التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ
٩٦
وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ
٩٧
فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ
٩٨
وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ
٩٩
وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ
١٠٠
قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا تُغْنِي ٱلآيَاتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ
١٠١
فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ
١٠٢
ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنجِ ٱلْمُؤْمِنِينَ
١٠٣
قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ
١٠٤
وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ
١٠٥
-يونس

انوار التنزيل واسرار التأويل

{إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ} ثبتت عليهم. {كَلِمَةُ رَبِّكَ} بأنهم يموتون على الكفر ويخلدون في العذاب. {لاَ يُؤْمِنُونَ} إذ لا يكذب كلامه ولا ينتقض قضاؤه.

{وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ ءايَةٍ} فإن السبب الأصلي لإِيمانهم وهو تعلق إرادة الله تعالى به مفقود. {حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} وحينئذ لا ينفعهم كما لا ينفع فرعون.

{فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ ءامَنَتْ} فهلا كانت قرية من القرى التي أهلكناها آمنت قبل معاينة العذاب، ولم تؤخر إليها كما أخر فرعون. {فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا} بأن يقبله الله منها ويكشف العذاب عنها. {إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ} لكن قوم يونس عليه السلام. {لَمَّا ءامَنُواْ} أول ما رأوا أمارة العذاب ولم يؤخروه إلى حلوله. {كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا} ويجوز أن تكون الجملة في معنى النفي لتضمن حرف التحضيض معناه، فيكون الاستثناء متصلاً لأن المراد من القرى أهاليها كأنه قال: ما آمن أهل قرية من القرى العاصية فنفعهم إيمانهم إلا قوم يونس، ويؤيده قراءة الرفع على البدل. {وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ} إلى آجالهم. روي: (أن يونس عليه السلام بعث إلى أهل نينوى من الموصل، فكذبوه وأصروا عليه فوعدهم بالعذاب إلى ثلاث. وقيل إلى ثلاثين. وقيل إلى أربعين، فلما دنا الموعد أغامت السماء غيماً أسود ذا دخان شديد فهبط حتى غشي مدينتهم، فهابوا فطلبوا يونس فلم يجدوه فأيقنوا صدقه، فلبسوا المسوح وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم، وفرقوا بين كل والدة وولدها فحن بعضها إلى بعض وعلت الأصوات والعجيج وأخلصوا التوبة وأظهروا الإِيمان وتضرعوا إلى الله تعالى، فرحمهم وكشف عنهم وكان يوم عاشوراء يوم الجمعة).

{وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِى ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ} بحيث لا يشد منهم أحد. {جَمِيعاً} مجتمعين على الإِيمان لا يختلفون فيه، وهو دليل على القدرية في أنه تعالى لم يشأ إيمانهم أجمعين، وأن من شاء إيمانه يؤمن لا محالة، والتقييد بمشيئة الإلجاء خلاف الظاهر. {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ} بما لم يشأ منهم. {حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} وترتيب الإكراه على المشيئة بالفاء وإيلاؤها حرف الاستفهام للإنكار، وتقديم الضمير على الفعل للدلالة على أن خلاف المشيئة مستحيل فلا يمكن تحصيله بالإكراه عليه فضلاً عن الحث والتحريض عليه؛ إذ روي أنه كان حريصاً على إيمان قومه شديد الاهتمام به فنزلت. ولذلك قرره بقوله:

{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ} بالله. {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} إلا بإرادته وألطافه وتوفيقه فلا تجهد نفسك في هداها فإنه إلى الله. {وَيَجْعَلُ ٱلرّجْسَ} العذاب أو الخذلان فإن سببه. وقرىء بالزاي وقرأ أبو بكر «ونجعل» بالنون. {عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} لا يستعملون عقولهم بالنظر في الحجج والآيات، أو لا يعقلون دلائله وأحكامه لما على قلوبهم من الطبع ويؤيد الأول قوله:

{قُلِ ٱنظُرُواْ } أي تفكروا. {مَاذَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} من عجائب صنعه لتدلكم على وحدته وكمال قدرته، و {مَاذَا} إن جعلت استفهامية علقت {ٱنْظُرُواْ} عن العمل. {وَمَا تُغْنِى ٱلآيَـٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} في علم الله وحكمته {وَمَا} نافية أو استفهامية في موضع النصب.

{فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ} مثل وقائعهم ونزول بأس الله بهم إذ لا يستحقون غيره من قولهم أيام العرب لوقائعها. {قُلْ فَٱنْتَظِرُواْ إِنَّى مَعَكُمْ مّنَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ} لذلك أو فانتظروا هلاكي إني معكم من المنتظرين هلاككم.

{ثُمَّ نُنَجّى رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} عطف على محذوف دل عليه {إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ} كأنه قيل؛ نهلك الأمم ثم ننجي رسلنا ومن آمن بهم، على حكاية الحال الماضية. {كَذَلِكَ حَقّا عَلَيْنَا نُنجِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} كذلك الإِنجاء أو إنجاء كذلك ننجي محمداً وصحبه حين نهلك المشركين، و {حَقّاً عَلَيْنَا } اعتراض ونصبه بفعله المقدر. وقيل بدل من كذلك. وقرأ حفص والكسائي {نُنَجّى} مخففاً.

{قُلْ يٰ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ} خطاب لأهل مكة. {إِن كُنتُمْ فِى شَكّ مّن دِينِى} وصحته. {فَلاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّاكُمْ } فهذا خلاصة ديني اعتقاداً وعملاً فاعرضوها على العقل الصرف وانظروا فيها بعين الإِنصاف لتعلموا صحتها وهو أني لا أعبد ما تخلقونه وتعبدونه، ولكن أعبد خالقكم الذي هو يوجدكم ويتوفاكم. وإنما خص التوفي بالذكر للتهديد. {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} بما دل عليه العقل ونطق به الوحي، وحذف الجار من أن يجوز أن يكون من المطرد مع أن وأن يكون من غيره كقوله:

أَمَرْتُكَ الخَيْرَ فَافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِه فَقَدْ تَرَكْتُكَ ذَا مَالٍ وَذَا نَسَبِ

{وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ} عطف على {أَنْ أَكُونَ } غير {أَن} صلة {أن} محكية بصيغة الأمر، ولا فرق بينهما في الغرض لأن المقصود وصلها بما يتضمن معنى المصدر لتدل معه عليه، وصيغ الأفعال كلها كذلك سواء الخبر منها والطلب، والمعنى وأمرت بالاستقامة في الدين والاستبداد فيه بأداء الفرائض، والانتهاء عن القبائح، أو في الصلاة باستقبال القبلة. {حَنِيفاً} حال من الدين أو الوجه. {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ}.