التفاسير

< >
عرض

وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً
٣٣
ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً
٣٤
وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحاً يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً
٣٥
وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً
٣٦
ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً
٣٧
-النساء

انوار التنزيل واسرار التأويل

{وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوٰلِدٰنِ وَٱلأَقْرَبُونَ} أي ولكل تركة جعلنا وراثاً يلونها ويحرزونها، ومما ترك بيان لكل مع الفصل بالعامل. أو لكل ميت جعلنا وراثاً مما ترك على أن من صلة موالي. لأنه في معنى الوارث، وفي ترك ضمير كل والوالدان والأقربون استئناف مفسر للموالي، وفيه خروج الأولاد فإن الأقربون لا يتناولهم كما لا يتناول الوالدين، أو لكل قوم جعلناهم موالي حظ مما ترك الوالدان والأقربون، على إن جعلنا موالي صفة كل والراجع إليه محذوف على هذا فالجملة من مبتدأ وخبر. {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} موالى الموالاة، كان الحليف يورث السدس من مال حليفه فنسخ بقوله: { وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ } [الأنفال: 75] وعن أبي حنيفةرحمه الله تعالى: لو أسلم رجل على يد رجل وتعاقد على أن يتعاقلا ويتوارثا صح وورث. أو الأزواج على أن العقد عقد النكاح وهو مبتدأ ضمن معنى الشرط وخبره. {فَآتُوهُم نَصِيبَهُمْ} أو منصوب بمضمر يفسره ما بعده كقولك: زيداً فاضربه، أو معطوف على الوالدان، وقوله فآتوهم جملة مسببة عن الجملة المتقدمة مؤكدة لها، والضمير للموالي. وقرأ الكوفيون {عَقَدَتْ} بمعنى عقدت عهودهم إيمانكم فحذف العهود وأقيم الضمير المضاف إليه مقامه ثم حذف كما حذف في القراءة الأخرى. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلّ شَيْءٍ شَهِيداً} تهديد على منع نصيبهم.

{ٱلرّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنّسَاء} يقومون عليهن قيام الولاة على الرعية، وعلل ذلك بأمرين وهبي وكسبي فقال: {بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} بسبب تفضيله تعالى الرجال على النساء بكمال العقل وحسن التدبير، ومزيد القوة في الأعمال والطاعات، ولذلك خصوا بالنبوة والإِمامة والولاية وإقامة الشعائر، والشهادة في مجامع القضايا، ووجوب الجهاد والجمعة ونحوها، والتعصيب وزيادة السهم في الميراث والاستبداد بالفراق. {وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ} في نكاحهن كالمهر والنفقة. روي " (أن سعد بن الربيع أحد نقباء الأنصار نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، فلطمها فانطلق بها أبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لتقتص منه، فنزلت فقال عليه الصلاة والسلام:أردنا أمراً وأراد الله أمراً والذي أراد الله خير" {فَٱلصَّـٰلِحَـٰتُ قَـٰنِتَـٰتٌ} مطيعات لله قائمات بحقوق الأزواج. {حَافِظَـٰتٌ لّلْغَيْبِ} لمواجب الغيب أي يحفظن في غيبة الأزواج ما يجب حفظه في النفس والمال، وعنه عليه الصلاة والسلام: "خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرتك، وإن أمرتها أطاعتك، وإن غبت عنها حفظتك في مالها ونفسها" وتلا الآية. وقيل لأسرارهم. {بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ} بحفظ الله إياهن بالأمر على حفظ الغيب والحث عليه بالوعد والوعيد والتوفيق له، أو بالذي حفظه الله لهن عليهم من المهر والنفقة والقيام بحفظهن والذب عنهن. وقرىء {بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ} بالنصب على أن ما موصولة فإنها لو كانت مصدرية لم يكن لحفظ فاعل، والمعنى بالأمر الذي حفظ حق الله وطاعته وهو التعفف والشفقة على الرجال. {وَٱللَّـٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} عصيانهن وترفعهن عن مطاوعة الأزواج من النشز. {فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ} في المراقد فلا تدخلوهن تحت اللحف، أو لا تباشروهن فيكون كناية عن الجماع. وقيل المضاجع المبايت أي لا تباينوهن {وَٱضْرِبُوهُنَّ} يعني ضرباً غير مبرح ولا شائن، والأمور الثلاثة مرتبة ينبغي أن يتدرج فيها. {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} بالتوبيخ والإِيذاء، والمعنى فأزيلوا عنهن التعرض واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} فاحذروه فإنه أقدر عليكم منكم على من تحت أيديكم، أو أنه على علو شأنه يتجاوز عن سيئاتكم ويتوب عليكم فأنتم أحق بالعفو عن أزواجكم، أو أنه يتعالى ويتكبر أن يظلم أحداً أو ينقص حقه.

{وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} خلافاً بين المرأة وزوجها، أضمرها وإن لم يجر ذكرهما لجرى ما يدل عليهما وإضافة الشقاق إلى الظرف إما لإجرائه مجرى المفعول به كقوله: يَا سَارِقَ اللَّيْلَةَ أَهْلَ الدَّارِ أو لفاعل كقولهم نهارك صائم. {فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مّنْ أَهْلِهَا} فابعثوا أيها الحكام متى اشتبه عليكم حالهما لتبيين الأمر أو إصلاح ذات البين، رجلاً وسطاً يصلح للحكومة والإِصلاح من أهله وآخر من أهلها، فإن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال وأطلب للصلاح، وهذا على وجه الاستحباب فلو نصبا من الأجانب جاز. وقيل الخطاب للأزواج والزوجات، واستدل به على جواز التحكيم، والأظهر أن النصب لإصلاح ذات البين أو لتبيين الأمر ولا يليان الجمع والتفريق إلا بإذن الزوجين، وقال مالك لهما أن يتخالعا إن وجدا الصلاح فيه. {إِن يُرِيدَا إِصْلَـٰحاً يُوَفّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَا} الضمير الأول للحكمين والثاني للزوجين، أي إن قصدا الإِصلاح أوقع الله بحسن سعيهما الموافقة بين الزوجين. وقيل كلاهما للحكمين أي إن قصدا الإِصلاح يوفق الله بينهما لتتفق كلمتهما ويحصل مقصودهما. وقيل للزوجين أي إن أرادا الإصلاح وزوال الشقاق أوقع الله بينهما الألفة والوفاق، وفيه تنبيه على أن من أصلح نيته فيما يتحراه أصلح الله مبتغاه. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً} بالظواهر والبواطن، فيعلم كيف يرفع الشقاق ويوقع الوفاق.

{وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} صنماً أو غيره، أو شيئاً من الإِشراك جلياً أو خفياً {وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً} وأحسنوا بهما إحساناً. {وَبِذِي ٱلْقُرْبَىٰ} وبصاحب القرابة. {وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} أي الذي قرب جواره. وقيل الذي له الجوار قرب واتصال بنسب أو دين. وقرىء بالنصب على الاختصاص تعظيماً لحقه. {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ} البعيد، أو الذي لا قرابة له. وعنه عليه الصلاة والسلام: "الجيران ثلاثة. فجار له ثلاثة حقوق: حق الجوار، وحق القرابة، وحق الإِسلام. وجار له حقان: حق الجوار وحق الإِسلام، وجار له حق واحد: حق الجوار وهو المشرك من أهل الكتاب" {وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ} الرفيق في أمر حسن كتعلم وتصرف وصناعة وسفر، فإنه صحبك وحصل بجنبك. وقيل المرأة. {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} المسافر أو الضعيف. {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} العبيد والإِماء. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً} متكبراً يأنف عن أقاربه وجيرانه وأصحابه ولا يلتفت إليهم. {فَخُوراً} يتفاخر عليهم.

{ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ} بدل من قوله من كان، أو نصب على الذم أو رفع عليه أي هم الذين، أو مبتدأ خبره محذوف تقديره الذين يبخلون بما منحوا به ويأمرون الناس بالبخل به. وقرأ حمزة والكسائي ههنا وفي «الحديد» {بِٱلْبُخْلِ} بفتح الحرفين وهي لغة. {وَيَكْتُمُونَ مَا ءَاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} الغنى والعلم فهم أحقاء بكل ملامة. {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً } وضع الظاهر فيه موضع المضمر إشعاراً بأن من هذا شأنه فهو كافر لنعمة الله، وما كان كافراً لنعمة الله فله عذاب يهينه كما أهان النعمة بالبخل والإِخفاء. والآية نزلت في طائفة من اليهود كانوا يقولون للأنصار تنصيحاً: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر. وقيل في الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم.