما قال عز وجل: { فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ } [يوسف: 96] والصراط: الطريق الذي هو دين الإسلام. {مُسْتَقِيماً} نصب على الحال، ومعناه مستوياً قويماً لا ٱعوجاج فيه. فأمر باتباع طريقه الذي طرقه على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وشرعه ونهايُته الجنة. وتشعبت منه طرق فمن سلك الجادّة نجا، ومن خرج إلى تلك الطرق أفضت به إلى النار. قال الله تعالىٰ: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} أي تميل. روىٰ الدّارميّ أبو محمد في مسنده بإسناد صحيح: أخبرنا عفان حدّثنا حماد بن زيد حدّثنا عاصم بن بَهْدَلة عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال: "خطّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً خطاً، ثم قال: هذا سبيل الله ثم خطّ خطوطاً عن يمينه وخطوطاً عن يساره ثم قال هذه سُبُلٌ على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها ثم قرأ هذه الآية" . وأخرجه ابن ماجه في سننه عن جابر بن عبد الله قال: "كنا عند النبيّ صلى الله عليه وسلم فخطّ خطاً، وخطّ خطّين عن يمينه، وخط خطين عن يساره، ثم وضع يده في الخط الأوسط فقال هذا سبيل الله ـ ثم تلا هذه الآية ـ {وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}" وهذه السُّبُلَ تعم اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر أهل الملل وأهل البدع والضلالات من أهل الأهواء والشذوذ في الفروع، وغير ذلك من أهل التعمُّق في الجدل والخوض في الكلام. هذه كلّها عرضة للزلل، ومظنة لسوء المعتقد؛ قاله ابن عطية.

قلت: وهو الصحيح. ذكر الطبري في كتاب آداب النفوس: حدّثنا محمد بن عبد الأعلىٰ الصّنعاني قال حدّثنا محمد بن ثَور عن مَعْمر عن أبان أن رجلاً قال لابن مسعود: ما الصراط المستقيم؟ قال: تَرَكَنا محمد صلى الله عليه وسلم في أدناه وطرفُه في الجنة، وعن يمينه جَوَادّ وعن يساره جوادّ، وثَمّ رجال يدعون من مَرَّ بهم فمن أخذ في تلك الجوادّ انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود: {وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً} الآية. وقال عبد الله بن مسعود: تعلموا العلم قبل أن يُقبض، وقبضه أن يذهب أهله، ألا وإياكم والتّنَطُّعَ والتعمّق والبدع، وعليكم بالعتيق. أخرجه الدَّارِمِي. وقال مجاهد في قوله: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ} قال: البدع. قال ابن شهاب: وهذا كقوله تعالىٰ: { إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً } [الأنعام: 159] الآية. فالهَرَبَ الهربَ، والنَّجاةَ النجاة والتمسُّك بالطريق المستقيم والسنن القويم، الذي سلكه السلف الصالح، وفيه المتجر الرابح. روى الأئمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أمرتكم به فخذوه وما نهيتكم عنه فانتهوا" . وروىٰ ابن ماجه وغيره عن العِرْباض بن سَارِية قال: وَعَظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذَرَفت منها العيون؛ وَوَجِلَت منها القلوب؛ فقلنا: يا رسول الله، إن هذه لموعظةُ مودّع، فما تَعْهَد إلينا؟ فقال: "قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي عَضُّوا عليها بالنواجذ وإياكم والأمور المحدثات فإن كلّ بدعة ضلالة وعليكم بالطاعة وإنْ عبداً حبشيَّاً فإنما المؤمن كالجَمَل الأَنِف حيثما قِيد ٱنقاد" أخرجه الترمذي بمعناه وصححه وروى أبو داود قال حدثنا ٱبن كثير قال أخبرنا سفيان قال: كتب رجل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدر؛ فكتب إليه: أما بعد، فإني أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترك ما أحدث المحدثون بعدما جرت به سنّته، وكُفُوا مؤونته، فعليك بلزوم الجماعة فإنها لك بإذن الله عصمة، ثم ٱعلم أنه لم يبتدع الناس بدعةً إلا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها أو عبرةٌ فيها؛ فإن السنة إنما سنّها من قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل، والحمق والتعمق؛ فارض لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم؛ فإنهم على علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، وإنهم على كشف الأمور كانوا أقوى، وبفضل ما كانوا فيه أولىٰ، فإن كان الهُدَىٰ ما أنتم عليه فقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم إنما حدث بعدهم فما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلِهم وَرَغِب بنفسه عنهم؛ فإنهم هم السابقون، قد تكلّموا فيه بما يكْفي ووصفوا ما يشفي، فما دونهم من مقصر، وما فوقهم من مجسر، وقد قصر قوم دونهم فَجَفَوْا، وطَمح عنهم أقوام فَغَلْوا وإنهم مع ذلك لَعَلىٰ هُدىً مستقيم. وذكر الحديث. وقال سهل بن عبد الله التُّسْتَريُّ: عليكم بالاقتداء بالأثر والسنة، فإني أخاف أنه سيأتي عن قليل زمانٌ إذا ذكر إنسانٌ النبيّ صلى الله عليه وسلم والاقتداء به في جميع أحواله ذَمّوه ونفروا عنه وتبرءوا منه وأذلّوه وأهانوه. قال سهل: إنما ظهرت البدعة على يدي أهل السنة لأنهم ظاهروهم وقاولوهم؛ فظهرت أقاويلهم وَفَشت في العامّة فَسمِعه من لم يكن يسمعه، فلو تركوهم ولم يكلموهم لمات كل واحد منهم على ما في صدره ولم يظهر منه شيء وحمله معه إلى قبره، وقال سهل: لا يُحدث أحدكم بدعةً حتى يُحدث له إبليس عبادة فيتعبّد بها ثم يُحدث له بدعة، فإذا نطق بالبدعة ودعا الناس إليها نزع منه تلك الْحَذْمة. قال سهل: لا أعلم حديثاً جاء في المبتدعة أشدّ من هذا الحديث: "حجب الله الجنة عن صاحب البدعة" . قال: فاليهوديّ والنّصرانيّ أرْجىٰ منهم. قال سهل: من أراد أن يكرم دينه فلا يدخل على السلطان، ولا يخُلَون بالنسوان، ولا يخاصِمنّ أهل الأهواء. وقال أيضاً: ٱتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كُفيتم. وفي مسند الدّارِمِي: أن أبا موسىٰ الأشعري جاء إلى عبد الله بن مسعود فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني رأيت في المسجد آنفاً شيئاً أنكرته ولم أر والحمد لله إلا خيرا قال: فما هو؟ قال: إن عشت فستراه، قال: رأيتُ في المسجد قوماً حِلقاً حِلَقاً جلوساً ينتظرون الصلاة؛ في كل حَلْقة رجل وفي أيديهم حَصىً فيقول لهم: كَبِّروا مائة؛ فيكبرون مائة. فيقول: هَلِّلُوا مائة؛ فيهلّلون مائة. ويقول: سبّحوا مائة؛ فيسبحون مائة. قال: فماذا قلتَ لهم؟ قال: ما قلتُ لهم شيئاً؛ انتظارَ رأيك وانتظار أمرك. قال أفلا أمرتهم أن يَعُدّوا سيئاتهم وضَمِنت لهم ألا يضيع من حسناتهم. ثم مضى ومضينا معه حتى أتىٰ حَلْقة من تلك الحِلَق؛ فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبدالرحمن، حَصىً نعدّ به التكبير والتهليل (والتسبيح). قال: فعُدّوا سيئاتكم وأنا ضامن لكم ألاّ يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد! ما أسرع هَلْكَتكم. أو مُفْتَتِحِي باب ضلالة! قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن، ما أردنا إلا الخير. فقال: وكم من مريد للخير لن يصيبه. وعن عمر بن عبد العزيز وسأله رجل عن شيء من أهل الأهواء والبدع؛ فقال: عليك بدين الأَعْراب والغلام في الكُتَّاب، وٱلْه عمّا سَوى ذلك. وقال الأوزاعي: قال إبليس لأوليائه مِن أي شيء تأتون بني آدم؟ فقالوا: من كل شيء. قال: فهل تأتونهم من قبل الاستغفار؟ قالوا: هيهات! ذلك شيء قُرِن بالتوحيد. قال: لأبثن فيهم شيئاً لا يستغفرون الله منه. قال: فَبثّ فيهم الأهواء. وقال مجاهد: ولا أدري أيّ النعمتين عليّ أعظم أن هداني للإسلام، أو عافاني من هذه الأهواء. وقال الشعبي: إنما سُمُّوا أصحاب الأهواء لأنهم يَهْوَوْن في النار. كله عن الدارميّ. وسئل سهل بن عبد الله عن الصلاة خلف المعتزلة والنكاح منهم وتزويجهم فقال: لا، ولا كرامة! هم كفار، كيف يؤمن من يقول: القرآن مخلوق، ولا جنة مخلوقة ولا نار مخلوقة، ولا لله صراط ولا شفاعة، ولا أحد من المؤمنين يدخل النار ولا يخرج من النار من مذنبي أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا عذاب القبر ولا منكر ولا نكير، ولا رؤية لربنا في الآخرة ولا زيادة، وأنّ علم الله مخلوق، ولا يرون السلطان ولا جمعة؛ ويكفرون من يؤمن بهذا. وقال الفُضيل بن عِياض: من أحبّ صاحب بدعة أحبط الله عمله، وأخرج نور الإسلام من قلبه. وقد تقدّم هذا من كلامه وزيادة. وقال سفيان الثّوْرِي: البدعة أحبّ إلى إبليس من المعصية؛ المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها. وقال ابن عباس: النظر إلى الرجل من أهل السنة يدعو إلى السنّة وينهى! عن البدعة، عبادةٌ. وقال أبو العالية: عليكم بالأمر الأوّل الذي كانوا عليه قبل أن يفترقوا. قال عاصم الأحْول: فحدّثت به الحسن فقال: قد نصحك والله وصدقك. وقد مضى في «آل عمران» معنى قوله عليه السلام: "تفرّقت بنو إسرائيل على ثنتين وسبعين فرقة وأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين" . الحديث. وقد قال بعض العلماء العارفين: هذه الفرقة التي زادت في فرق أمة محمد صلى الله عليه وسلم هم قوم يعادون العلماء ويبغضون الفقهاء، ولم يكن ذلك قطُّ في الأمم السالفة. وقد "روى رافع بن خَديج أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يكون في أمتي قوم يكفرون بالله وبالقرآن وهم لا يشعرون كما كفرت اليهود والنصارى. قال فقلت: جُعلت فداك يا رسول اللهٰ كيف ذاك؟ قال: يُقرُّون ببعض ويكفرون ببعض. قال قلت: جُعلت فداك يا رسول اللهٰ وكيف يقولون؟ قال: يجعلون إبليس عدلاً لله في خلقه وقوته ورزقه ويقولون الخير من الله والشر من إبليس. قال: فيكفرون بالله ثم يقرءون على ذلك كتاب الله، فيكفرون بالقرآن بعد الإيمان والمعرفة؟ قال: فما تلقىٰ أمتي منهم من العداوة والبغضاء والجدال أولئك زنادقة هذه الأمة" . وذكر الحديث. ومضىٰ في «النساء» وهذه السورة النّهْيُ عن مجالسة أهل البدع والأهواء، وأن من جالسهم حكمه حكمهم فقال: { وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا } [الأنعام: 68] الآية. ثم بين في سورة «النساء» وهي مدنية عقوبة من فعل ذلك وخالف ما أمر الله به فقال: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ} الآية. فألحق من جالسهم بهم. وقد ذهب إلى هذا جماعة من أئمة هذه الأمة وحكم بموجب هذه الآيات في مُجالس أهل البدع على المعاشرة والمخالطة منهم أحمد بن حنبل والأوزاعي وابن المبارك فإنهم قالوا في رجل شأنه مجالسة أهل البدع قالوا: يُنْهى عن مجالستهم، فإن انتهى وإلا أُلِحق بهم، يعنون في الحكم. وقد حمل عمر بن عبد العزيز الحدّ على مُجالِس شَرَبة الخمر، وتلا { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ } [النساء: 140]. قيل له: فإنه يقول إني أجالسهم لأباينهم وأرد عليهم. قال يُنْهى عن مجالستهم، فإن لم ينته أُلحِقْ بهم.