التفاسير

< >
عرض

وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً
٥٨
ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً
٥٩
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً
٦٠
تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً
٦١
وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً
٦٢
وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً
٦٣
وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً
٦٤
وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً
٦٥
إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً
٦٦
وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً
٦٧
وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً
٦٨
يُضَاعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً
٦٩
إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً
٧٠
وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتاباً
٧١
وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً
٧٢
وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً
٧٣
وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً
٧٤
أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً
٧٥
خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً
٧٦
قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً
٧٧
-الفرقان

انوار التنزيل واسرار التأويل

{وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ} في استكفاء شرورهم والإِغناء عن أجورهم، فإنه الحقيق بأن يتوكل عليه دون الأحياء الذين يموتون فإنهم إذا ماتوا ضاع من توكل عليهم. {وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ} ونزهه عن صفات النقصان مثنياً عليه بأوصاف الكمال طالباً لمزيد الأنعام بالشكر على سوابغه. {وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ } ما ظهر منها وما بطن. {خَبِيراً} مطلعاً فلا عليك أن آمنوا أو كفروا.

{ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱلرَّحْمَـٰنُ} قد سبق الكلام فيه، ولعل ذكره زيادة تقرير لكونه حقيقاً بأن يتوكل عليه من حيث إنه الخالق للكل والمتصرف فيه، وتحريض على الثبات والتأني في الأمر فإنه تعالى مع كمال قدرته وسرعة نفاذ أمره في كل مراد خلق الأشياء على تؤدة وتدرج، و {ٱلرَّحْمَـٰنُ} خبر للذي إن جعلته مبتدأ ولمحذوف إن جعلته صفة للحي، أو بدل من المستكن في {ٱسْتَوَىٰ} وقرىء بالجر صفة للحي. {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً} فاسأل عما ذكر من الخلق والاستواء عالماً يخبرك بحقيقته وهو الله تعالى، أو جبريل أو من وجده في الكتب المتقدمة ليصدقك فيه، وقيل الضمير {لِلرَّحْمَـٰنِ} والمعنى إن أنكروا إطلاقه على الله تعالى فاسأل عنه من يخبرك من أهل الكتاب ليعرفوا مجيء ما يرادفه في كتبهم، وعلى هذا يجوز أن يكون {ٱلرَّحْمَـٰنُ} مبتدأ والخبر ما بعده والسؤال كما يعدى بعن لتضمنه معنى التفتيش يعدى بالياء لتضمنه معنى الاعتناء. وقيل إنه صلة {خَبِيراً}.

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ } لأنهم ما كانوا يطلقونه على الله، أو لأنهم ظنوا أنه أراد به غيره ولذلك قالوا: {أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا } أي للذي تأمرناه يعني تأمرنا بسجوده أو لأمرك لنا من غير عرفان. وقيل لأنه كان معرباً لم يسمعوه. وقرأ حمزة والكسائي «يأمرنا» بالياء على أنه قول بعضهم لبعض. {وَزَادَهُمْ } أي الأمر بالسجود {لِلرَّحْمَـٰنِ }. {نُفُورًا } عن الإِيمان.

{تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَاء بُرُوجاً} يعني البروج الاثني عشر سميت به وهي القصور العالية لأنها للكواكب السيارة كالمنازل لسكانها واشتقاقه من التبرج لظهوره. {وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً} يعني الشمس لقوله { وَجَعَلَ ٱلشَّمْسَ سِرَاجاً } [نوح: 16] وقرأ حمزة والكسائي «سرجاً» وهي الشمس والكواكب الكبار. {وَقَمَراً مُّنِيراً} مضيئاً بالليل، وقرىء {وَقَمَراً} أي ذا قمر وهو جمع قمراء ويحتمل أن يكون بمعنى القمر كالرشد والرشد والعرب والعرب.

{وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً} أي ذوي خلفة يخلف كل منهما الآخر بأن يقوم مقامه فيما ينبغي أن يعمل فيه، أو بأن يعتقبا لقوله تعالى: { وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } [البقرة: 164] وهي للحالة من خلف كالركبة والجلسة. {لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ } بأن يتذكر آلاء الله ويتفكر في صنعه فيعلم أن لا بد له من صانع حكيم واجب الذات رحيم على العباد. {أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} أن يشكر الله تعالى على ما فيه من النعم، أو ليكونا وقتين للمتذكرين الشاكرين من فاته ورده في أحدهما تداركه في الآخرة، وقرأ حمزة {أَن يَذَّكَّرَ } من ذكر بمعنى تذكر وكذلك ليذكروا ووافقه الكسائي فيه.

{وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ} مبتدأ خبره {أُوْلَٰـئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ} أو: {ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ} وإضافتهم إلى {ٱلرَّحْمَـٰنُ } للتخصيص والتفضيل، أو لأنهم الراسخون في عبادته على أن عباد جمع عابد كتاجر وتجار. {هَوْناً } هينين أو مشياً هيناً مصدر وصف به والمعنى أنهم يمشون بسكينة وتواضع {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَـٰهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً} تسلماً منكم ومتاركة لكم لا خير بيننا ولا شر، أو سداداً من القول يسلمون فيه من الإِيذاء والإِثم، ولا ينافيه آية القتال لتنسخه فإن المراد به الإِغضاء عن السفهاء وترك مقابلتهم في الكلام.

{وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَـٰماً} في الصلاة، وتخصيص البيتوتة لأن العبادة بالليل أحمز وأبعد عن الرياء وتأخير القيام للروي وهو جمع قائم أو مصدر أجري مجراه.

{وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} لازماً ومنه الغريم لملازمته، وهو إيذان بأنهم مع حسن مخالطتهم مع الخلق واجتهادهم في عبادة الحق وجلون من العذاب مبتهلون إلى الله تعالى في صرفه عنهم لعدم اعتدادهم بأعمالهم ووثوقهم على استمرار أحوالهم.

{إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} أي بئست مستقراً، وفيها ضمير مبهم يفسره المميز والمخصوص بالذم ضمير محذوف به ترتبط الجملة باسم إن، أو أحزنت وفيها ضمير اسم أن ومستقراً حال أو تمييز والجملة تعليل للعلة الأولى أو تعليل ثان وكلاهما يحتملان الحكاية والإِبتداء من الله.

{وَٱلَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ} لم يجاوزوا حد الكرم. {وَلَمْ يَقْتُرُواْ } ولم يضيقوا تضييق الشحيح. وقيل الإِسراف هو الإِنفاق في المحارم والتقتير منع الواجب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء وكسر التاء ونافع وابن عامر والكوفيون بضم الياء وكسر التاء من أقتر، وقرىء بالتشديد والكل واحد. {وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} وسطاً عدلاً سمي به لاستقامة الطرفين كما سمي سواء لاستوائهما، وقرىء بالكسر وهو ما يقام به الحاجة لا يفضل عنها ولا ينقص وهو خبر ثان أو حال مؤكدة، ويجوز أن يكون الخبر بين ذلك لغواً، وقيل إنه اسم {كَانَ } لكنه مبني لإِضافته إلى غير متمكن وهو ضعيف لأنه بمعنى القوام فيكون كالإِخبار بالشيء عن نفسه.

{وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ } أي حرمها بمعنى حرم قتلها. {إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} متعلق بالقتل المحذوف، أو بلا يقتلون {وَلاَ يَزْنُونَ } نفى عنهم أمهات المعاصي بعدما أثبت لهم أصول الطاعات إظهاراً لكمال إيمانهم وإشعاراً بأن الأجر المذكور موعود للجامع بين ذلك، وتعريضاً للكفرة بأضداده ولذلك عقبه بالوعيد تهديداً لهم فقال: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً } جزاء إثم أو إثماً بإضمار الجزاء، وقرىء «أياماً» أي شدائد يقال يوم ذو أيام أي صعب.

{يُضَـٰعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ} بدل من {يَلْقَ} لأنه في معناه كقوله:

مَتَى تَأَتِنَا تُلمِمْ بِنَا فِي دِيَارِنَا تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وَنَاراً تَأَجَّجَا

وقرأ أبو بكر بالرفع على الاستئناف أو الحال وكذلك: {وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً} وابن كثير ويعقوب يضعف بالجزم وابن عامر بالرفع فيهما مع التشديد وحذف الأَلف في «يضعف»، وقرىء {وَيَخْلُدْ } على بناء المفعول مخففاً، وقرىء مثقلاً وتضعيف العذاب مضاعفته لانضمام المعصية إلى الكفر ويدل عليه قوله:

{إِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَـٰلِحاً فَأُوْلَٰـئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ} بأن يمحو سوابق معاصيهم بالتوبة ويثبت مكانها لواحق طاعتهم، أو يبدل ملكة المعصية في النفس بملكة الطاعة. وقيل بأن يوفقه لأضداد ما سلف منه، أو بأن يثبت له بدل كل عقاب ثواباً. {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } فلذلك يعفو عن السيئات ويثيب على الحسنات.

{وَمَن تَابَ } عن المعاصي بتركها والندم عليها. {وَعَمِلَ صَـٰلِحَاً } يتلافى به ما فرط، أو خرج عن المعاصي ودخل في الطاعة. {فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ } يرجع إلى الله بذلك. {مَتاباً } مرضياً عند الله ماحياً للعقاب محصلاً للثواب، أو يتوب متاباً إلى الله الذي يحب التائبين ويصطنع بهم؛ أو فإنه يرجع إلى الله وإلى ثوابه مرجعاً حسناً وهو تعميم بعد تخصيص.

{وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ} لا يقيمون الشهادة الباطلة، أو لا يحضرون محاضر الكذب فإن مشاهدة الباطل شركة فيه. { وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ } [الفرقان: 72] ما يجب أن يلقى ويطرح. {مَرُّواْ كِراماً } معرضين عنه مكرمين أنفسهم عن الوقوف عليه والخوض فيه، ومن ذلك الإِغضاء عن الفواحش والصفح عن الذنوب والكناية عما يستهجن التصريح به.

{وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِـئَايَـٰتِ رَبّهِمْ } بالوعظ أو القراءة. {لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً } لم يقيموا عليها غير واعين لها ولا متبصرين بما فيها كمن لاَ يسمع ولا يبصر، بل أكبوا عليها سامعين بآذان واعية مبصرين بعيون راعية، فالمراد من النفي نفي الحال دون الفعل كقولك: لا يلقاني زيد مسلماً. وقيل الهاء للمعاصي المدلول عليها {بِٱلَّلغْوِ }.

{وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} بتوفيقهم للطاعة وحيازة الفضائل، فإن المؤمن إذا شاركه أهله في طاعة الله سر بهم قلبه وقرت بهم عينه لما يرى من مساعدتهم له في الدين وتوقع لحوقهم به في الجنة، و {مِنْ} إبتدائية أو بيانية كقولك: رأيت منك أسداً، وقرأ حمزة وأبو عمرو والكسائي وأبو بكر «وذريتنا» وقرأ ابن عامر والحرميان وحفص ويعقوب {وَذُرّيَّـٰتِنَا } بالألف، وتنكير الـ {أَعْيُنٍ} لإِرادة تنكير الـ {قُرَّةَ} تعظيماً وتقليلها لأن المراد أعين المتقين وهي قليلة بالإِضافة إلى عيون غيرهم. {وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً } يقتدون بنا في أمر الدين بإضافة العلم والتوفيق للعمل، وتوحيده إما للدلالة على الجنس وعدم اللبس كقوله { ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } [غافر: 67] أو لأنه مصدر في أصله، أو لأن المراد واجعل كل واحد منا، أو لأنهم كنفس واحدة لاتحاد طريقتهم واتفاق كلمتهم. وقيل جمع آم كصائم وصيام ومعناه قاصدين لهم مقتدين بهم.

{أُوْلَـئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ } أعلى مواضع الجنة وهي اسم جنس أريد به الجمع كقوله تعالى: { وَهُمْ فِي ٱلْغُرُفَـٰتِ ءَامِنُونَ } } [سبأ: 37] وللقراءة بها، وقيل هي من أسماء الجنة. {بِمَا صَبَرُواْ } بصبرهم على المشاق من مضض الطاعات ورفض الشهوات وتحمل المجاهدات. {وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَـٰماً } دعاء بالتعمير والسلامة أي يحييهم الملائكة ويسلمون عليهم، أو يحيـي بعضهم بعضاً ويسلم عليه، أو تبقية دائمة وسلامة من كل آفة، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر {يُلقون} من لقي.

{خَـٰلِدِينَ فِيهَا} لا يموتون فيها ولا يخرجون. {حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} مقابل {سَاءتْ مُسْتَقَرّاً} معنى ومثله إعراباً.

{قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبّي} ما يصنع بكم من عبأت الجيش إذا هيأته أو لا يعتد بكم. {لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ} لولا عبادتكم فإن شرف الإِنسان وكرامته بالمعرفة والطاعة وإلا فهو وسائر الحيوانات سواء. وقيل معناه ما يصنع بعذابكم لولا دعاؤكم معه آلهة إن جعلت استفهامية فمحلها النصب على المصدر كأنه قيل: أي عبء يعبأ بكم. {فَقَدْ كَذَّبْتُمْ} بما أخبرتكم به حيث خالفتموه. وقيل فقد قصرتم في العبادة من قولهم: كذب القتال إذا لم يبالغ فيه. وقرىء {فقد كذب الكافرون} أي الكافرون منكم لأن توجه الخطاب إلى الناس عامة بما وجد في جنسهم من العبادة والتكذيب. {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} يكون جزاء التكذيب لازماً يحيق بكم لا محالة، أو أثره لازماً بكم حتى يكبكم في النار، وإنما أضمر من غير ذكر للتهويل والتنبيه على أنه لا يكتنهه الوصف، وقيل المراد قتل يوم بدر وأنه لوزم بين القتلى لزاماً، وقرىء »لِزَاماً« بالفتح بمعنى اللزوم كالثبات والثبوت.

عن النبي صلى الله عليه وسلم "من قرأ سورة الفرقان لقى الله وهو مؤمن بأن الساعة آتية لا ريب فيها وأدخل الجنة بغير نصب" .