التفاسير

< >
عرض

وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً
٢٠
وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَٰقاً غَلِيظاً
٢١
وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَآءَ سَبِيلاً
٢٢
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ وَبَنَٰتُكُمْ وَأَخَوَٰتُكُمْ وَعَمَّٰتُكُمْ وَخَالَٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلأَخِ وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ وَأُمَّهَٰتُكُمُ الَّٰتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَٰئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَٰبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً
٢٣
وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَٰنُكُمْ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَٰلِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَٰضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً
٢٤
وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَٰنِكُمْ بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍ وَلاَ مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٢٥
يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
٢٦
وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً
٢٧
-النساء

انوار التنزيل واسرار التأويل

{وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ} تطليق امرأة وتزوج أخرى. {وَآتَيتُمْ إِحْدَاهُنَّ} أي إحدى الزوجات، جمع الضمير لأنه أراد بالزوج الجنس. {قِنْطَاراً} مالاً كثيراً. {فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً} أي من قنطار. {أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَـٰناً وَإِثْماً مُّبِيناً} إستفهام إنكار وتوبيخ، أي أتأخذونه باهتين وآثمين، ويحتمل النصب على العلة كما في قولك: قعدت عن الحرب جبناً، لأن الأخذ بسبب بهتانهم واقترافهم المآثم. قيل كان الرجل منهم إذا أراد امرأة جديدة بهت التي تحته بفاحشة حتى يلجئها إلى الإفتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزوج الجديدة، فنهوا عن ذلك والبهتان الكذب الذي يبهت المكذوب عليه، وقد يستعمل في الفعل الباطل ولذلك فسر ههنا بالظلم.

{وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} إنكار لاسترداد المهر والحال أنه وصل إليها بالملامسة ودخل بها وتقرر المهر. {وَأَخَذْنَ مِنكُم مّيثَـٰقاً غَلِيظاً} عهداً وثيقاً، وهو حق الصحبة والممازحة، أو ما أوثق الله عليهم في شأنهن بقوله: { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ } [البقرة: 229] أو ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله"

{وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَاؤُكُمْ} ولا تنكحوا التي نكحها آباؤكم، وإنما ذكر ما دون من لأنه أريد به الصفة، وقيل ما مصدرية على إرادة المفعول من المصدر. {مّنَ ٱلنّسَاء} بيان ما نكح على الوجهين. {إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} استثناء من المعنى اللازم للنهي وكأنه قيل: وتستحقون العقاب بنكاح ما نكح آباؤكم إلا ما قد سلف، أو من اللفظ للمبالغة في التحريم والتعميم كقوله:

وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيرَ أَنَّ سُيُوفَهُم بِهِنْ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتَائِب

والمعنى ولا تنكحوا حلائل آبائكم إلا ما قد سلف إن أمكنكم أن تنكحوهن. وقيل الاستثناء منقطع ومعناه لكن ما قد سلف، فإنه لا مؤاخذة عليه لأنه مقرر. {إِنَّهُ كَانَ فَـٰحِشَةً وَمَقْتاً} علة للنهي أي إن نكاحهن كان فاحشة عند الله ما رخص فيه لأمةٍ من الأمم، ممقوتاً عند ذوي المروءات ولذلك سمي ولد الرجل من زوجة أبيه المقتي {وَسَاء سَبِيلاً } سبيل من يراه ويفعله.

{حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ وَبَنَـٰتُكُمْ وَأَخَوٰتُكُمْ وَعَمَّـٰتُكُمْ وَخَـٰلَـٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلأَخِ وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ} ليس المراد تحريم ذواتهن بل تحريم نكاحهن لأنه معظم ما يقصد منهن، ولأنه المتبادر إلى الفهم كتحريم الأكل من قوله: { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ } [المائدة: 3] ولأن ما قبله وما بعده في النكاح، وأمهاتكم تعم من ولدتك أو ولدت من ولدك وإن علت، وبناتكم تتناول من ولدتها أو ولدت من ولدها وإن سفلت، وأخواتكم الأخوات من الأوجه الثلاثة. وكذلك الباقيات والعمة كل أنثى ولدها من ولد ذكراً ولدك والخالة كل أنثى ولدها من ولد أنثى ولدتك قريباً أو بعيداً، وبنات الأخ وبنات الأخت تتناول القربى والبعدى. {وَأُمَّهَـٰتُكُمُ الْلاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوٰتُكُم مّنَ ٱلرَّضَاعَةِ} نَزَّلَ الله الرضاعة منزلة النسب حتى سمى المرضعة أماً والمُرضَّعة أختاً، وأمرها على قياس النسب باعتبار المرضعة ووالد الطفل الذي در عليه اللبن قال عليه الصلاة والسلام: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" واستثناء أخت ابن الرجل وأم أخيه من الرضاع من هذا الأصل ليس بصحيح فإن حرمتهما من النسب بالمصاهرة دون النسب. {وَأُمَّهَـٰتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ ٱللَّـٰتِي فِي حُجُورِكُمْ مّن نِّسَائِكُمُ ٱللَّـٰتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} ذكر أولاً محرمات النسب ثم محرمات الرضاعة، لأن لها لحمة كلحمة النسب، ثم محرمات المصاهرة فإن تحريمهن عارض لمصلحة الزواج، والربائب جمع ربيبة. والربيب ولد المرأة من آخر سمي به لأنه يربه كما يرب ولده في غالب الأمر، فعيل بمعنى مفعول وإنما لحقه التاء لأنه صار اسماً ومن نسائكم متعلق بربائبكم، واللاتي بصلتها صفة لها مقيدة للفظ والحكم بالإِجماع قضية للنظم، ولا يجوز تعليقها بالأمهات أيضاً لأن من إذا علقتها بالربائب كانت ابتدائية، وإذا علقتها بالأمهات لم يجز ذلك بل وجب أن يكون بياناً لنسائكم والكلمة الواحدة لا تحمل على معنيين عند جمهور الأدباء اللهم إذا جعلتها للاتصال كقوله:

إِذَا حَاوَلْتَ فِي أَسَدٍ فُجُورا فَإِنِّي لَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِني

على معنى أن أمهات النساء وبناتهن متصلات بهن، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم فرق بينهما فقال في رجل تزوج امرأة وطلقها قبل أن يدخل بها "إنه لا بأس أن يتزوج ابنتها ولا يحل له أن يتزوج أمها" وإليه ذهب عامة العلماء، غير أنه روي عن علي رضي الله تعالى عنه تقييد التحريم فيهما. ولا يجوز أن يكون الموصول الثاني صفة للنساءين لأن عاملهما مختلف، وفائدة قوله {فِي حُجُورِكُمْ} تقوية العلة وتكميلها، والمعنى أن الربائب إذا دخلتم بأمهاتهن وهن في احتضانكم أو بصدده تقوى الشبه بينها وبين أولادكم وصارت أحقاء بأن تجروها مجراهم لا تقييد الحرمة، وإليه ذهب جمهور العلماء. وقد روي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه جعله شرطاً، والأمهات والربائب يتناولان القريبة والبعيدة، وقوله دخلتم بهن أي دخلتم معهن الستر وهي كناية عن الجماع، ويؤثر في حرمة المصاهرة ما ليس بزنا كالوطء بشبهة، أو ملك يمين. وعند أبي حنيفة لمس المنكوحة ونحوه كالدخول. {فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} تصريح بعد إشعار دفعاً للقياس. {وَحَلَـٰئِلُ أَبْنَائِكُمُ} زوجاتهم، سميت الزوجة حليلة لحلها أو لحلولها مع الزوج. {ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَـٰبِكُمْ} احتراز عن المتبنين لا عن أبناء الولد {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ} في موضع الرفع عطفاً على المحرمات، والظاهر أن الحرمة غير مقصورة على النكاح فإن المحرمات المعدودة كما هي محرمة في النكاح فهي محرمة في ملك اليمين، ولذلك قال عثمان وعلي رضي الله تعالى عنهما: حرمتهما آية وأحلتهما آية، يعنيان هذه الآية. وقوله: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم} فرجح علي كرم الله وجهه التحريم، وعثمان رضي الله عنه التحليل. وقول علي أظهر لأن آية التحليل مخصوصة في غير ذلك ولقوله عليه الصلاة والسلام "ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام" {إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} استثناء من لازم المعنى، أو منقطع معناه لكن ما قد سلف مغفور لقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً}.

{وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنّسَاء} ذوات الأزواج، أحصنهن التزويج أو الأزواج. وقرأ الكسائي بكسر الصاد في جميع القرآن لأنهن أحصن فروجهن. {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَـٰنُكُمْ} يريد ما ملكت أيمانكم من اللاتي سبين ولهن أزواج كفار فهن حلال للسابين، والنكاح مرتفع بالسبي لقول أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: أصبنا سبايا يوم أوطاس ولهن أزواج كفار، فكرهنا أن نقع عليهن فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية فاستحللناهن. وإياه عنى الفرزدق بقوله:

وَذَات حَلِيلٍ أَنْكَحَتْهَا رِمَاحُنَا حَلاَلٌ لِمَنْ يَبْنِي بِهَا لَمْ تُطَلَّقِ

وقال أبو حنيفة لو سبي الزوجان لم يرتفع النكاح ولم تحل للسابي. وإطلاق الآية والحديث حجة عليه. {كِتَـٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} مصدر مؤكد، أي كتب الله عليكم تحريم هؤلاء كتاباً. وقرىء «كتب» الله بالجمع والرفع أي هذه فرائض الله عليكم «وكتب الله» بلفظ الفعل. {وَأُحِلَّ لَكُمْ} عطف على الفعل المضمر الذي نصب كتاب الله وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم على البناء للمفعول عطفاً على {حرمت}. {مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ} ما سوى المحرمات الثمان المذكورة. وخص عنه بالسنة ما في معنى المذكورات كسائر محرمات الرضاع، والجمع بين المرأة وعمتها وخالتها. {أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوٰلِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ} مفعول له والمعنى أحل لكم ما وراء ذلكم إرادة أن تبتغوا النساء بأموالكم بالصرف في مهورهن، أو أثمانهن في حال كونكم محصنين غير مسافحين، ويجوز أن لا يقدر مفعول تبتغوا وكأنه قيل إرادة أن يصرفوا أموالكم محصنين غير مسافحين أو بدل مما وراء ذلك بدل لاشتمال. واحتج به الحنفية على أن المهر لا بد وأن يكون مالاً. ولا حجة فيه. والإِحصان العفة فإنها تحصين للنفس عن اللوم والعقاب، والسفاح الزنا من السفح وهو صب المني فإنه الغرض منه. {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ} فمن تمتعتم به من المنكوحات، أو فما استمتعتم به منهن من جماع أو عقد عليهن. {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} مهورهن فإن المهر في مقابلة الاستمتاع. {فَرِيضَةً} حال من الأجور بمعنى مفروضة، أو صفة مصدر محذوف أي إيتاء مفروضاً أو مصدر مؤكد. {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ} فيما يزاد على المسمى أو يحط عنه بالتراضي، أو فيما تراضيا به من نفقة أو مقام أو فراق. وقيل: نزلت الآية في المتعة التي كانت ثلاثة أيام حين فتحت مكة ثم نسخت، لما روي أنه عليه الصلاة والسلام أباحها ثم أصبح يقول: "يا أيها الناس إني كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء ألا إن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة" وهي النكاح المؤقت بوقت معلوم سمي بها إذ الغرض منه مجرد الاستمتاع بالمرأة، أو تمتيعها بما تعطي. وجوزها ابن عباس رضي الله عنهما ثم رجع عنه. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً} بالمصالح. {حَكِيماً} فيما شرع من الأحكام.

{وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً} غنى واعتلاء وأصله الفضل والزيادة. {أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} في موضع النصب بطولاً. أو بفعل مقدر صفة له أي ومن لم يستطع منكم أن يعتلي نكاح المحصنات، أو من لم يستطع منكم غنى يبلغ به نكاح المحصنات يعني الحرائر لقوله: {فمن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم مّن فَتَيَـٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} يعني الإِماء المؤمنات، فظاهر الآية حجة للشافعي رضي الله تعالى عنه في تحريم نكاح الأمة على من ملك ما يجعله صداق حرة، ومنع نكاح الأمة الكتابية مطلقاً. وأول أبو حنيفةرحمه الله تعالى طول المحصنات بأن يملك فراشهن، على أن النكاح هو الوطء وحمل قوله: {مّن فَتَيَـٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} على الأفضل. كما حمل عليه في قوله: {ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} ومن أصحابنا من حمله أيضاً على التقييد وجوز نكاح الأمة لمن قدر على الحرة الكتابية دون المؤمنة حذراً عن مخالطة الكفار وموالاتهم، والمحذور في نكاح الأمة رق الولد، وما فيه من المهانة ونقصان حق الزوج. {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـٰنِكُمْ} فاكتفوا بظاهر الإِيمان فإنه العالم بالسرائر وبتفاضل ما بينكم في الإِيمان، فرب أمة تفضل الحرة فيه، ومن حقكم أن تعتبروا فضل الإِيمان لا فضل النسب، والمراد تأنيسهم بنكاح الإِماء ومنعهم عن الاستنكاف منه ويؤيده. {بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ} أنتم وأرقاؤكم متناسبون نسبكم من آدم ودينكم الإِسلام. {فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} يريد أربابهن واعتبار إذنهم مطلقاً لا إشعار له، على أن لهن أن يباشرن العقد بأنفسهم حتى يحتج به الحنفية. {وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} أي أدوا إليهن مهورهن بإذن أهلهن فحذف ذلك لتقدم ذكره، أو إلى مواليهن فحذف المضاف للعلم بأن المهر للسيد لأنه عوض حقه فيجب أن يؤدى إليه، وقال مالك رضي الله عنه: المهر للأمة ذهاباً إلى الظاهر {بِٱلْمَعْرُوفِ} بغير مطل وإضرار ونقصان. {مُحْصَنَـٰت} عفائف. {غَيْرَ مُسَـٰفِحَـٰتٍ} غير مجاهرات بالسفاح. {وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} أخلاء في السر {فَإِذَا أُحْصِنَّ} بالتزويج. قرأ أبو بكر وحمزة بفتح الهمزة والصاد والباقون بضم الهمزة وكسر الصاد. {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَـٰحِشَةٍ} زنى. {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ} يعني الحرائر. {مّنَ ٱلْعَذَابِ} من الحد لقوله تعالى: { وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } [النور: 2] وهو يدل على أن حد العبد نصف حد الحر، وأنه لا يرجم لأن الرجم لا ينتصف. {ذٰلِكَ } أي نكاح الإِماء. {لِمَنْ خَشِيَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ} لمن خاف الوقوع في الزنى، وهو في الأصل انكسار العظم بعد الجبر، مستعار لكل مشقة وضرر ولا ضرر أعظم من مواقعة الإِثم بأفحش القبائح. وقيل: المراد به الحد وهذا شرط آخر لنكاح الإِماء. {وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ } أي وصبركم عن نكاح الإِماء متعففين خير لكم. قال عليه الصلاة والسلام "الحرائر صلاح البيت والإِماء هلاكه" . {وَٱللَّهُ غَفُورٌ} لمن لم يصبر. {رَّحِيمٌ} بأن رخص له.

{يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيّنَ لَكُمْ} ما تعبدكم به من الحلال والحرام، أو ما خفي عنكم من مصالحكم ومحاسن أعمالكم، وليبين مفعول يريد واللام زيدت لتأكيد معنى الاستقبال اللازم للإِرادة كما في قول قيس بن سعد:

أَرَدْتُ لِكَيْمَا يَعْلَم النَّاس أَنَّه سَرَاويلُ قَيْسٍ وَالوُفُودُ شُهُودُ

وقيل المفعول محذوف، وليبين مفعول له أي يريد الحق لأجله. {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } مناهج من تقدمكم من أهل الرشد لتسلكوا طرقهم. {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} ويغفر لكم ذنوبكم، أو يرشدكم إلى ما يمنعكم عن المعاصي ويحثكم على التوبة، أو إلى ما يكون كفارة لسيئاتكم. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } بها {حَكِيمٌ} في وضعها.

{وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} كرره للتأكيد والمبالغة. {وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوٰتِ} يعني الفجرة فإن اتباع الشهوات الائتمار لها، وأما المتعاطي لما سوغه الشرع منها دون غيره فهو متبع له في الحقيقة لا لها. وقيل: المجوس. وقيل: اليهود فإنهم يحلون الأخوات من الأب وبنات الأخ وبنات الأخت. {أَن تَمِيلُواْ} عن الحق بموافقتهم على اتباع الشهوات واستحلال المحرمات. {مَيْلاً عَظِيماً} بالإِضافة إلى ميل من اقترف خطيئة على ندور غير مستحل لها.