التفاسير

< >
عرض

قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيۤ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
٣٥
وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً إِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ
٣٦
وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ
٣٧
أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
٣٨
بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلظَّالِمِينَ
٣٩
وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ
٤٠
-يونس

انوار التنزيل واسرار التأويل

{قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَهْدِى إِلَى ٱلْحَقّ} بنصب الحجج وإرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام والتوفيق للنظر والتدبر، وهدى كما يعدى بإلى لتضمنه معنى الانتهاء يعدى باللام للدلالة على أن المنتهي غاية الهداية وأنها لم تتوجه نحوه على سبيل الاتفاق ولذلك عدى بها ما أسند إلى الله تعالى. {قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقّ أَفَمَن يَهْدِى إِلَى ٱلْحَقّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّى إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ} أم الذي لا يهتدي إلا أن يهدى من قولهم: أهدى بنفسه إذا اهتدى، أو لا يهدي غيره إلا أن يهديه الله وهذا حال أشراف شركائهم كالملائكة والمسيح وعزير، وقرأ ابن كثير وورش عن نافع وابن عامر "يهدِّى" بفتح الهاء وتشديد الدال. ويعقوب وحفص بالكسر والتشديد والأصل يهتدي فأدغم وفتحت الهاء بحركة التاء أو كسرت لالتقاء الساكنين. وروى أبو بكر "يهدي" بإتباع الياء الهاء. وقرأ أبو عمرو بالإدغام المجرد ولم يبال بالتقاء الساكنين لأن المدغم في حكم المتحرك. وعن نافع برواية قالون مثله وقرىء {إِلا أَنْ يَهْدِى} للمبالغة {فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} بما يقتضي صريح العقل بطلانه. {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ} فيما يعتقدونه. {إِلاَّ ظَنَاً} مستنداً إلى خيالات فارغة وأقيسة فاسدة كقياس الغائب على الشاهد والخالق على المخلوق بأدنى مشاركة موهومة، والمراد بالأكثر الجميع أو من ينتمي منهم إلى تمييز ونظر ولا يرضى بالتقليد الصرف. {إَنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقّ} من العلم والاعتقاد الحق. {شَيْئاً} من الإِغناء ويجوز أن يكون مفعولاً به و {مِنَ ٱلْحَقّ} حالاً منه، وفيه دليل على أن تحصيل العلم في الأصول واجب والاكتفاء بالتقليد والظن غير جائز. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} وعيد على اتباعهم للظن وإعراضهم عن البرهان.

{وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ} افتراء من الخلق. {وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ} مطابقاً لما تقدمه من الكتب الإلهية المشهود على صدقها ولا يكون كذباً كيف وهو لكونه معجزاً دونها عيَّارٌ عليها شاهد على صحتها، ونصبه بأنه خبر لكان مقدراً أو علة لفعل محذوف تقديره: ولكن أنزله الله تصديق الذي. وقرىء بالرفع على تقدير ولكن هو تصديق. {وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ} وتفصيل ما حقق وأثبت من العقائد والشرائع. {لاَ رَيْبَ فِيهِ} منتفياً عنه الريب وهو خبر ثالث داخل في حكم الاستدراك، ويجوز أن يكون حالاً من الكتاب فإنه مفعول في المعنى وأن يكون استئنافاً. {مِن رَّبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} خبر آخر تقديره كائناً من رب العالمين أو متعلق بتصديق أو تفصيل، و {لاَ رَيْبَ فِيهِ} اعتراض أو بالفعل المعلل وبهما أن يكون حالاً من الكتاب أو من الضمير في {فِيهِ}، ومساق الآية بعد المنع عن اتباع الظن لبيان ما يجب اتباعه والبرهان عليه.

{أَمْ يَقُولُونَ} بل أيقولون. {ٱفْتَرَاهُ} محمد صلى الله عليه وسلم ومعنى الهمزة فيه للإنكار. {قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ} في البلاغة وحسن النظم وقوة المعنى على وجه الافتراء فإنكم مثلي في العربية والفصاحة وأشد تمرناً في النظم والعبارة. {وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ} ومع ذلك فاستعينوا بمن أمكنكم أن تستعينوا به. {مِن دُونِ ٱللَّهِ} سوى الله تعالى فإنه وحده قادر على ذلك. {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} أنه اختلقه.

{بَلْ كَذَّبُواْ} بل سارعوا إلى التكذيب. {بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ} بالقرآن أول ما سمعوه قبل أن يتدبروا آياته ويحيطوا بالعلم بشأنه، أو بما جهلوه ولم يحيطوا به علماً من ذكر البعث والجزاء وسائر ما يخالف دينهم. {وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} ولم يقفوا بعد على تأويله ولم تبلغ أذهانهم معانيه، أو ولم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الإِخبار بالغيوب حتى يتبين لهم أنه صدق أم كذب، والمعنى أن القرآن معجز من جهة اللفظ والمعنى ثم إنهم فاجئوا تكذيبه قبل أن يتدبروا نظمه ويتفحصوا معناه ومعنى التوقع في لما أنه قد ظهر لهم بالآخرة إعجازه لما كرر عليهم التحدي فزادوا قواهم في معارضته فتضاءلت دونها، أو لما شاهدوا وقوع ما أخبر به طبقاً لأخباره مراراً فلم يقلعوا عن التكذيب تمرداً وعناداً. {كَذٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أنبياءهم. {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلظَّـٰلِمِينَ } فيه وعيد لهم بمثل ما عوقب به من قبلهم.

{وَمِنْهُمُ} ومن المكذبين. {مَن يُؤْمِنُ بِهِ} من يصدق به في نفسه ويعلم أنه حق ولكن يعاند، أو من سيؤمن به ويتوب عن الكفر. {وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ} في نفسه لفرط غباوته وقلة تدبره، أو فيما يستقبل بل يموت على الكفر، {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ} بالمعاندين أو المصرين.