التفاسير

< >
عرض

وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ
٢٦
وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
٢٧
ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
٢٨
بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ
٢٩
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ
٣٠
مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ
٣١
مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
٣٢
وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ
٣٣
لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
٣٤
أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ
٣٥
وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ
٣٦
أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
٣٧
-الروم

انوار التنزيل واسرار التأويل

{وَلَهُمْ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَـٰنِتُونَ} منقادون لفعله فيهم لا يمتنعون عنه.

{وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} بعد هلاكهم. {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } والإِعادة أسهل عليه من الأصل بالإِضافة إلى قدركم والقياس على أصولكم وإلا فهما عليه سواء ولذلك قيل الهاء لـ {ٱلْخَلْقِ}، وقيل {أَهْوَنُ} بمعنى هين وتذكير هو لأهون أو لأن الإِعادة بمعنى أن يعيد. {وَلَهُ ٱلْمَثَلُ} الوصف العجيب الشأن كالقدرة العامة والحكمة التامة ومن فسره بقول لا إله إلا الله أراد به الوصف بالوحدانية. {ٱلأَعْلَىٰ} الذي ليس لغيره ما يساويه أو يدانيه. {فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وٱلأَرْضِ} يصفه به ما فيها دلالة ونطقاً. {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } القادر الذي لا يعجز عن إبداء ممكن وإعادته. {ٱلْحَكِيمُ } الذي يجري الأفعال على مقتضى حكمته.

{ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مّنْ أَنفُسِكُمْ} منتزعاً من أحوالها التي هي أقرب الأمور إليكم. {هَلْ لَّكُمْ مّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} من مماليككم. {مّن شُرَكَاء فِيمَا رَزَقْنَـٰكُمْ} من الأموال وغيرها. {فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ} فتكونون أنتم وهم فيه شرعاً يتصرفون فيه كتصرفكم مع أنهم بشر مثلكم وأنها معارة لكم، و {مِنْ } الأولى للابتداء والثانية للتبعيض والثالثة مزيدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي. {تَخَافُونَهُمْ} أن يستبدوا بتصرف فيه. {كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ} كما يخاف الأحرار بعضهم من بعض. {كَذٰلِكَ} مثل ذلك التفصيل. {نُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ} نبينها فإن التفصيل مما يكشف المعاني ويوضحها. {لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} يستعملون عقولهم في تدبر الأمثال.

{بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} بالإِشراك. {أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} جاهلين لا يكفهم شيء فإن العالم إذا اتبع هواه ربما ردعه علمه. {فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ } فمن يقدر على هدايته. {وَمَا لَهُم مّن نَّـٰصِرِينَ} يخلصونهم من الضلالة ويحفظونهم عن آفاتها.

{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفاً} فقومه له غير ملتفت أو ملتفت عنه، وهو تمثيل للإقبال والاستقامة عليه والاهتمام به. {فِطْرَتَ ٱللَّهِ} خلقته نصب على الإِغراء أو المصدر لما دل عليه ما بعدها. {ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا} خلقهم عليها وهي قبولهم للحق وتمكنهم من إدراكه، أو ملة الإِسلام فإنهم لو خلوا وما خلقوا عليه أدى بهم إليها، وقيل العهد المأخوذ من آدم وذريته. {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ} لا يقدر أحد يغيره أو ما ينبغي أن يغير. {ذٰلِكَ} إشارة إلى الدين المأمور بإقامة الوجه له أو الفطرة إن فسرت بالملة. {ٱلدّينُ ٱلْقَيّمُ} المستقيم الذي لا عوج فيه. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} استقامته لعدم تدبرهم.

{مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ} راجعين إليه من أناب إذا رجع مرة بعد أخرى، وقيل منقطعين إليه من الناب وهو حال من الضمير في الناصب المقدر لفطرة الله أو في أقم لأن الآية خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والأمة لقوله: {وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} غير أنها صدرت بخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم تعظيماً له.

{مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ} بدل من المشركين وتفريقهم اختلافهم فيما يعبدونه على اختلاف أهوائهم، وقرأ حمزة والكسائي «فارقوا» بمعنى تركوا دينهم الذي أمروا به. {وَكَانُواْ شِيَعاً} فرقاً تشايع كل إمامها الذي أضل دينها. {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} مسرورون ظناً بأنه الحق، ويجوز أن يجعل فرحون صفة كل على أن الخبر {مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ}.

{وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ} شدة. {دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ} راجعين من دعاء غيره. {ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مّنْهُ رَحْمَةً} خلاصاً من تلك الشدة. {إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ بِرَبّهِمْ يُشْرِكُونَ } فاجأ فريق منهم بالإِشراك بربهم الذي عافاهم.

{لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيْنَـٰهُمْ} اللام فيه للعاقبة وقيل للأمر بمعنى التهديد لقوله: {فَتَمَتَّعُواْ} غير أنه التفت فيه مبالغة وقرىء و «ليتمتعوا». {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} عاقبة تمتعكم، وقرىء بالياء التحتية على أن تمتعوا ماض.

{أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰناً} حجة وقيل ذا سلطان أي ملكاً معه برهان. {فَهُوَ يَتَكَلَّمُ } تكلم دلالة كقوله { كِتَـٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقّ } [الجاثية: 29] أو نطق. {بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ} بإشراكهم وصحته، أو بالأمر الذي بسببه يشركون به في ألوهيته.

{وَإِذَا أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً} نعمة من صحة وسعة. {فَرِحُواْ بِهَا} بطروا بسببها. {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ } شدة. {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } بشؤم معاصيهم. {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} فاجؤوا القنوط من رحمته وقرأ الكسائي وأبو عمرو بكسر النون.

{أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ} فما لهم يشكروا ولم يحتسبوا في السراء والضراء كالمؤمنين. {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} فيستدلون بها على كمال القدرة والحكمة.