التفاسير

< >
عرض

وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ
١٣
قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ
١٤
قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
١٥
مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ
١٦
-الأنعام

الجامع لاحكام القرآن

قوله تعالىٰ: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} أي ثبت، وهذا ٱحتجاج عليهم أيضاً. وقيل: نزلت الآية لأنهم قالوا: علمنا أنه ما يحملك على ما تفعل إلاَّ الحاجة، فنحن نجمع لك من أموالنا حتى تصير أغنانا؛ فقال الله تعالىٰ: أخبِرهم أن جميع الأشياء لله، فهو قادر على أن يغنيني. و {سَكَنَ} معناه هدأ وٱستقر؛ والمراد ما سكن وما تحرك، فحُذِف لعلم السامع. وقيل: خص الساكن بالذكر لأن ما يعمه السكون أكثر مما تعمه الحركة. وقيل: المعنى ما خلق، فهو عام في جميع المخلوقات متحركها وساكنها، فإنه يجري عليه الليل والنهار؛ وعلى هذا فليس المراد بالسكون ضد الحركة بل المراد الخلق، وهذا أحسن ما قيل؛ لأنه يجمع شتات الأقوال. {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ} لأصواتهم {ٱلْعَلِيمُ} بأسرارهم.

قوله تعالىٰ: {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً} مفعولان؛ لما دعوه إلى عبادة الأصنام دين آبائه أنزل الله تعالىٰ {قُلْ} يا محمد: {أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً} أي رباً ومعبوداً وناصراً دون الله. {فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} بالخفض على النعت لاسم الله؛ وأجاز الأخفش الرفع على إضمار مبتدأ. وقال الزجاج: ويجوز النصب على المدح. أبو عليّ الفارسيّ: ويجوز نصبه على فعل مضمر كأنه قال: أترك فاطر السَّمٰوات والأرض؟ لأن قوله: {أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً} يدل على ترك الولاية له، وحسن إضماره لقوة هذه الدلالة. {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ} كذا قراءة العامة، أي يَرزُق ولا يُرزَق؛ دليله قوله تعالىٰ: { { مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ } } [الذاريات: 57]. وقرأ سعيد بن جُبَير ومجاهد والأعمش: وهو يُطْعِمُ وَلاَ يَطْعَمُ، وهي قراءة حسنة؛ أي أنه يرزق عباده، وهو سبحانه غير محتاج إلى ما يحتاج إليه المخلوقون من الغذاء. وقُرِىء بضم الياء وكسر العين في الفِعلين، أي إن الله يُطعِم عباده ويرزقهم والوليّ لا يُطعِم نفسه ولا من يتخذه. وقُرِىء بفتح الياء والعين في الأوّل أي الوليّ «وَلاَ يُطْعِمُ» بضم الياء وكسر العين. وخص الإطعام بالذكر دون غيره من ضروب الإنعام؛ لأن الحاجة إليه أمسُّ لجميع الأنام. {قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} أي ٱستسلم لأمر الله تعالىٰ. وقيل: أوّل من أخلص أي من قومي وأُمّتي؛ عن الحسن وغيره. {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكينَ} أي وقيل لي: {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكينَ}. {قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي} أي بعبادة غيره أن يعذبني، والخوف توقع المكروه. قال ٱبن عباس: «أخاف» هنا بمعنى أعلم. {مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ} أي العذاب {يَوْمَئِذٍ} يوم القيامة {فَقَدْ رَحِمَهُ} أي فاز ونجا ورُحِم.

وقرأ الكوفيون «مَّن يَصْرِفْ» بفتح الياء وكسر الراء، وهو ٱختيار أبي حاتم وأبي عُبيد؛ لقوله: {قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ قُل للَّهِ} ولقوله: {فَقَدْ رَحِمَهُ} ولم يقل رُحِم على المجهول، ولقراءة أبيّ «مَنْ يَصْرِفْهُ اللهُ عَنْهُ»؛ وٱختار سيبويه القراءة الأُولى ـ قراءة أهل المدينة وأبي عمرو ـ قال سيبويه: وكلما قَلَّ الإضمار في الكلام كان أولى؛ فأما قراءة من قرأ «مَنْ يَصْرِفْ» بفتح الياء فتقديره: من يصرف الله عنه العذاب، وإذا قُرِىء «مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ» فتقديره: من يُصرَف عنه العذابُ. {وَذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ} أي النجاة البيِّنة.