التفاسير

< >
عرض

أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً
٩١
وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً
٩٢
إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً
٩٣
لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً
٩٤
وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَرْداً
٩٥
إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً
٩٦
فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً
٩٧
وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً
٩٨
-مريم

انوار التنزيل واسرار التأويل

{أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً} يحتمل النصب على العلة لـ {تَكَادُ} أو لـ {هَدّاً} على حذف اللام وإفضاء الفعل إليه، والجر بإضمار اللام أو بالإِبدال من الهاء في منه والرفع على أنه خبر محذوف تقديره الموجب لذلك {أَن دَعَوْا }، أو فاعل {هَدّاً } أي هدها دعاء الولد للرحمن وهو من دعا بمعنى سمي المتعدي إلى مفعولين، وإنما اقتصر على المفعول الثاني ليحيط بكل ما دعي له ولداً، أو من دعا بمعنى نسب الذي مطاوعه ادعى إلى فلان إذا انتسب إليه.

{وَمَا يَنبَغِى لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً } ولا يليق به اتخاذ الولد ولا يتطلب له لو طلب مثلاًى لأنه مستحيل، ولعل ترتيب الحكم بصفة الرحمانية للإِشعار بأن كل ما عداه نعمة ومنعم عليه فلا يجانس من هو مبدأ النعم كلها ومولي أصولها وفروعها، فكيف يمكن أن يتخذه ولداً ثم صرح به في قوله:

{إِنْ كُلُّ مَنْ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضِ} أي ما منهم. {إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً} إلا وهو مملوك له يأوي إليه بالعبودية والانقياد، وقرىء {آتِ ٱلرَّحْمَـٰنِ} على الأصل.

{لَّقَدْ أَحْصَـٰهُمْ} حصرهم وأحاط بهم بحيث لا يخرجون عن حوز علمه وقبضة قدرته. {وَعَدَّهُمْ عَدّاً} عد أشخاصهم وأنفاسهم وأفعالهم فإن كل شيء عنده بمقدار.

{وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَرْداً} منفرداً عن الاتباع والأنصار فلا يجانسه شيء من ذلك ليتخذه ولداً ولا يناسبه ليشرك به.

{إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً} سيحدث لهم في القلوب مودة من غير تعرض منهم لأسبابها، وعن النبي صلى الله عليه وسلم "إذا أحب الله عبداً يقول لجبريل أحببت فلاناً فأحبه فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء إن الله قد أحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم توضع له المحبة في الأرض" والسين إما لأن السورة مكية وكانوا ممقوتين حينئذ بين الكفرة فوعدهم ذلك إذا دجا الإسلام، أو لأن الموعود في القيامة حين تعرض حسناتهم على رؤوس الأشهاد فينزع ما في صدورهم من الغل.

{فَإِنَّمَا يَسَّرْنَـٰهُ بِلَسَانِكَ} بلغتك، والباء بمعنى على أو على أصله لتضمن {يَسَّرْنَـٰهُ} معنى أنزلناه أي أنزلناه بلغتك. {لِتُبَشّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ} الصائرين إلى التقوى. {وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً} أشداء الخصومة آخذين في كل لديد، أي شق من المراء لفرط لجاجهم فبشر به وأنذر.

{وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ } تخويف للكفرة وتجسير للرسول صلى الله عليه وسلم على إنذارهم.{هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ} هل تشعر بأحد منهم وتراه. {أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً } وقرىء {تسمع} من أسمعت والركز الصوت الخفي، وأصل التركيب هو الخفاء ومنه ركز الرمح إذا غيب طرفه في الأرض، والركاز المال المدفون. عن رسول الله "من قرأ سورة مريم أعطي عشر حسنات بعدد من كذب زكريا وصدق به ويحيـى ومريم وعيسى وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام المذكورين فيها وبعدد من دعا الله في الدنيا ومن لم يدع الله" .