التفاسير

< >
عرض

قَالَتْ يَٰوَيْلَتَىٰ ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ
٧٢
قَالُوۤاْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ
٧٣
فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ٱلرَّوْعُ وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ
٧٤
إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ
٧٥
يَٰإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ
٧٦
وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيۤءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ
٧٧
وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ قَالَ يٰقَوْمِ هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللًّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ
٧٨
قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ
٧٩
قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ
٨٠
-هود

انوار التنزيل واسرار التأويل

{قَالَتْ يَا وَيْلَتِي} يا عجباً، وأصله في الشر فأطلق على كل أمر فظيع. وقرىء بالياء على الأصل. {ءأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا} ابنة تسعين أو تسع وتسعين. {وَهَـٰذَا بَعْلِى} زوجي وأصله القائم بالأمر. {شَيْخًا} ابن مائة أو مائة وعشرين، ونصبه على الحال والعامل فيها معنى اسم الإِشارة. وقرىء بالرفع على أنه خبر محذوف أي هو شيخ، أو خبر بعد خبر أو هو الخبر و {بَعْلِى} بدل. {إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْء عَجِيبٌ} يعني الولد من هرمين، وهو استعجاب من حيث العادة دون القدرة ولذلك:

{قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَـٰتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ} منكرين عليها فإِن خوارق العادات باعتبار أهل بيت النبوة ومهبط المعجزات، وتخصيصهم بمزيد النعم والكرامات ليس ببدع ولا حقيق بأن يستغربه عاقل فضلاً عمن نشأت وشابت في ملاحظة الآيات، وأهل البيت نصب على المدح أو النداء لقصد التخصيص كقولهم: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة. {إِنَّهُ حَمِيدٌ } فاعل ما يستوجب به الحمد. {مَّجِيدٌ } كثير الخير والإِحسان.

{فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ } أي ما أوجس من الخيفة واطمأن قلبه بعرفانهم. {وَجَاءتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ } بدل الورع. {يُجَـٰدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ } يجادل رسلنا في شأنهم ومجادلته إياهم قوله: { إِنَّ فِيهَا لُوطاً } [العنكبوت: 32] وهو إما جواب لما جيء به مضارعاً على حكاية الحال أو لأنه في سياق الجواب بمعنى الماضي كجواب لو، أو دليل جوابه المحذوف مثل اجترأ على خطابنا أو شرع في جدالنا، أو متعلق به أقيم مقامه مثل أخذ أو أقبل يجادلنا.

{إِنَّ إِبْرٰهِيمَ لَحَلِيمٌ} غير عجول على الانتقام من المسيء إليه. {أَوَّاهٌ} كثير التأوه من الذنوب والتأسف على الناس. {مُّنِيبٌ} راجع إلى الله، والمقصود من ذلك بيان الحامل له على المجادلة وهو رقة قلبه وفرط ترحمه.

{يَا إِبْرَاهِيمَ} على إرادة القول أي قالت الملائكة {يَا إِبْرَاهِيمَ }. {أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا} الجدال {إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبّكَ} قدره بمقتضى قضائه الأزلي بعذابهم وهو أعلم بحالهم. {وَإِنَّهُمْ اتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} مصروف بجدال ولا دعاء ولا غير ذلك.

{وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيْءَ بِهِمُ} ساءه مجيئهم لأنهم جاؤوه في صورة غلمان فظن أنهم أناس فخاف عليهم أن يقصدهم قومه فيعجز عن مدافعتهم. {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا} وضاق بمكانهم صدره، وهو كناية عن شدة الانقباض للعجز عن مدافعة المكروه والاحتيال فيه. {وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ } شديد من عصبه إذا شده.

{وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ} يسرعون إليه كأنهم يدفعون دفعاً لطلب الفاحشة من أضيافه. {وَمِن قَبْلُ } أي ومن قبل ذلك الوقت. {كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَاتِ} الفواحش فتمرنوا بها ولم يستحيوا منها حتى جاؤوا يهرعون لها مجاهرين. {قَالَ يَـا قَوْمِ هَـٰؤُلآء بَنَاتِى} فدى بهن أضيافه كرماً وحمية، والمعنى هؤلاء بناتي فتزوجوهن، وكانوا يطلبونهن قبل فلا يجيبهم لخبثهم وعدم كفاءتهم لا لحرمة المسلمات على الكفار فإنه شرع طارىء أو مبالغة في تناهي خبث ما يرومونه حتى إن ذلك أهون منه، أو إظهاراً لشدة امتعاضه من ذلك كي يرقوا له. وقيل المراد بالبنات نساؤهم فإن كل نبي أبو أمته من حيث الشفقة والتربية وفي حرف ابن مسعود { وَأَزْوٰجُهُ أُمَّهَـٰتُهُمْ } [الأحزاب: 6] وهو أب لهم {هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ } أنظف فعلاً وأقل فحشاً كقولك: الميتة أطيب من المغصوب وأحل منه. وقرىء {أَطْهَرُ} بالنصب على الحال على أن هن خبر بناتي كقولك: هذا أخي هو الأفضل فإنه لا يقع بين الحال وصاحبها. {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } بترك الفواحش أو بإيثارهن عليهم. {وَلاَ تُخْزُونِ} ولا تفضحوني من الخزي، أو ولا تخجلوني من الخزاية بمعنى الحياء. {فِى ضَيْفِى } في شأنهم فإن إخزاء ضيف الرجل إخزاؤه. {أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ} يهتدي إلى الحق ويرعوي عن القبيح.

{قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقّ } من حاجة {وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} وهو إتيان الذكران.

{قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً } لو قويت بنفسي على دفعكم. {أَوْ اوِى إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ} إلى قوي أبلغ به عنكم. شبهه بركن الجبل في شدته. وعن النبي صلى الله عليه وسلم "رحم الله أخي لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد" وقرىء {أَوْ آوِى} بالنصب بإضمار أن كأنه قال: لو أن لي بكم قوة أو أوياً وجواب لو محذوف تقديره لدفعتكم روي أنه أغلق بابه دون أضيافه وأخذ يجادلهم من وراء الباب فتسوروا الجدار، فلما رأت الملائكة ما على لوط من الكرب.